|
شهدت الشوارع المصرية والعربية ردود فعل بالغة الحدة على سلوك قوات الاحتلال الصهيونية حيال الفلسطينيين عقب زيارة "شارون" للقدس في 28/9/2000م.
ومن بين توجهات انتفاضة الشارع المصري، أمكن للمراقبين استنباط حدوث تطور من ناحية الكم أو الكيف في نمط الاحتجاج الشعبي على السلوك الصهيوني، الأمر الذي استحق معه الوقوف للتأمل والتحليل.
فمن ناحية كان نمط الاحتجاج الاقتصادي الشعبي على السلوك الصهيوني قبل ذلك لا يبرح أمرين اثنين هما: المقاطعة التجارية من ناحية، ووقف التطبيع على المسار الاقتصادي بين الدول العربية والكيان الصهيوني من ناحية أخرى.
وقد شهد نمط الاحتجاج الاقتصادي تطوراً كميًّا من ناحية اتساع نطاق أشكال الاحتجاج التقليدية، وهي المقاطعة ووقف التطبيع؛ حيث اتسع نطاق المقاطعة ليتخطى المقاطعة التجارية إلى مقاطعة تبادل الخدمات على ما سنرى لاحقًا، كما اتسع نطاق الاحتجاج من المسار الاقتصادي في عملية التسوية إلى نطاق التحرك الفردي والجماعي لرجال الأعمال.
أيضًا اتسع نمط الاحتجاج الاقتصادي اتساعًا كيفيًّا من ناحية تطور مجالات الاحتجاج والرفض، مثل: توفير درجة من العقوبات المالية الصارمة على الولايات المتحدة لكونها مسئولة مسئولية صريحة عما تقترفه قوات الاحتلال من ممارسات عسكرية وسياسية، باعتبار الولايات المتحدة الحليف الأساسي لقوات الاحتلال من ناحية،فضلاً عن سياسة التمييز والدعم التي تقدمها لإدارة الاحتلال في عملية التسوية ، ومن جهة الضغط القوي على المفاوض الفلسطيني من ناحية ثانية.
كما بدأ الوعي الشعبي يدرك وضع الكيان الصهيوني، باعتباره تحديًّا اقتصاديًّا بقدر ما هو تحدٍّ سياسي وحضاري، ناهيك عن المطالبة بتمويل الانتفاضة، هذا بالإضافة إلى سلوك الاحتجاج نفسه الذي تحول من ممارسة الغضب بالتظاهرات والبيانات إلى سلوك احتاجي قائم على ممارسة العنف على نحو ما سنرى تاليًا.
المقاطعة والتطبيع
كان هذان المجالان من مجالات الاحتجاج الاقتصادي مقصورين في التظاهرات الطلابية، وفي مؤتمرات النقابات المهنية، وفي ندوات القوى السياسية المصرية ـ على مجرد مقاطعة المنتجات التجارية، ووقف التطبيع على المسار الاقتصادي في عملية التسوية وكان هذا النمط قديمًا، فمن ناحية كان معدل التبادل التجاري في عام 1999م قد انخفض عن معدل التبادل التجاري لعام 1998م بحوالي 9.4%، على صعيد التبادل التجاري العربي عمومًا.
ففي 1998م كان العرب قد استوردوا من دولة الاحتلال ما قيمته 190 مليون دولار، انخفضت إلى 170 مليونًا في عام 1999، بينما استوردت إدارة الاحتلال من الدول العربية ما قيمته 41 مليون دولار في 1998م ،انخفضت إلى 35.5 مليونًا في 1999م. وعلى الصعيد القطري استوردت مصر من إدارة الاحتلال في 1998م ما قيمته 40.17 مليون دولار ،انخفضت بمعدل 3% في عام 1999 لتصبح 39 مليون دولار، وهي أقل نسبة انخفاض بين الدول العربية مقارنة بانخفاض صادرات الكيان الصهيوني للمغرب التي انخفضت بنسبة 32% والأردن التي انخفضت بنسبة 22%؛ ولهذا كانت الإدارة المصرية في حاجة -أكثر من غيرها- لوقفة صارمة حيال المقاطعة،
الملاحظ أن المقاطعة تجاوزت البُعد التجاري، ففي اجتماع اتحاد الغرف التجارية بالقاهرة في 19/10/2000م قررت الغرفة مقاطعة السلع الإسرائيلية، ووقف الاستيراد من إسرائيل، وطالبت بمقاطعة البضائع الأمريكية والسلاح الأمريكي، وسرعة إقامة السوق العربية المشتركة، وتبع ذلك أن طلبت غرفة الملاحة المركزية المصرية من جميع الشركات العاملة في الموانئ الامتناع عن شحن وتفريغ السفن الإسرائيلية في الموانئ المصرية أو تقديم الخدمات لها، وعدم السماح لبحارة هذه السفن بالنزول إلى الأرض المصرية.
وأما على صعيد وقف التطبيع، فقد فتر حماس الدول العربية منذ 1998م في ممارسة سياسة إغواء دولة الاحتلال بمزايا التطبيع الاقتصادي؛ ولذا كان مؤتمر (MENA) للتعاون الاقتصادي بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذي عقد في الدوحة من أضعف المؤتمرات في هذا الصدد؛ ولذا فقد تجاوزت المطالب الشعبية حدود التطبيع على المسار الاقتصادي إلى التطبيع على المستوى الشعبي، أي على صعيد التحرك الفردي والجماعي لرجال الأعمال.
وعلى الصعيد الجماعي لتحرك رجال الأعمال رأينا قرار المقاطعة، يضاف إليه تقدم الغرفة التجارية بالقاهرة للحصول على ترخيص بإقامة صندوق تبرعات لصالح الانتفاضة. وعلى صعيد التحرك الفردي قام بعض رجال الأعمال بالتحرك المنفرد، فالسيد "محمد فريد خميس"- صاحب مجموعة "أوليمبيك جروب"، و"النساجون الشرقيون"، وأمين عام اتحاد الغرف التجارية لمجموعة الدول الخمس عشرة- تبرع بخمس سيارات إسعاف فوراً، وتبرع رجل الأعمال "محمد محمد أبو العينيين" بمبلغ 250 ألف جنيه، وغيرهما كثيرون باشروا نفس النشاط، إما بصورة فردية، أو بصورة جماعية في إطار تنظيمات رجال الأعمال المختلفة.
لكن الجدير بالذكر أن جهود الاحتجاج ضد الولايات المتحدة لم تجد صدى عند التنفيذ لا حيال مؤسسات الدولة الرسمية، ولا حيال رجال الأعمال.
العقوبات المالية
شهد نمط الاحتجاج الاقتصادي الشعبي على مستوى الطلاب والمثقفين عمومًا طفرة قوية حين تحدث عن إمكانية توفير عقوبات مالية. ففي اجتماع أمانة العمل النقابي المشترك بنقابة التجاريين طالبت النقابات المهنية المواطنين بوقف أية تعاملات اقتصادية بالدولار، وتحويلها إلى اليورو، وذلك ردًّا على الانحياز الأمريكي السافر للكيان الصهيوني، وكان ذلك الاجتماع في 18/10/2000م.
ومرد هذه الطفرة أمران، هما سرعة استيعاب الوعي الشعبي للمتغيرات الدولية الجديدة، ومنها سلوك الاتحاد الأوروبي مسلكاً وحدويًّا يمكن دوله من مواجهة الولايات المتحدة، وانفرادها بتحديد مصائر شعوب دول العالم.
فقد كان الاتحاد الأوروبي قد أعلن بدء العمل باليورو مع مطلع عام 2000م في نطاق التحويلات المالية، على أن يتم تداوله كعملة في 2003م.
والملاحظ أن تطبيق هذه العقوبة من شأنه أن يؤدي بالولايات المتحدة إلى أضرار اقتصادية بالغة، فهذا الأمر قد يؤدي إلى كارثة لو حدث في مصر وحدها، فبصرف النظر عن التحويلات الوافدة لمصر بالدولار والتي لا تتجاوز 300 مليون دولار، يمكننا أن نشير إلى مبلغ 20 مليار دولار يمثل احتياطيًا نقديًّا أجنبيًّا في المصرف المركزي المصري، مما يعني أن استبداله باليورو سيؤدي إلى إغراق السوق بهذا المبلغ الهائل، مما يترتب عليه انخفاض هائل في سعر الدولار، واهتزاز ثقة المتعاملين به قد يؤدي به إلى أسعار منخفضة لم يسبق لها مثيل، ناهيك عن ارتفاع ثمن الصادرات الأمريكية، وارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأسعار، وتوقف ما لم يكن تراجع معدل النمو ووصوله إلى قيم سالبة.
الخلاصة أن ما يمكن أن تقوم به مصر وحدها كارثة، فما بالنا لو سلكت الدول العربية سلوكاً جماعيًّا.
تمويل الانتفاضة
كان الموقف من الانتفاضة الفلسطينية من قبل يكاد يقتصر على مساندتها من خلال عاملين: أولهما المشاركة الميدانية، من خلال المطالبة بفتح باب الجهاد، وثانيهما المشاركة الإغاثية.
أما الانتفاضة الحالية فقد شهدت تطورات نوعية في إدراك قطاعات من الشعب المصري والعربي لطبيعة ما يجري في الأرض المحتلة من تفاعلات سياسية واقتصادية وعسكرية؛ لذا وجدنا شرائح من المثقفين والطلبة ومن عموم الشارع يطالبون بتمكين الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم لا من خلال إمدادهم بالسلاح، ولكن من خلال إمدادهم بقدر معقول من التمويل يتمكنون به من شراء السلاح حتى من اليهود أنفسهم، وهو الأمر الذي يعكس عمق الوعي بالشروخ الموجودة في جدار التضامن بين المستوطنين وفرقهم، أو التجار اليهود ومصالحهم، وإلى حد معرفة الفروق بين القوى السياسية، وبخاصة ما يمثله عرب 1948م من وضعية في قلب المجتمع الاستيطاني.
التطور السلوكي العنيف
هناك أخيرًا أمر لا بد من إدراكه في حدوده الاقتصادية، بغض النظر عما له من دلالات غير اقتصادية، هذا الأمر يتمثل في التظاهرات التي شهدتها فروع بعض الشركات الأجنبية في مصر، والتي شهدت خلال الأعوام الثلاثة السابقة تردد شائعات حول ملكية اليهود لغالبية أسهمها، أو امتلاكهم لكامل رأس مالها، ومن هذه الشركات شركة متاجر "سينسبري" العملاقة متعددة الجنسية، و"شركة بروكتور أند جامبل".
والتطور الكيفي السلوكي الذي نود الإشارة إليه هنا: هو أن بعض هذه التظاهرات أمام فروع متاجر شركة سينسبري، لم تتمكن من ضبط انفعالاتها بعد التغطية الحية لحادث استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة بين ذراعي والده؛ ومن ثَم قامت هذه التظاهرات بردود فعل عنيفة حيال متاجر هذه الشركة في ثلاث مناطق محددة هي: الهرم، ودار السلام، وأحد فروع مصر الجديدة. وتبع ذلك أن طلبت هذه الشركة من قوات الأمن المصرية حماية مقارها، وأغلقت أبوابها لمدة ثلاثة أيام، ثم عملت على نشر بيان في الصحف المصرية، وعلقته على أبواب كل فرع من فروعها في مصر، حيث أكدت فيه أنها ليست يهودية بل إنجليزية، وأنها تعمل على تشغيل أكثر من 4800 عامل، وأنها استثمرت بمصر أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني، وقد تضمن إعلان سينسبري المشار إليه قول القرآن الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين".
ولا شك أن هذه الأحداث الخاصة بمتاجر سينسبري تعكس خلطًا لدى الشعب المصري ما بين اليهودية وبين الصهيونية، فالأولى دين سماوي، والثانية حركة سياسية استعمارية إحلالية. غير أن هذا الخلط يعكس ضبابية الفوارق بين كلا اللفظين بسبب مساندة يهود الولايات المتحدة لدولة الاحتلال وهجرة يهود العالم وآخرهم يهود الفلاشا، وأوزوبكستان.
وأيًّا ما كان حال إدراك مثل هذه الأحداث والوقائع، فالشاهد أن ثمَّة نضجًا عاليًا في الوعي الشعبي ، والوعي القومي بالمتغيرات من حوله، وتجذر القيم القومية العروبية الإسلامية في وجدانه، مما عكس هذا النمط المتطور من الاحتجاج الاقتصادي.
|