English

 

السبت. سبتمبر. 2, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » بلاد الشام

 
   
روابط من إسلام أون لاين

السفر الجوي بين المخاطر والإجراءات الوقائية

Image

يجب الحفاظ على قدر كافٍ من الموضوعية والعقلانية في طرح قضية السفر الجوي وحقيقة الأخطار التي تكتنفه، رغم ما ينتشر من مشاعر الألم والحزن عند وقوع كوارث مأساوية، كما كان يوم 23/8/2000 م قرب مطار المنامة، أو كان يوم 31/10/1999م مع الطائرة المصرية قرب نيويورك.

والجدير بالذكر هنا أنّ الملاحة المدنية العربية، تُعتبر من حيث المنطقة الجغرافية ومن حيث شركات الطيران على السواء .. تعتبر في مستوى جيّد على صعيد توفير عنصر السلامة والأمان، بالمقارنة مع مختلف مناطق العالم، ورغم أنّها من البلدان النامية، في الأصل، فهي لا تظهر كجزء من تلك البلدان، عند النظر في خرائط توزيع حوادث سقوط الطائرات غالبا، كما هو الحال في عامي 1999 و2000 م (انظر الخريطتين المرفقتين) ..

ومع كل الإحساس بالحزن تجاه كل ضحية على حدة، يبقى أنّ عدد الضحايا في هاتين الكارثتين لم يلحقهما بقائمة الكوارث العشر الأسوأ من سواها في تاريخ الملاحة الجوية المدنية، وبقيت حادثة ارتطام طائرتين أمريكية وهولندية تحتل المرتبة الأولى منذ عام 1977م ؛ إذ بلغ عدد ضحاياها 583 شخصا، بينما تحتل المرتبة العاشرة في القائمة نفسها، حادثة سقوط طائرة ركاب صينية في اليابان، يوم 26 نيسان/ إبريل عام 1994 م، وقد بلغ عدد ضحاياها 264 ضحية.

ويظهر اسم شركة عربية -هي شركة الطيران السعودية- في هذه القائمة مرتين، في كارثة ارتطام مع طائرة قازاقية في سماء الهند عام 1996 م، وحادثة سقوط طائرة سعودية عام 1980 م .. هذا مع الإشارة إلى أنّ شركة الطيران السعودية بالذات، تحتل مرتبة متقدمة عالميًّا من حيث عدد سفرياتها الجوية، وعدد ساعات السفر كوحدة قياس معتمدة، وهو ما يعود إلى موسم الحج سنويًّا كما هو معروف.

أما شركة طيران الخليج فقد واجهت يوم 26 آب / أغسطس 2000 م أوّل كارثة جوية منذ نشأتها التي تؤرّخ الشركة لها بخمسين عامًا. وليس صحيحا ما يتردّد أحيانا بشأن خطورة السفر على طائرات هذه الشركة أو تلك -إلا في حالات نادرة شاذة- فالأنظمة واللوائح السارية المفعول عالميا، تمنع من نشوء تفاوت يستحق الذكر على مستوى الإجراءات الوقائية المطلوبة لسلامة المسافرين، وهو ما حوّل ميادين المنافسة بين الشركات إلى قطاع الخدمات الإضافية غالبا. وعند إلقاء نظرة عاجلة على جنسيات الشركات التي شملتها حوادث سقوط الطائرات خلال خمسين عاما مضت، لا يكاد يغيب أي منها غيابا كاملا، وبعضها يظهر أكثر من سواه لارتفاع حصته في الملاحة المدنية.

وهذا ما يمكن قوله أيضا بالنسبة إلى أنواع الطائرات، بما فيها طائرات إيرباص التي انتشرت في السنوات الماضية انتشارا متسارعا، واحتلت موقعا جيدا في منافسة طائرات بوينج الأمريكية، بينما بدأت تغيب -نسبيًّا-عن ساحة الملاحة المدنية الطائرات الروسية الصنع، وألغي الترخيص لطائرات كونكورد الفرنسية كما هو معروف، ولا ينتظر أن تعود إلى الساحة من جديد .. وعند مقارنة عدد حوادث سقوط الطائرات بالنسبة إلى كل من هذه الأنواع الأربعة على حدة ، مع نسبة وجود كلّ منها في حركة المواصلات الجوية المدنية، لا نصل إلى نتيجة تؤكّد ما يشيع أحيانًا من أن هذه الطائرة أو تلك لم تعد آمنة  ( انظر التفاصيل في الموقع الشبكي المذكور كمصدر للخريطتين المرفقتين بالمقالة :  http://aviation-safety.net ) .

والواقع أنّ الملاحة المدنية العالمية باتت تخضع لإجراءات صارمة من حيث التأكد من السلامة التقنية للطائرات، وهو -علاوة على مفعول المنافسة- ما يجبر الشركات على تحسين تجهيزاتها التقنية باستمرار، وعلى إجراء اختبارات دورية مكثفة على استمرار سلامتها وصيانتها، وقد أصبح وسطي هذه الاختبارات سنويًّا يشمل أكثر من 2700 من أصل 13 ألف طائرة ركاب مدنية عاملة في الأجواء، وإن لم يمنع ذلك من استمرار وجود الأخطار في السفر الجوي، واستمرار وقوع الكوارث، وازدياد نسبة الحوادث عمومًا إلى زهاء ضعف ما كانت عليه قبل خمسين سنة.

ولكن بات من المعروف عموما أنّ هذه الأخطار لا تكاد تعادل شيئًا بالمقارنة مع أخطار السفر برًّا، لا سيما بالسـيارات، فعدد ضحايا حوادث السير سنويًّا يعادل خمسين ضعف عدد ضحايا السفر الجوي في الولايات المتحدة الأمريكية كبلد يعتبر على مستوى عال من الإجراءات الوقائية. بل إن ضحايا حوادث السير في عام واحد فيها وقد تجاوز الأربعين ألفا، يناهز عدد ضحايا حوادث الطيران على امتداد ثلاثين سنة في أنحاء العالم.

وتشـير بعض الدراسات الإحصائية إلى أنّ " احتمال " تعرّض فرد من الأفراد بعينه لإصابة قاتلة في حادثة طيران، لا يتحقق  إلا مـرة كل ستة وعشرين ألف سنة من الناحية النظرية، أي أنه شبه منعدم خلال فترة عمره الطبيعية، وهذه النسبة هي الأقرب إلى الأخذ بعين الاعتبار من وجهة نظر الفرد، بدلا من الأرقام " المرعبة " التي تتناقلها وسائل الإعلام مع كل حادثة مأساوية، كالقول: إنّ حوادث سقوط الطائرات بات بنسبة مرة كل أسبوعين وسطيًّا، والواقع أنّه يمكن أخذ الحوادث الأصغر بعين الاعتبار، كسقوط طائرات خاصة، وطائرات رياضية، وطائرات التدريب وغيرها، فنصل إلى أكثر من حادثة سقوط يومية، ويبقى السفر الجوي -رغم ذلك- هو الآمن عند مقارنته بوسائل المواصلات الأخرى، وما يقع في إطارها من حوادث قاتلة. 

وتكمن أسباب حوادث الطيران في: 

(1)المؤثرات المفاجئة، كحالة الطقس أو عملية اعتداء إرهابية. 

(2)العوامل التقنية من حيث التجهيزات، أو الصيانة، أو المراقبة التقليدية قبل إقلاع الطائرات.

(3)الأخطاء البشرية، سواء من جانب الطيار أو مساعده أو من جانب العامل في برج المراقبة في المطار ..

(4)التفاعل بين هذه العوامل كأن يكون رد فعل الطيار على تبدّل مفاجئ في حالة الجو مثلا، معاكسًا لما ينبغي عليه صنعه.

ومقابل هذه الأسباب تتركز الجهود المبذولة لرفع مستويات سلامة السفر الجوي على:

(1)شبكات الإنذار المبكر بالأخطار المفاجئة

(2)تشديد القوانين الوطنية والدولية ذات العلاقات بأعمال الصيانة والفحوص الدورية للطائرات.

(3)تحسين مستويات التأهيل المهني للطيارين والمراقبين وإدراج دورات إضافية.

(4)تخفيض نسبة ما يتطلب إجراء يدويًّا من جانب الطيار وزيادة نسبة آلية ردود الفعل على ما ترصده أجهزة الإنذار المبكر من احتمالات وقوع أخطار مفاجئة.

وتنبه الجهات ذات الاهتمام من روابط الطيارين الوطنية والدولية غالبًا، إلى أهمية مضاعفة الجهود الراهنة والأموال المرصودة لتطوير التقنيات الوقائية في الملاحة المدنية، لتواكب ما ينتظر من نموّ مطّرد وسريع لحجم هذا القطاع من المواصلات  وتصل التقديرات بهذا الصدد إلى أكثر من الضعف خلال السنوات العشر القادمة، إذا ما وصل عدد طائرات نقل الركاب إلى عشرين ألفًا،  وازداد عدد رحلاتها في الوقت نفسه، وهو ما يعني في نظر الخبراء احتمـال ازدياد حوادث الطيران بمعدل 50 في المائة أو أكثر، ما لم تتخذ إجراءات جديدة في الوقت المناسب. وفي مقدمة هذه المطالب رفع عناصر السلامة المطلوبة في مدرجات الإقلاع والهبوط وفي أبراج المراقبة، ذلك أن نصف حوادث الطيران يقع في فترة الإقلاع أو فترة الهبوط، مع أنهما معًا لا يزيدان على نسبة أربعة في المائة من فترات السفر الجوي الفعلية للطائرات.

ويبقى التقدير الموضوعي لحقيقة الخطر مطلوبًا، رغم إحساس المرء بأن هذا لا يقدّم العزاء المطلوب لذوي الضحايا أو يواسيهم في مصابهم، إنما لا يفيد بالمقابل التهويل من شأن حوادث الطيران ليتحول الحديث إلى "تخويف" بدلا من مدخل إلى معرفة السبل الوقائية والدعوة إلى توفيرها من جانب الجهات المسؤولة. لا سيما وأن التركيز على حوادث الطيران في بعض وسائل الإعلام بات يستند إلى جوانب نفسانية في الدرجة الأولى، وليس إلى الدراسة الموضوعية والنظرة المنهجية، فالفارق معروف بين إحساس المسافر جوًّا بعجزه عن التصرّف أو "الفرار" وإحساس قائد السيارة أنه مسيطر عليها ولا داعي للشعور بالقلق، أو إحساس راكبها عمومًا بأن باستطاعته الفرار - ما دام على سطح الأرض- في أي وقت.

ونعلم من قبل ومن بعد ، أنّ الأصح من هذا وذاك هو اليقين بأنّ يوم الأجل المكتوب لا يفرّق بين وجود الإنسان على سطح الأرض أو في أعماق البحر أو في أجواء الفضاء، إنّما يتجنّب الإنسان الخطر ما استطاع، ويتخذ الأسباب لذلك قدر الإمكان، ثم يبقى حيثما تحرّك وكيفما تحرّك، مطمئنًا إلى قدر الله وحكمته اطمئنانًا يتناسب طرديًّا مع قوّة إيمانه.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم