English

 

الاثنين. أغسطس. 20, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 

حظر عمالة الأطفال.. العربة أمام الحصان

إسلام أون لاين - مغاوري شلبي

Image

قال الرئيس الأمريكي السابق "بل كليتنون" أمام مؤتمر منظمة العمل الدولية في جنيف، والذي أقرّ اتفاقية  حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال: "إن إعطاءنا دفعة لمعايير العمل الأساسية، وبالعمل الفعلي من أجل رفع عبء المديونية، وبإعطاء وجه أكثر إنسانية لنظام التجارة العالمية، وبوضع حد لأسوأ أشكال عمالة الأطفال- نكون قد أعطينا أطفالنا الذي يستحقونه في الألفية الجديدة".

ولكن.. هل أعطت منظمة العمل الدولية والنظام العالمي الجديد أطفال العالم ما يستحقونه بالفعل بمجرد إقرار هذه الاتفاقية الجديدة في عام 1999؟

تشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن هناك حوالي 250 مليون طفل بين سن الخامسة والرابعة عشرة يعملون في الدول النامية وحدها، وأن 50% من هؤلاء الأطفال –أي حوالي 125 مليون طفل- يعملون كل الوقت؛ أي يومًا كاملا، وأن النصف الآخر منهم يجمع بين العمل والدراسة، وتؤكد بيانات المنظمة أن 70% من هؤلاء الأطفال يعملون في أعمال خطرة مثل المناجم ومراكز الدعارة أو تحت المياه في أعماق كبيرة أو في حمل أثقال فوق الطاقة.

أما الدراسات التي أجراها مكتب العمل في العديد من الدول تؤكد وجود 250 ألف طفل يعملون خدمًا في المنازل في بنجلاديش، وحوالي 100 ألف في سريلانكا، وحوالي 150 في ليما، وتشير هذه الدراسات إلى أن معظم هؤلاء الأطفال يعملون في ظروف قاسية، ويتقاضون أجورًا زهيدة أو يعملون لمجرد الحصول على الطعام أو المأوى، والخطير في الأمر أن هذه الدراسات الدولية تؤكد أن أعداد هؤلاء الأطفال في تزايد باستمرار؛ وذلك بسبب ظروف المعيشة المنخفضة للأسر التي ينحدر منها هؤلاء الأطفال والتي تدفعهم هذه الظروف إلى إرسال أطفالهم إلى هذه الأعمال القاسية بعد أن فشلوا في إرسالهم إلى المدارس، وفي الغالب يدخل هؤلاء الأطفال في إطار عمليات ترويج وتجارة من جانب منظمات متخصصة في هذا المجال في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وهو ما يجعل من هذه المشكلة قضية مهمة أمام المجتمع الدولي يجب التغلب عليها من جذورها بطريقة عملية، وليس مجرد النظر إليها من الناحية الظاهرية.

الاتفاقية.. وأسوأ عمل

إدراكًا من المجتمع الدولي لخطورة مشكلة "عمل الأطفال في ظروف قاسية" سعت منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى الترويج لاتفاقية دولية لوضع معايير دولية جديدة ضد عمل الأطفال، وقامت سكرتارية المنظمة بجهود تحضيرية واسعة على النطاق العالمي لحشد تأييد العالم لهذه الاتفاقية.

وفي 17 يونيو 1999، وأثناء انعقاد الدورة رقم 87 لمؤتمر العمل الدولي في جنيف تم طرح هذه الاتفاقية للتصويت عليها من دول العالم، وكانت نتيجة التصويت الموافقة على الاتفاقية بالإجماع؛ حيث وافق عليها 415 صوت، ولم يعترض عليها أحد، ولم يمتنع أحد عن التصويت، وبذلك أصبح لدى أطفال العالم اتفاقية جديدة بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال، وتحدد الاتفاقية الجديدة لأول مرة في تاريخ العالم ما يعتبر "أسوأ أشكال عمل الأطفال"، ويشمل حظر التجنيد القسري أو الإجباري للأطفال، وتدعو الاتفاقية إلى التعاون الدولي حول التنمية الاجتماعية والاقتصادية والقضاء على الفقر وتوفير التعليم لجعل هذه الاتفاقية قابلة للنفاذ، كما توفر قاعدة للتشاور بين أطراف العمل، وهي الحكومات وأصحاب العمل.

وتحدد الاتفاقية الجديدة أسوأ أشكال عمل الأطفال في الآتي:

- جميع أشكال الرِّق والممارسات الشبيهة بالرِّق؛ كبيع الأطفال، والاتجار بهم، وعبودية الدين والعمل القسري والإجباري.

- التجنيد القسري أو الإجباري للاستخدام في صراعات مسلحة.

- استخدام طفل أو تشغيله في أعمال الدعارة أو لإنتاج أعمال إباحية أو أداء عروض إباحية.

- استخدام طفل أو تشغيله أو عرضه لمزاولة أنشطة غير مشروعة، ولا سيما إنتاج المخدرات أو الاتجار بها.

- الأعمال التي يرجح أن تؤدي إلى الإضرار بصحة الأطفال أو سلامتهم أو سلوكهم الأخلاقي.

وتفرض الاتفاقية على الدول المصادقة عليها تصميم وتنفيذ برامج عمل من أجل القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال في المقام الأول، ووضع وتحديد آليات ملائمة لرصد تطبيق الاتفاقية بالتشاور مع منظمات أصحاب العمل والعمال، كما تطالب الاتفاقية الدول الأعضاء بتوفير المساعدة لانتشال الأطفال من أسوأ أشكال العمل، وإعادة تأهيلهم، وضمان حصولهم على التعليم الأساسي والتدريب المهني، وأخذ وضع الفتيات من هؤلاء الأطفال بعين الاعتبار.

وقد صاحب الموافقة على هذه الاتفاقية صدور توصية مكملة لها تحدد الأعمال الخطرة التي يعمل بها الأطفال كـ "تلك الأعمال التي تعرض الأطفال للاستغلال الجسدي أو النفسي أو الجنسي، والأعمال في باطن الأرض أو تحت المياه أو في أماكن محصورة وسيئة التهوية، والأعمال التي تستخدم فيها آلات ومعدات خطرة أو التي تشمل أحمالا ثقيلة، والأعمال التي تمارس في بيئة غير صحية يمكن أن تعرض الأطفال لمواد خطرة، ولدرجات حرارة أو مستويات ضوضاء أو اهتزازات، والأعمال التي تزاول في ظروف بالغة الصعوبة كالعمل لساعات طويلة أو أثناء الليل أو العمل الذي يحتفظ فيه بالطفل في مكان صاحب العمل".  

حق أرادوا به… !

ولا شك أن قيام المجتمع الدولي بإقرار اتفاقية لمنع استغلال الأطفال من جانب أصحاب العمل وتشغيلهم في ظروف قاسية أمر يحمد لهذا المجتمع الدولي، ويعكس الجانب الإنساني في توجهات النظام العالمي الجديد، ولكن هذه الاتفاقية وهذا الجانب الإنساني يصبح "قول حق أريد به باطل" إذا تم خلط الأوراق من جانب الدول الصناعية لتستخدم حقوق الإنسان وعمالة الأطفال لتقييد حرية تدفق السلع من الدول النامية إلى أسواقها؛ وذلك لانخفاض تكاليف السلع التي ينتجها الأطفال بسبب تدني الأجور التي يحصلون عليها.

وقد أقدمت على هذا الأمر بعض الدول الصناعية، واتخذت إجراءات حمائية ضد صادرات السلع من الدول النامية بهذه الحجة، وكانت في مقدمة هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية التي رفضت دخول سلع صينية الصنع؛ لأنها صنعت بأيدي سجناء أو بأيدي أطفال، وهو ما جعل الدول النامية في معظمها تعترض على هذا الخلط للأوراق، وترى أن هذا السلوك من جانب الدول المتقدمة إنما هو محاولة جديدة لتجريد الدول النامية من المزايا النسبية في مجال التجارة الدولية؛ فمرة تستخدم معايير البيئة والمواصفات القياسية المتشددة، ومرة تستخدم معايير الصحة والسلامة، ومرة تستخدم حقوق الإنسان وعمالة الأطفال من أجل الحد من تدفق السلع من الدول النامية إلى أسواق هذه الدول المتقدمة.

ومهما كانت درجة الخلاف بين الدول المتقدمة والدول النامية في هذا المجال إلا أن منطق الأمور يشير بوضوح إلى أن سياسة الدول المتقدمة في هذا المجال لن تحسن أحوال الأطفال في الدول النامية، وهو الهدف الأساسي للاتفاقية الجديدة؛ حيث إن الأطفال وأسرهم في هذه الدول لهم ظروف خاصة؛ حيث انخفاض مستويات المعيشة وعدم توافر التعليم الذي يمكن أن يستوعب كل أطفال هذه الدول بسبب نقص التمويل المقدم للتعليم في هذه الدول، وبذلك فإن محاولة منع عمالة الأطفال في الدول النامية عن طريق رفض دخول السلع التي يشترك الأطفال في تصنيعها هو بمثابة "وضع العربة أمام الحصان"؛ لأن الواقع يفرض تحسين الأوضاع المعيشية للأطفال في هذه الدول قبل تطبيق هذه الإجراءات، أما عمل العكس فإنه لا يزيد الأمو إلا تدهورًا.

وإذا طبقت الدول النامية هذه المعايير، وقامت بحظر عمل الأطفال فلا يكون أمام هؤلاء الأطفال وأسرهم إلا الاندفاع نحو التشرد ونحو مزيد من المعاناة والبؤس، وهو منطق معكوس؛ حيث إنه ليس من صحة المنطق أن "نغلق المستشفيات من أجل القضاء على الأمراض"؛ وذلك لأن ظاهرة عمالة الأطفال في الدول النامية، كأي ظاهرة اجتماعية، ترتبط بالظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية السائدة في هذا المجتمع والمتراكمة عبر التاريخ، ولذلك فإن القضاء عليها لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال نظرة شمولية تعالج الظروف المولدة للمشكلة من جذورها بدلاً من المطالبة باستخدام أساليب تنظر إلى المشكلة من زاوية قاصرة ومن جانب واحد.

الخروج من المأزق

إن إعمال العقل في قضية تشغيل الأطفال في ظروف الدول النامية -ومنها البلاد العربية- لا يجعلنا نصف هذه القضية بأنها تشكل مأزقًا عربيًّا أو مأزقًا لهذه الدول النامية؛ وذلك للاعتبارات الآتية:

- إن عمالة الأطفال بعد بلوغ سن معين في الدول النامية يمكن أن تمثل مدرسة تدريبية من أرقى مدارس التدريب في ظل ظروف الدول النامية؛ حيث يمكن الارتقاء بهم وبمهارتهم ليكونوا "أسطوات" و"معلمين" في المهن المختلفة.

- لأن جهاز التعليم لا يمكن أن يستوعب جميع الأطفال في الدول النامية، ولأن ظروف أغلبهم لا تسمح له بالالتحاق بالمدارس؛ فإن استخدام هؤلاء الأطفال في آداء بعض الأعمال الخفيفة يعتبر في حد ذاته وقاية لهم من الجريمة والتسول والتشرد والسرقة والبحث عن الطعام في صناديق القمامة.

- انتشار القطاع غير المنظم في الدول النامية -ومنها الدول العربية- يعطي مبررًا قويًّا لتشغيل الأطفال في الورش والدكاكين الموجودة بكثافة في هذا القطاع؛ لأن هذا القطاع يوجد به من الأعمال الخفيفة التي يمكن أن يقوم بها الأطفال، وخاصة معاونة الكبار في هذه الحرف لتوفير الوقت وزيادة الإنتاجية لهذا القطاع.

ومع ذلك يجب ضمان المعاملة الكريمة للأطفال الذين يعملون في البلاد النامية، ومنها الدول العربية، وكذلك ضمان تدريبهم؛ ليكونوا أربابًا للمهن التي أوشكت أن تنقرض في بلادنا العربية.

وهكذا، فإن عمالة الأطفال لا تمثل مأزقًا فعليًّا للدول النامية ومنها الدول العربية، وعلى الدول الصناعية أن تدرك أن الطفل في الدول النامية، والتي تدافع عنه الاتفاقية الجديدة لن يسعده أن يمنع من العمل ليكون مصيره التشرد والمزيد من الحرمان؛ لأن هذا الطفل سيقول للدول الصناعية وقتها: "أيها السادة، الآن لدي اتفاقية تقيني جهد العمل ولا تقيني الفقر .. فماذا بعد؟".


  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم