|
| شعار جمعية حقوق المواطن
|
تركزت البداية على التصدي للممارسات الاحتكارية لشركتي الهاتف المحمول، ثم تحول النشاط إلى التوعية بحقوق المواطنين، والمطالبة بكل الحقوق التي كفلها الدستور، وامتد إلى فضح المسئولين المتهمين بالفساد والدعوة لمحاكمتهم، هذا هو ملخص تجربة جمعية حقوق المواطن في مصر.
في يوم 3-1-2004، قررت الشركتان المحتكرتان لخدمة الهاتف المحمول في مصر رفع رسوم التعامل بنظام الكروت المدفوعة مسبقا، وألغت النظام الذي كان يتيح الاتصال والاستقبال لمدة 3 أشهر، بالإضافة إلى الاستقبال لمدة شهر رابع، وأعلنت اتباع نظام جديد يتيح الاتصال والاستقبال لمدة شهرين، بالإضافة إلى الاستقبال لمدة 10 أيام إضافية.
وقد أثار هذا القرار سخطا عارما بين أوساط الشعب المصري؛ ففضل البعض التخلي عن هاتفه المحمول ليتجنب استنزاف أمواله، وضرب آخرون كفا بكف ولسان حالهم يقول "ما باليد حيلة"، وبعد أيام من صدور القرار التقيت بالأستاذ أحمد طه النقر الكاتب الصحفي بجريدة الأخبار والناشط السياسي.
تركز حوارنا على قرار شركتي المحمول باعتباره منعطفا مهما على طريق ممارسات الشركات المحتكرة في السوق المصرية، خاصة أنه جاء وسط موجة من رفع الشركات للأسعار دون سبب وجيه، حتى إن سعر طن حديد البناء ارتفع بنسبة 150% خلال عام 2004، فيما كانت الحكومة شبه غائبة ومتخلية عن دورها الرقابي وكان الشعب مستسلما.
مبادرة شعبية
بحثنا معا اتخاذ مبادرة شعبية تهدف لوضع حد للممارسات الاحتكارية للشركات؛ فقررنا عقد اجتماع في نقابة الصحفيين بالقاهرة، ووجهنا الدعوة لكل من نعرفهم من النشطاء والمهتمين بالعمل العام والمناهضين للاحتكار والمدافعين عن حقوق الشعب المصري، وبالفعل كان الحضور باعثا للأمل؛ فقد احتشد المئات من الصحفيين والمحامين والناشطين داخل القاعة الكبرى في النقابة وتبارى المشاركون في عرض وجهات نظرهم وأفكارهم لوضع حد لما اعتبروه طغيان الشركات.
وانتهت المناقشات الساخنة في هذا اليوم إلى تشكيل لجنة تابعة لنقابة الصحفيين تحمل اسم "لجنة حقوق المواطن"، وتتولى اللجنة التنسيق للقيام بحملة ضد الاحتكار، ولدعم حقوق الشعب المصري، وكان الهدف هو مواجهة انتهاك حقوق المصريين والمطالبة بكل حقوقهم التي نص عليها الدستور بداية من رغيف الخبز وحتى مقعد رئاسة الجمهورية.
كان بداية نشاط "اللجنة" حملتين ضد شركتي المحمول وشملتا مقاطعة استخدام الهواتف المحمولة في يومي الخميس 5-2-2004، والجمعة 19-3-2004؛ الأمر الذي كبد الشركتين خسائر مادية كبيرة، حتى إن خبراء الاتصالات المتطوعين في اللجنة قدروا الخسائر بحوالي 12 مليون جنيه خلال حملة المقاطعة الثانية. وأكدوا أن عدد المشاركين تجاوز المليون شخص من بين حوالي 5 ملايين شخص وهو عدد المشتركين في الخدمة في تلك الفترة.
الإنترنت سلاح المعركة
وقد استخدمت اللجنة وسائل إلكترونية عدة للترويج لحملتها، منها التنسيق مع شبكات الإنترنت المختلفة لنشر أخبار المقاطعة، وتبادل الرسائل عبر البريد الإلكتروني والهاتف المحمول (وخاصة بين عملاء الكروت المدفوعة مقدما ليستغلوا الأموال التي دفعوها في محاربة الشركات).
وكانت رسائل البريد الإلكتروني تشمل الدعوة للمشاركة في المقاطعة عبر الرسوم الكاريكاتيرية والصور والدعوات المكتوبة، وتم نشر البريد الإلكتروني للجنة Mowatenmasri@yahoo.com في الأخبار التي تناقلتها الصحف ووسائل الإعلام المختلفة والملصقات التي تم نشرها في شوارع القاهرة؛ فتلقى حوالي 70 ألف رسالة خلال الحملة الأولى يؤكد أصحابها أنهم يعتزمون المشاركة.
وفي الحملة الثانية اتبعت اللجنة نفس الطريقة، ولكن مع توسيع دائرة الترويج، فبلغ انتشار الدعوة للمقاطعة أن انضمت إليها صحيفة حكومية وهو أمر لم يكن معهودا في مصر أن تروج صحيفة تابعة للدولة إلى نشاط المقاومة الشعبية.
حملة توعية
بالتوازي مع المقاطعة تم تبني حملة لتعريف المواطنين بحقوقهم في مجال الاتصالات قام بها المحامون الأعضاء في الجمعية عن طريق الرسائل الإلكترونية. وفي حركة تصعيد أخرى اتخذ المحامون إجراءات قانونية ضد شركتي المحمول ووزير الاتصالات ورئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات؛ وهو ما زاد من الضغوط على الشركتين ودفعهما للعودة للنظام القديم في يونيو 2004.
في هذه اللحظة أدركنا (نحن أعضاء اللجنة) أن التحرك الشعبي مثمر خاصة عندما يكون منظما ومعتمدا على التقنيات الحديثة، واعتبرنا أن هذا النجاح بداية جيدة لاستعادة كل حقوق المصريين، فكان القرار أن تتحول اللجنة إلى جمعية أهلية كي يشارك بها أكبر عدد من المواطنين ولتعمل في مجال دعم حقوق المواطنين في إطار القانون المصري؛ فتمت إجراءات التسجيل والإشهار لدى وزارة الشئون الاجتماعية في سبتمبر 2004، وتم إعلانها جمعية أهلية للدفاع عن الحقوق الدستورية للمواطن المصري.
وترأست الجمعية الإعلامية فريدة الشوباشي، فيما تولى أحمد طه النقر منصب الأمين العام، وأسندت مهمة رئيس الصندوق إلى جورج إسحاق الناشط المعروف المنسق العام الحالي للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية).
من المحمول إلى النظافة
ووسط زخم الانتصار على شركتي المحمول، تصدت الجمعية لشكل آخر من أشكال السطو على حقوق المصريين، فأقامت دعوى قضائية ضد محافظة الجيزة التي كانت تحصل رسوما للنظافة مع فواتير الكهرباء وتزامن مع ذلك الترويج لنشاط الجمعية وهذه القضية عبر البريد الإلكتروني؛ فساهمت الجمعية في رفع الوعي لدى المواطنين فانضموا إليها، وبات العشرات حريصين على حضور جلسات القضية حتى حكم القضاء الإداري ببطلان تحصيل الرسوم.
رواد الإنترنت
وفي عام 2005 تعلقت الأنظار بالجمعية مع كل قرار جديد، وتدفقت طلبات الانضمام على لجنة العضوية، وكان واضحا أن رواد الإنترنت تأثروا بحملات الجمعية؛ فقد كان معظم المتقدمين للعضوية من الشباب، وهم الذين يمثلون غالبية رواد الإنترنت.
وأعلنت الجمعية جدول أعمالها الجديد، حيث أقامت دعوى قضائية ضد وزير الإسكان والمرافق وشركة مياه القاهرة الكبرى كجزء من رد الفعل على زيادة أسعار مياه الشرب؛ فقد زادت فواتير المياه في بعض الحالات إلى 300%، وهددت الجمعية بمقاضاة شركة الغاز الطبيعي التي لم تكن أكثر رحمة بالمواطنين ورفعت الرسوم أيضا.
وشملت أجندة 2005 إعداد الأبحاث والدراسات حول حماية حقوق المواطنين والمستهلكين، وإقامة الندوات والدورات التدريبية للتوعية بحقوق المواطنين، وبالطبع إقامة موقع على الإنترنت، وتكوين مجموعة بريدية؛ فقد كان للإنترنت الدور الأهم في الترويج لأنشطة الجمعية وتوعية المواطنين.
ضد وزير الزراعة
وكان آخر قرارات الجمعية شن حملة كبرى ضد وزير الزراعة السابق يوسف والي، بتهمة التسبب في إصابة ملايين المصريين بالسرطان نتيجة سماحه باستيراد مبيدات ومواد كيماوية مسرطنة خلال وجوده بالوزارة، وقررت الجمعية أن تشمل الحملة اتخاذ الإجراءات القانونية لمحاكمته والترويج الواسع عبر الإنترنت لتوضيح خطورة قرارات يوسف والي والمطالبة بملاحقته.
لكن في لحظة صدق لا بد من الإشارة إلى أن الظروف السياسية التي شهدتها مصر لم تترك الجمعية تحقق كل أهدافها؛ فمعظم أعضاء اللجنة من كوادر حركة كفاية، وهم منغمسون في التظاهر والمشاركة في الاحتجاجات على مدار عام 2005 الذي شهد أحداثا سياسية مهمة، خاصة تعديل الدستور وإجراء أول انتخابات رئاسية ثم الانتخابات البرلمانية.
ولكن بعد أن وضعت الحروب السياسية أوزارها، وخسر يوسف والي الحصانة النيابية بعد خسارته في الانتخابات، تبدو مهمة جمعية حقوق المواطن أكثر سهولة في ملاحقته جنائيا؛ الأمر الذي سيشجعنا على استئناف الجهود النشطة بكل حماس.
|