English

 

الأحد. يونيو. 18, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » بلاد الشام

 

الاقتصاد السوري.. أوجاع الرجل المريض!!

عبد الكريم حمودي

عندما يُفْتَح ملف الاقتصاد السوري؛ تستعيد الذاكرة مشهد الرجل المريض الذي يَئِنُّ من كثرة الأوجاع المزمنة، فعلى الرغم من الإمكانيات الهائلة، والموارد الطبيعية المتوفرة لهذا الاقتصاد، إلا أن الإدارات المتعاقبة لم تُفلح في تحويل تلك الموارد إلى آثار ملموسة في حياة المواطن السوري، بل على العكس من ذلك شهد الاقتصاد العديد من الاختلالات الهيكلية بدءاً من تراجع معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي وانتهاء بارتفاع معدلات التضخم ومرورًا بالبطالة، فضلاً عن انتشار الفساد، وعجز الإدارات المتعاقبة عن مطاردته أو القضاء عليه، ولعل من نافلة القول: إن الاقتصاد السوري لا يختلف في ذلك عن كثير من الاقتصاديات العربية، لكنه يملك من المقومات ما يؤهله لِتَبَوُّء مكانة مرموقة، إذا ما أحسنت إدارته، وهذا هو التحدي الذي يواجه الرئيس الجديد لسورية.

16 مليون نسمة ينتجون 16 مليار دولار!!

تتباين التقديرات حول الناتج المحلي الإجمالي السنوي لسورية، ومنها ما أوردته صحيفة الحياة

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156177751
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
14/6/2000م "أن قيمة الناتج المحلي يتراوح بين 18 و19 مليار دولار، على قدم المساواة مع لبنان، وهي دولة أصغر بكثير من سورية، لكنها ذات سوق حرة". وهو ما أكده تقرير أعدته الاقتصادية "رنا شلق" من بنك بيروت والبلاد العربية عن الاقتصاد السوري أن لبنان الذي يبلغ عدد سكانه خُمْس عدد سكان سورية (16 مليون نسمة) حقق المستوى نفسه من الناتج الإجمالي المحلي.

لكن الدراسة التي أعدها الدكتور "هنري عزام" بعنوان (تأثير السلام الشامل في النمو للدول العربية ذات الاقتصاديات الأكثر تنوعًا) ونشرتها صحيفة الحياة في 4/3/2000م تعطي فكرة واضحة عن هذا الموضوع، حيث تقول الدراسة: إن الناتج المحلي الإجمالي في سورية، وبالأسعار الثابتة نَمَا عام 1999م بنسبة 1.4% وبلغت قيمته الإجمالية 16.10 مليار دولار، مقابل تراجع نسبته 1.5% في عام 1998م وبقيمة 15.88 مليار دولار، في حين كانت نسبة النمو في عام 1997 نحو 4% وبقيمة 16.12 مليار دولار، أما في عام 1996م فقد بلغت نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي 1.3% وبقيمة 15.91 مليار دولار، وتتوقع الدراسة أن يبلغ معدل النمو خلال عام 2000م حوالي 2% وبقيمة 16.42 مليار دولار. ونسب النمو السابقة في الناتج الإجمالي السوري جاءت أيضاً في توقعات التقرير السنوي الذي نشرته منظمة "ألاسكوا" (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا)، وإذا ما أخذنا المعدل المتوسط للناتج المحلي الإجمالي السنوي السوري للفترة من 1996 -2000 نجد أنه يبلغ 16.086 مليار دولار، وعليه فإن الحد الأقصى لنصيب الفرد في سورية من الدخل يصل حاليًا إلى 1000 دولار سنويًّا، أو 83.88 دولارًا شهريًّا.

المركز 111 لسورية في التنمية البشرية عالميًّا

من المعروف أن دليل التنمية البشرية الذي يصدره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة يقيس التقدم الذي يحرزه البلد في مجال التنمية البشرية بحيث يكمل الناتج القومي الإجمالي الذي يقيس الثروة والدخل، ويتكون دليل التنمية البشرية من ثلاثة عناصر هي متوسط عمر الفرد، ودخل الفرد، والتحصيل العلمي، وحسب الدليل الذي أصدره البرنامج عام 1999م والذي يضم 174 دولة، فإن مرتبة سورية هبطت من المرتبة 81 عام 1998م إلى المرتبة 111 عام 1999م متراجعة بذلك 31 درجة في دليل التنمية البشرية خلال عام واحد فقط، بينما احتلت لبنان المرتبة (69)، وبالنسبة إلى الدول العربية التي وردت في دليل التنمية البشرية لعام 1999م احتلت سورية المرتبة الثانية عشرة، حيث كان ترتيب البلدان العربية في دليل التنمية البشرية على النحو التالي: (الكويت: 35، البحرين:37، قطر:41، الإمارات العربية المتحدة: 43، ليبيا: 65، لبنان: 69، المملكة العربية السعودية: 78، سلطنة عمان: 89، الأردن: 94، تونس: 102، الجزائر: 109، سورية: 111، مصر: 120، العراق: 125، المغرب: 126، السودان: 142، اليمن: 148). وبمقارنة هذه الأرقام مع أرقام عام 1998م نرى أن 10 دول عربية قد شهدت هبوطاً في مركزها في دليل التنمية البشرية، إلا أن سورية كانت أكثر دولة بنسبة الهبوط بـ 31 مرتبة، ثم الجزائر بـ 28 مرتبة ثم تونس بـ 20 مرتبة، تلتها عُمان بـ 18 مرتبة، فمصر بـ 9 مراتب، فالأردن والسعودية بـ 8 مراتب، فلبنان بـ 3 مراتب، فالمغرب بمرتبتين، وأخيراً ليبيا بمرتبة واحدة.

وبالإضافة إلى تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن التقرير السنوي لصندوق الأمم المتحدة للسكان والذي جاء تحت عنوان: "حالة سكان العالم 1999" أكد أن النسبة المئوية للأميين ممن تتجاوز أعمارهم 15 سنة (ذكور/ إناث) تتراوح بين (15 - 45 %). أما بالنسبة لوفيات الأطفال لكل ألف مولود فقد احتلت سورية المرتبة التاسعة بين الدول العربية السبع عشرة التي أوردها التقرير. وتشير الأرقام الرسمية أن ما يرصد للبحث العلمي في سورية لا يتجاوز الـ 0.2% من الناتج المحلي في حين تخصص الدول المتقدمة ما لا يقل عن 2,5% من الناتج المحلي الإجمالي.

22 مليار دولار ديون خارجية تعادل 130% من الناتج

يعاني الاقتصاد السوري مثل الكثير من الاقتصاديات العربية من مشكلة الديون الكبيرة والتي تختلف التقديرات حول قيمتها الحقيقية في غياب أي بيانات رسمية سورية، فقد جاء في صحيفة "هآرتس الإسرائيلية" بتاريخ 28/4/1999م أن الديون الخارجية لسورية تصل إلى 22 مليار دولار أي نحو 130% من الناتج المحلي الإجمالي، ونقلت صحيفة الشرق الأوسط (31/1/1991م) عن تقرير لصندوق النقد الدولي "أن قيمة الديون المترتبة على سورية لصالح روسيا ودول أوروبا الشرقية السابقة تبلغ 16.44 مليار دولار، منها 12.5 مليار دولار لروسيا حتى نهاية عام 1990م، بينما تبلغ قيمة الديون لصندوق النقد الدولي 432 مليون دولار فقط، واعترف اقتصادي سوري في تقرير نشرته صحيفة الحياة مؤخراً أن خدمات الديون السنوية المترتبة على سوريا تبلغ مليار دولار، وهو مبلغ كبير لدولة لم تتجاوز ميزانيتها لعام 2000م حاجر الـ 6 مليارات دولار.

3 ملايين مواطن بلا عمل

تقول الإحصاءات الرسمية: إن 60% من الشعب السوري هم دون العشرين من العمر، مما يعني أن حجم قوة العمل ليس كبيراً في الوقت الحاضر حيث يبلغ 3.5 مليون عامل منهم 25% يعملون في القطاع الزراعي، وبينما تقدر الإحصاءات الرسمية نسبة البطالة بـ8 % استناداً إلى تصريحات وزير العمل السوري "علي خليل" التي نشرتها صحيفة "القدس العربي" في الثالث من شباط 1999م، تشير التقديرات المستقلة أن نسبة البطالة تبلغ 18% من قوة العمل البالغة 29% من مجموع السكان، وهو رقم كبير نسبيًّا حتى بمقاييس البطالة في الدول العربية التي يبلغ معدلها المتوسط 14%، وبينما أجمعت المصادر المختلفة أن هناك 3 ملايين عاطل عن العمل، فإن عضو مجلس الشعب "رياض سيف" قال في تصريحات نشرتها صحيفة "القدس العربي" في 2/2/2000م إن نسبة البطالة تزيد عن 20%، مع وجود نسبة أكبر من البطالة المقنعة، وربما تؤكد تصريحات سيف ما ذهبت إليه بعض المصادر من أن نسبة البطالة تصل إلى 30%، كما تقدر بعض الجهات الرسمية الحاجة السنوية من فرص العمل بحوالي 300 ألف فرصة عمل تبلغ تكلفة توفيرها نحو 400 مليار ليرة سورية، أي نحو 8 مليارات دولار. ولعل مما يدل على حجم البطالة المرتفع رغبة السوريين في الهجرة خارج البلاد بحثاً عن العمل، وفي هذا السياق ووفقاً لإحصائيات مديرية الأمن العام اللبنانية، فإن ما يزيد عن المليون ونصف المليون من المواطنين السوريين يعملون في لبنان.

48% من المواطنين تحت خط الفقر

أما بالنسبة للفقر، فمن المعلوم أن البطالة هي مصنع لإنتاج الفقر بشكل أوتوماتيكي، علاوة على ثبات الأجور واستمرار ارتفاع الأسعار، وفي هذا الإطار قال تقرير اقتصادي نشرته صحيفة الحياة في 13/5/2000م إن الأجور لم يطرأ عليها أي تغيير منذ عام 1994م، ويقول تقرير صادر عن دائرة الإحصاء المركزي السورية ونشرت صحيفة البعث في 7/7/1997م ملخصاً عنه "إن 68% من العاملين بأجر في سورية لا تتجاوز أجورهم الخمسة آلاف ليرة سورية أو ما يعادل 100 دولار. وأضاف تقرير مكتب الإحصاء المركزي أن 16% من العاملين بأجر يتقاضون أقل من ثلاثة آلاف ليرة سورية (60 دولاراً) وأن 52% يتقاضون بين 3000 و5000 ليرة سورية، الأمر الذي يعني أن 68% من العاملين بأجر لا يتجاوز دخلهم المائة دولار أمريكي شهريًّا.

وأكدت الدراسة أن 19.5% يحصلون على أجور تتراوح بين 5 و7 آلاف ليرة، بينما لا تتجاوز نسبة من يحصل على أجر بين 7 و9 آلاف الـ 4.4% وأن 8.1% يتقاضون أجور تفوق الـ 9 آلاف شهريًّا أي ما يعادل (180 دولاراً).

وخَلُصَ التقرير إلى القول بأن الحد الأعلى للأجور يساوي حاليًا ثلاثة أضعاف الحد الأدنى، في حين أنه كان يساوي تسعة أضعاف في الستينيات، وعلقت صحيفة البعث على تقرير مركز الإحصاء المركزي بقولها: بما أن الضرائب لا تعرف الحركة إلا صعوداً وانتشاراً بكل الاتجاهات، فإن الأجور هي أيضاً لا تجد طريقاً سوى الانحدار إلى قعر الهاوية".

وحسب دراسة أخرى تراجعت القيمة الشرائية للأجور بمقدار 12% سنويًّا منذ آخر زيادة شهدتها التي مضى عليها ست سنوات، وأضافت أن الموازنة الجديدة لعام 2000م التي تم اعتمادها والبالغة 5.99 مليار دولار لم تتضمن اعتمادات لزيادة الأجور أو الرواتب. وفي هذا السياق وفي حوار أجرته وكالة رويتر في 12/6 مع عضو مجلس الشعب "رياض سيف" قال: إن الرواتب لا تتناسب مع الأداء الوظيفي إذ يبلغ متوسط الراتب الشهري 200 دولار للقاضي و120 دولاراً للمدرس.

وبينما تؤكد التقارير أن 48% من الشعب السوري يعيشون تحت خط الفقر؛ فإن عضو مجلس الشعب السوري "عبد الوهاب رشواني" أوضح في تصريحات له أن 80% من السكان يحصلون على دخل أقل بكثير من دخل شريحة لا يتجاوز عددها 10% من السكان، أي أن دخل الفرد من هذه الشريحة يعادل دخل 10 آلاف مواطن من الشرائح الأخرى.

كما أن من أسباب انتشار الفقر وتراجع مستوى المعيشة لقطاعات كبيرة من الشعب السوري يعود إلى انخفاض التعويضات العائلية التي لم ترفع قيمتها منذ تَمَّ وضعها عام 1976م والبالغة 25 ليرة سورية (نصف دولار) عن الزوجة والأولاد والتي كانت تشكل 1/ 8 من الراتب أما الآن فلم تَعُدْ تشكل شيئاً، الأمر الذي أدى إلى زيادة عدد الفقراء إلى أرقام قياسية.

فشل متواصل في مواجهة غول الفساد

ظاهرة الفساد في الاقتصاد السوري ظاهرة قديمة ومستعصية على الحل، وقد حاولت حكومات سورية مختلفة معالجة هذه القضية؛ لكنها لم تنجح في مسعاها، ويقول تقرير اقتصادي عن ظاهرة الفساد في سورية نشرته صحيفة "القدس العربي" في 9/6/2000م: "اليوم في سورية فساد؛ لأن الدولة اعترفت بوجوده، فكيف يستأصل هذا الداء الوبيل، لقد جاءت حكومة عبد الرحمن خليفاوي عام 1971م لمحاربة الفساد فلم تُفْلِح، فسقطت عام 1972م، وحاولت حكومة محمود الأيوبي عام 1972 معالجته أيضاً فلم تستطع طوال أربع سنوات فسقطت، وحاولت حكومة محمد علي الحلبي عام 1978م فلم تستطع، وحاولت حكومة الدكتور عبد الرؤوف الكسم عام 1980م طوال سبع سنوات فلم تستطع، وحاولت حكومة محمود الزعبي عام 1987م طوال ثلاثة عشر عاماً فلم تستطع أيضاً، بل ذهب نفسه ضحية ومؤشراً كبيراً على الأزمة المستعصية".

لكن الخطير في هذه الظاهرة هو كِبَر حجمها من جهة، وتورط كبار المسؤولين في الدولة فيها من جهة أخرى، حيث تشير التقارير الإخبارية المتتالية إلى مخالفات وتجاوزات وصلت قيمتها إلى مليارات الليرات السورية (الدولار = 50 ليرة سورية)، وهو ما يشير إلى حالة الهدر الكبير لأموال القطاع العام، وغياب الجهات الرقابية، وتقاعسها عن ممارسة دورها في الرقابة الكاملة إلى جانب حالات اللامبالاة، والإهمال من الإدارات لأوضاع العاملين وأحوالهم المادية والاجتماعية. وما حملة الفساد الأخيرة التي طالت أكبر المسؤولين في الدولة إلا دليل على الحالة التي وصلت إليها البلاد، ولعل تغريم رئيس المخابرات السابق اللواء "بشير النجار" بمبلغ مليار دولار (24 مليون دولار) يشير إلى الحجم الذي وصل إليه الفساد أيضاً.

أهم التحديات: ضعف الصادرات وبيروقراطية المؤسسات

جاء في تقرير تقييمي للاقتصاد السوري، وهو يدخل الألفية الثالثة، ونشرته صحيفة تشرين الأسبوعية الرسمية الصادرة في 25/12/1999 أن ما يعانيه الاقتصاد السوري من مشكلات سوف يتعمق ويزداد، وليس من المستبعد أن تظهر تحديات أخرى تنجم عن الأوضاع الاقتصادية والاستحقاقات الإقليمية الدولية، التي يمكن أن تحدث وتترك تأثيراتها وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد السوري، وأورد التقرير أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، والتي تم ترحيلها إلى الألفية الجديدة في النقاط التالية:

- ضعف الشركات والمؤسسات الاقتصادية السورية العامة والخاصة، وعدم فعالية دورها في الاقتصاد؛ حيث تعاني هذه الشركات من نقص السيولة، الأمر الذي دفع بالمصارف السورية إلى الامتناع عن تمويل المشروعات التي تقوم بها هذه الشركات، والتي تتطلب مبالغ كبيرة.

- ضآلة الصادرات وتأرجح نسبها بين التراجع تارة وارتفاعها قليلاً جدًّا تارة أخرى، ولعل الأبرز في تراجع هذه الصادرات -حسب الكتل الدولية- تلك الصادرات الموجهة إلى الدول العربية، وكذلك إلى بلدان السوق الأوروبية المشتركة، حيث تعاني المخازن السورية من تكدس كبير في البضائع؛ نتيجة عدم منافستها لمثيلاتها في الدول الأخرى.

- تراجع معدلات النمو الاقتصادي في البلاد، منذ عام 1995 وحتى الآن، مما أدى إلى دخول البلاد في حالة ركود كبيرة، تتجلى في انخفاض الطلب الكلي على السلع الاستهلاكية، أو السلع الاستثمارية، أو الاثنين معاً.

- غياب أي عمليات تحديث تكنولوجي أو تطوير لأدوات الإنتاج في البلاد؛ بسبب نقص التمويل، فالقطاع الصناعي -على سبيل المثال- يحتاج إلى 284 مليار ليرة (أي 6 مليارات دولار) لإعادة تأهيله، وكذلك الاستمرار في استعمال الأساليب القديمة في الإنتاج، ولا سيما في شركات القطاع العام، فالكثير من المؤسسات والشركات ما زالت تعمل بخطوط إنتاج تعود إلى عهد التأمين وفترة السبعينيات.

- غياب أي عمليات تطوير أو تدريب للكوادر الفنية والإدارية العاملة في الشركات والمؤسسات العامة، علاوة على ضعفها من حيث التأهيل العلمي، حيث يبلغ عدد العاملين في أجهزة الدولة نحو 800 ألف عامل، وأبرز سمات هذا الكادر افتقاره للمعارف والخبرات المهنية والإدارية الحديثة، وتؤكد الإحصاءات الرسمية أن نحو 42% من العاملين في الدولة والقطاع العام من مستوى الأمي، والملم بالقراءة والكتابة والدراسة الابتدائية، بينما لا يتجاوز عدد حاملي مؤهل الماجستير والدكتوراه 0.8%.

-تحديات الاستحقاقات المقبلة مثل اتفاقية تحرير التجارة العالمية وتأثيراتها وانعكاساتها، بالإضافة إلى تحديات العولمة ومحاولة فرض نموذج اقتصادي واحد على العالم، واتفاقية إقامة منطقة التجارة العربية الحرة، والاتفاقيات التجارية والاقتصادية مع عدد من الدول العربية.

هجرة العقول والأموال والمركزية.. تحديات أخرى

أما الدكتور "نبيل سكر" فأوجز المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد السوري في دراسته المنشورة في صحيفة الحياة (13/4/2000) في النقاط التالية، بعد حذف بعض المشاكل والاختلالات التي تعرضنا لها خلال التقرير:

- النمو غير المستدام للاقتصاد المعتمد اعتماداً كبيراً على المساعدات الخارجية.

- وجود نظام من الحماية العالية للصناعة، لا يتيح الفرصة للمنافسة، وبالتالي يساهم في تدني الإنتاجية ورفع الكلفة.

- غياب القطاع المصرفي المتطور، وغياب المناطق الصناعية المخدّمة.

- قدرة تصديرية ضعيفة خارج قطاع النفط (يغطي التصدير خارج النفط حوالي 30 في المائة فقط من كامل مستوردات الاقتصاد).

- نظام خدمة مدنية يتصف بالمركزية الشديدة والبيروقراطية المفرطة.

- هجرة العقول السورية، وعدم عودة الخبرات والبعثات الموجودة في الخارج.

وبالإضافة إلى تقارير التوصيف السابقة عن حالة الاقتصاد السوري سنأخذ توصيفًا لجهة دولية مطلعة، لها علاقات متميزة مع سورية، وهي الاتحاد الأوروبي؛ ففي دراسة تقويمية للاقتصاد السوري خلال فترة 1991-1998، أعدتها المفوضية الأوروبية أكدت "أن سمة الاقتصاد المركزي هي الغالبة على بيئة الاقتصاد الوطني خلال سنين تطوره، فما زالت الإدارات الحكومية ومؤسسات القطاع العام تلعب دوراً جلياً في الاقتصاد، كما أن معدلات الضريبة معقدة، وهناك إجراءات وممارسات إدارية ثقيلة وبيروقراطية تؤثر على الاستثمار وتأسيس أعمال جديدة، أو على الحياة اليومية، ويوجد غياب للشفافية في الإجراءات داخل المؤسسات؛ مما يجعل من الصعب تشخيص نقاط الاختناق بالضبط وبالتالي معالجتها".

رغم السلبيات.. تنوع في الموارد وبنية أساسية قوية

على الرغم من أن الاقتصاد السوري يصنف بالمعايير العالمية ضمن الاقتصاديات الضعيفة؛ حيث إن المعيار الدولي يصنف حالة الاقتصاد بالمتوسط، إذا ما قابل كل مليار دولار في الموازنة العامة السنوية مليونًا من عدد السكان، وإذا أخذنا آخر موازنة للدولة فإنها لم تبلغ الـ 6 مليارات دولار، مقابل 16 مليون نسمة عدد السكان فإن ما يمكن تأكيده في ختام هذا التقرير أن الاقتصاد السوري استطاع ورغم كل الظروف التي مر بها، ومن بينها ارتفاع كلفة الإنفاق العسكري أن يحقق إنجازات مهمة خلال العقود الأخيرة، تمثلت في بناء السدود، واستصلاح الأراضي، وتوسيع شبكات الري والصرف الصحي والكهرباء، ونشر التعليم في كل أنحاء البلاد، وما زال يمتلك كل مقومات النجاح والتقدم ابتداء من تنوع موارده، بما فيها النفط الذي يزود الخزينة بما يقارب ملياري دولار سنوياً، ومروراً بالإمكانيات والخبرات البشرية الكبيرة وانتهاءً بالبيئة اللازمة والمساعدة على إقامة المشاريع الاقتصادية المساعدة على التقدم والنجاح، كل هذه العوامل يمكن أن تساعد الاقتصاد السوري على إحداث تنمية اقتصادية متقدمة شريطة أن تتم قبل ذلك معالجة المشاكل الجوهرية وجوانب الضعف الحالية التي يعاني منها الاقتصاد السوري لوضعه على طريق النمو المستدام الذي يحقق التقدم ويرفع مستوى معيشة المواطنين.


  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم