English

 

السبت. يونيو. 30, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

حرب الكبار.. تجارة على حساب الصغار!

مغاوري شلبي

Image

بدأت أجواء الحرب التجارية تسيطر على العلاقات التجارية بين الدول الكبرى في العالم؛ حيث اتخذت كل من الصين واليابان إجراءات تجارية انتقامية ضد صادرات الطرف الآخر، وهو ما جعل الدولتين على وشك الدخول في حرب تجارية طاحنة، وعلى الجانب الآخر أصبحت احتمالات اشتعال الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي أكبر من أي وقت مضى، وذلك مع سنِّ القانون الأمريكي الجديد للإعفاءات الضريبية الذي يدعم الشركات الأمريكية ويتعارض مع نصوص منظمة التجارة العالمية.

والسؤال هو: هل أصبح العالم على أعتاب حرب تجارية تهب رياحها على الاقتصاد العالمى من الدول الكبرى؟ هذا ما تحاول الإجابة عنه السطور التالية…

لقد عودتنا الدول الكبرى أن تفجر الصراعات والنزاعات التجارية في العالم بسبب سعيها الدائم إلى تحقيق مكاسب اقتصادية خاصة، دون مراعاة مصالح الأطراف الأخرى، ناهيك عن تعمد هذه الدول إشعال الحروب العسكرية والنزاعات المسلحة في العديد من بقاع العالم؛ من أجل تنشيط حصيلة صادراتها من الأسلحة، ولتشغيل مصانعها، وخلق فرص عمل لمواطنيها.

يعملوها الكبار..

في السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الدول الكبرى المحرك لكل المشاكل التجارية التى بدأ العالم يعاني منها بشدة، وزادت سرعة انتقال آثار هذه المشاكل والأزمات إلى جميع اقتصادات دول العالم؛ بسبب التزايد الراهن في اندماج الاقتصادات العالمية، وبسبب تزايد حركات رؤوس الأموال والسلع مقارنة عما كانت عليه فى الماضي.

ففي الماضي اشتعلت الحرب العالمية الثانية بسبب مشاكل اقتصادية بين هذه الدول الكبرى، هذه الحرب لم تظل بين هذه الدول فقط، ولكنها امتدت لتحرق بنيرانها وتدمر الاقتصاد العالمى كله؛ حيث أثرّت على نظام النقد الدولي، وأثرت على مستوى السيولة في العالم، وهو ما انعكس على تراجع التجارة والاستثمارات العالمية وارتفاع معدلات التضخم، وخلال السنوات الأخيرة أشعلت هذه الدول أيضاً الصراع غير الصريح بين الدول المتقدمة والدول النامية بسبب النظام التجاري الدولي غير العادل في مجال تحرير التجارة.

والملاحظ أن العامل الأساسي الذي يقف وراء كل هذا هو محاولة كل دولة من تلك الدول الحصول على نصيب الأسد من الكعكة الاقتصادية العالمية، ومن هنا ينشأ الصدام، في الوقت نفسه فإن الأزمات الاقتصادية الداخلية في هذه الدول الكبرى مثل اليابان والولايات المتحدة الأمريكية تنعكس سلباً على مجمل الاقتصاد الدولي، باعتبار أنها تمثل قاطرة النمو في الاقتصاد العالمي، ويبدو هذا واضحاً في الوقت الراهن من تراجع في النشاط الاقتصادي العالمي؛ بسبب التباطؤ في الاقتصاد الأمريكي والياباني.

كل هذه الأمور تجعل المواطن في الدول النامية يعتقد تمام الاعتقاد أنه لا يأتي من جانب الدول المتقدمة إلا كل ما هو سلبي على أوضاعه الاقتصادية، ويؤكد هذا الاعتقاد أجواء الحرب التجارية التي باتت تسيطر على العلاقات بين هؤلاء الكبار؛ حيث إن تلك الحرب إذا اشتعلت فإن نيرانها ستلاحق الدول النامية، وإذا تم منع هذه الحروب من خلال التفاوض بين الدول الكبرى فإن نجاح هذه المفاوضات سيكون هو الآخر على حساب الدول النامية في العالم.

الصين واليابان وتحطيم السفينة!

رغم أن الصين تعتبر من أهم الشركاء التجاريين لليابان فإن المصالح الاقتصادية هي التى تحكم العلاقات الاقتصادية للدول في النهاية، وهو ما برز بصورة واضحة خلال الشهور القليلة الماضية عندما قامت اليابان في إبريل 2001 بفرض رسوم جمركية تصل نسبتها إلي حوالي 266% على وارداتها من البصل وعيش الغراب والقش المستخدم في صناعة الحصير، المستوردة من الصين.

وقد جاء هذا القرار الياباني في محاولة لحماية منتجاتها المحلية المماثلة، ولم تعر الصين هذا الموضوع اهتمامًا؛ لأنها ترى أن حجم صادراتها من هذه المنتجات إلى اليابان لا يتجاوز بعض الملايين من الدولارات، وهو مبلغ صغير بالنسبة لحجم التبادل التجاري بين اليابان والصين، والذي يصل إلى حوالي 28.6 مليار دولار خلال الشهور الأربعة الأولى فقط من عام 2001.

ولكن مؤخرًا قررت اليابان منع استيراد الطيور من الصين، وذلك بحجة اكتشاف إصابات بمرض "أنفلونزا الدجاج " في مزارع الطيور والبط الصيني، وقد كان هذا القرار بمثابة الشرارة التي أشعلت النيران؛ حيث اعتقد الصينيون أن اليابان ينفذ خطة غير معلنة لتقليل حجم الصادرات الصينية إلى أسواقه، وقد عزز هذا الاعتقاد الأصوات التي ارتفعت مؤخراً في اليابان تنادي بتقليل الواردات من الصين.

وبناء على ذلك قامت الصين باتخاذ إجراءات تجارية ثأرية ضد اليابان؛ حيث أعلنت في 19 يونيو 2001 فرض رسوم جمركية مشددة على الواردات من اليابان من السيارات وأجهزة التكييف والثلاجات وأجهزة التليفون المحمول، وقد وصلت الرسوم الجمركية التي فرضتها الصين على هذه الواردات إلى حوالي 100%، والتي كانت قبل القرار تتراوح بين 12% - 80%.

وقد وقع هذا القرار على اليابانيين وقع الصاعقة؛ لأن هذا القرار سيلحق ضررًا بالصادرات اليابانية من هذه السلع؛ حيث يشمل القرار 25 نوعًا من السيارات و7 طرازات من أجهزة التكييف وجميع أنواع أجهزة التليفون المحمول، وتصل صادرات اليابان إلى الصين من هذه السلع حوالي 800 مليون دولار، وهي عبارة عن 35 ألف سيارة بقيمة 558 مليون دولار، وحوالي 20 ألف جهاز تكييف بقيمة 74 مليون دولار، وحوالي 400 ألف جهاز تليفون محمول بقيمة 166.5 مليون دولار.

وقد انتقدت اليابان هذا القرار الصيني، ووصفته بأنه "غير مناسب"، وذلك بمعنى أنه لا يتناسب مع الإجراءات التي اتخذتها اليابان حيال الصادرات الصينية، وفي البداية اتخذت اليابان لهجة متشددة تجاه القرار الصيني، وهددت بسحب تأييدها لانضمام الصين إلى منظمة الجات، ولأن اليابان تدرك أنها ستخسر الكثير من دخولها في حرب تجارية مع الصين فقد خففت من لهجة التهديد، وأعلنت أنها لن تتخذ إجراءات تجارية انتقامية ضد الصين، وذلك من أجل "عدم تحطيم السفينة"، ورغم أن الأمر لم ينتهي بعد فإن الطرفين قررا الدخول في مفاوضات من أجل منع الدخول في حرب تجارية تضر بالجانبين.

أوروبا وأمريكا ودوحة 2001!

تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول التي تتبنى قوانين تجارية تحابي مصالحها الاقتصادية على حساب الدول الأخرى؛ حيث يوجد لديها ترسانة من القوانين التي تستخدمها ضد صادرات الدول الأخرى، وتعمل على تحجيمها، مثل: قوانين التقييد الاختياري للصادرات، وقوانين الإغراق.

وفي هذا السياق أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً قانوناً للإعفاءات الضريبية على الصادرات، ويتيح هذا القانون للشركات الأمريكية الكبرى مثل بوينج وميكروسوفت مساعدات للتصدير تصل إلى 30% من الفاتورة الضريبية للصادرات، الأمر الذي يجعل صادراتها أكثر قدرة على المنافسة أمام الصادرات الأوروبية، ورداً على ذلك قام الاتحاد الأوروبي بمطالبة منظمة التجارة العالمية بفرض عقوبات تصل إلى 4 مليارات دولار على الولايات المتحدة الأمريكية إذا رفضت تعديل هذا القانون.

وبعد قيام المنظمة بدراسة القانون قررت رفضها لهذا القانون؛ لأنه يتعارض مع لوائح منظمة التجارة العالمية، ولأن المنظمة لا تريد توسيع دائرة المعارضة الدولية لهذا القانون الأمريكي من جانب دول العالم فقد قامت بتقديم نتائج دراساتها لهذا القانون وقرارها في هذا الشأن إلي كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بصورة سرية، وطالبت المنظمة الولايات المتحدة بالتراجع عن هذا القانون دون إبطاء، تجنبًا لمزيد من المشاكل مع الدول الأخرى.

ولكن على ما يبدو أن الولايات المتحدة لا تعتزم إلغاء هذا القانون، وهو ما يعني قيام الاتحاد الأوروبي بفرض العقوبات المبدئية على المنتجات الأمريكية في أوائل عام 2002، والتي تصل إلى حوالي 4 مليارات دولار، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى الرد باتخاذ إجراءات انتقامية ضد الاتحاد الأوروبي، ويكون ذلك إيذانا بنشوب حرب تجارية بين الطرفين.

ويبدو أن الولايات المتحدة تريد عقد صفقة مع الاتحاد الأوروبي في هذا المجال؛ حتى لا تثير بقية دول العالم ضد هذا القانون الأمريكي الجديد؛ ولذلك اتفقت الولايات المتحدة أن تدخل في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي لتحقيق تسوية ثنائية لهذا النزاع دون دخول أطراف جديدة إلى جانب الاتحاد الأوروبي ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

وهذا ليس بجديد في السياسة الأمريكية؛ حيث تعودت أن تدخل في حوار جانبي مع الاتحاد الأوروبي أو اليابان أو الصين لتسوية النزاعات التجارية مع هذه الدول منفردة، وذلك على حساب الدول النامية، ولكن هذه السياسة قد لا يُكتب لها النجاح في المرات القادمة بسبب المواقف القوية التي بدأت الدول النامية تتبناها في هذه القضايا، وظهرت بوضوح في مؤتمر "سياتل"، والمتوقع لها أن تزداد قوة في مؤتمر الدوحة في نوفمبر 2001.

الحرب تهدد الدوحة

إن الخطورة في سيطرة أجواء الحرب على العلاقات التجارية بين الدول الكبرى في العالم أنها تأتى في توقيت حساس، وأثناء استعداد العالم لعقد مؤتمر الدوحة الذي يهدف إلى إطلاق جولة جديدة من المفاوضات الدولية لتحقيق مزيد من حرية التجارة العالمية، وذلك بعد فشل هذه المحاولة في مؤتمر سياتل الشهير.

فمن المتوقع أن تصب هذه التصرفات من جانب الدول المتقدمة في صالح الدول النامية، وتدعم موقفها في هذا المؤتمر؛ لأنها تعمل على تقوية وتبرير الإحساس الموجود لدى الدول النامية بعدم عدالة النظام التجارى العالمي لتحرير التجارة، وتؤيد مطالبة الدول النامية بضرورة أن تراعي الدول المتقدمة مصالح الدول النامية، وأن تنفذ تعهداتها السابقة في إطار منظمة التجارة العالمية قبل الإعلان عن جولة جديدة للمفاوضات.

كما أن هذه التصرفات من جانب الدول المتقدمة تعطي مبرراً للدول النامية، إما لاتخاذ مواقف مماثلة ضد صادرات الدول المتقدمة في حالة تعرضها لإضرار من هذه الصادرات، كما فعلت اليابان أو الصين، أو إصدار قوانين محلية تعمل على تحقيق مصالحها الاقتصادية بغض النظر عن مصالح الآخرين، وهو ما يعنى تحول قواعد النظام العالمي لتحرير التجارة إلى مجرد مثل، وأن كل دولة عليها أن تأخذ هذه القواعد وتنفذها بيدها دون احترام لمبدأ الالتزام الدولي بهذه القواعد، وهو ما يزيد من صعوبة مهمة الدول المتقدمة في مؤتمر الدوحة القادم.


  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم