English

 

الأربعاء. أكتوبر. 10, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

بعد الانضمام لمنظمة التجارة العالمية

التنين يخرج من القمقم لقيادة العالم!

مغاوري شلبي

Image

رغم أن العمليات التفجيرية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية غطَّت على الإعلان عن الموافقة على انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، فإنها صعّدت الحديث الذي كان ساريًا حول مستقبل الدور الصيني في الاقتصاد العالمي، وجعلت محور الحديث ينتقل من مجرد المنافسة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة إلى المنافسة بينهما على قيادة الاقتصاد العالمي، والعمل على أن تكون إحداهما مركزه، خاصة بعد انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية.

الكلام عن الاقتصاد الصيني كثير وذو دلالة، ولكن الأرقام الخاصة بمؤشرات الاقتصاد الصيني أقوى في دلالاتها من أي كلمات، وبنظرة سريعة على بيانات الجدول التالي يتأكد مدى ضخامة الاقتصاد الصيني، ومدى سرعة معدل النمو الذي ينمو به هذا الاقتصاد الواعد.

أهم مؤشرات الاقتصاد الصيني في أغسطس 2001 

عدد السكان

1.2 مليار نسمة

الناتج المحلي الإجمالي

1.2 تريليون دولار

معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي

7.8% سنويًا

معدل نمو الإنتاج الصناعي

8.1% سنويًا

معدل التضخم السنوي

1.5 %

إجمالي الصادرات السنوية

249.2 مليار دولار

إجمالي الواردات السنوية

225.1 مليار دولار

الاحتياطي من العملات الصعبة

200 مليار دولار

عدد الشركات المساهمة في بورصتي الصين (شنغهاي – شينزهين)

1200 شركة

القيمة السوقية للبورصتين

600 مليار دولار

الأموال التي جمعتها الصين من البورصات العالمية (عام 2000)

21 مليار دولار

يتبين من البيانات أن التعداد السكاني في الصين يمثل قوة شرائية هائلة تصل إلى حوالي 25% من حجم الطلب العالمي، كما يُعد قوة إنتاجية تدعم القدرة التنافسية للمنتجات الصينية في الأسواق الخارجية، والتي أخذت بالفعل تغزو أسواق جميع دول العالم وبكميات هائلة وطرق مبتكرة حتى أصبحت عبارة "صُنع في الصين" أشهر العبارات في جميع أسواق العالم بما فيها السوق الأمريكي. كما أن الناتج الإجمالي السنوي البالغ 1.2 تريليون دولار يعكس حجم وقوة دولاب الإنتاج في هذا البلد ودرجة التنوع في قطاعاته.

والأمر الأكثر إثارة أن هذا الاقتصاد ينمو بمعدل سنوي يصل إلى حوالي 8%، وهذا النمو لا يأتي من نمو قطاعات هامشية خدمية أو منتجة للمواد الأولية، ولكن يأتي بالأساس من نمو قطاع الإنتاج الصناعي الذي يصل معدل النمو السنوي فيه إلى 8.1%، وهذا يعني أن حجم الاقتصاد الصيني يمكن أن يتضاعف كل حوالي 10 سنوات في ظل معدل هذا النمو، وما يضفي مزيدًا من الجودة على معدل النمو الكبير في الصين أن هذا المعدل يحدث في ظلّ معدل تضخم مقبول جدًا لا يتجاوز 1.5% سنويًا، ولولا مراعاة الإدارة الاقتصادية في الصين للآثار العكسية للنمو الكبير على معدل التضخم في البلاد لكان في إمكانية الصين أن تنمو بمعدلات أكبر قد تصل إلى أكثر من 10%، ولذلك سبق أن خفضت الصين من معدلات نموها من 9.5% إلى المعدل الحالي؛ تجنبًا لحدوث موجات من التضخم، في مقابل ذلك نجد معدل نمو ضعيف جدًا في الولايات المتحدة لا يجاوز 0.1%، بل إن هناك توقعات بحدوث معدل نمو سلبي.

 وكذلك فإن الحجم الهائل للصادرات الصينية -والذي يصل إلى 249.2 مليار دولار سنويًا- يعكس درجة انتشار وتنوع الصادرات الصينية وقدرتها الهائلة على اختراق الأسواق الدولية، ورغم ضخامة حجم الواردات الصينية، فإن الصين تحتفظ بفائض كبير في رصيد ميزانها التجاري، والذي يصل إلى حوالي 20 مليار دولار. وعلى صعيد الجدارة السيادية والائتمانية للاقتصاد الصيني فإن حجم احتياطيات الصين من العملات الصعبة يصل إلى حوالي 200 مليار دولار؛ وهو ما يعني أن هذه الاحتياطيات تغطي واردات الصين لمدة تصل إلى حوالي 11 شهرًا، كما أن هذه الاحتياطات تؤكد أن الصين لا تحتاج إلى الأموال اللازمة لتحقيق معدلات النمو الحالية بصورة متواصلة لسنوات قادمة بقدر ما تحتاج إلى التكنولوجيا والإدارة الحديثة والعمالة الماهرة.

وإذا انتقلنا إلى سوق المال في الصين نجد أن بورصتي الصين تمثلان ثاني أكبر سوق للمال في آسيا بعد اليابان، وتأتي "هونج كونج" في المركز الثالث. ويرى الخبراء أن بورصة الصين تنمو بمعدلات سريعة تقترب من معدلات نمو الاقتصاد الصيني ككل؛ وهو ما يجعلها في طريقها إلى احتلال المركز الأول على العالم كما كانت قبل الحرب العالمية الثانية؛ حيث كانت بورصة "شنغهاي" واحدة من أكبر أسواق المال في العالم.

في منظمة التجارة.. بشروطها

انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية كان هدفًا من الأهداف الهامة لمعظم دول العالم بقدر ما كان هدفًا للصين نفسها، وذلك بسبب المشاكل التي كان يخلقها عدم عضوية الصين في هذه المنظمة، خاصة في مجال قضايا الإغراق والدعم وغيرها من السياسات التجارية غير المشروعة، فلم تكن هذه الدول قادرة على مقاضاة الصين أو الدخول معها في نزاعات تجارية أمام المنظمة؛ لأن الصين لم تلتزم بالقواعد التجارية التي صاغتها في اتفاقاتها المختلفة.

وبعد أن دخلت الصين في مفاوضات مع المنظمة للحصول على العضوية تبين -بما لا يدع مجالا للشك- أن حصول الصين على العضوية لن يتم وفقًا لمعايير اقتصادية فقط كغيرها من الدول، وإنما ستلعب الجوانب السياسية دورًا هامًا في الموضوع، وخاصة المغازلة السياسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، والتي مرّت بمراحل عديدة طوال فترة المفاوضات الرسمية بين الطرفين.

تبين من الالتزامات التي تعهدت بها الصين أمام المنظمة أنها انضمت إلى المنظمة بشروطها هي، وليس بشروط المنظمة أو غيرها من القوى؛ حيث الْتزمت الصين بمقتضى الاتفاق مع المنظمة بأن تخفض الرسوم الجمركية على وارداتها من السلع الزراعية بمعدل متوسط يصل إلى 15%، وتكون معدلات الجمارك على هذه السلع بين صفر% و25%، وأن تخفض الرسوم على وارداتها من السلع الصناعية بمعدل متوسط يصل إلى 8.9%، وأن تكون معدلات الجمارك على هذه النوعية من السلع بين صفر% و47%، وذلك حسب نوعية هذه السلع.

 وفي مقابل هذه الالتزامات حصلت الصين على استثناءات أهمها أن تُبقي الصين سيطرتها الكاملة على تجارة بعض السلع ذات الطبيعة الخاصة في أسواقها، وهي الحبوب والتبغ والمعادن والوقود، كما تُبقي سيطرتها الجزئية على بعض الخدمات مثل المواصلات وعملية توزيع السلع داخل الأسواق الصينية، كما نجحت الصين في الحصول على فترات سماح أطول لتحرير وارداتها مقارنة بغيرها من الدول.

آمال وتحديات دولية

بعد الإعلان عن انضمام الصين رسميًا إلى منظمة التجارة العالمية انتعشت الآمال الدولية والصينية لتحقيق مكاسب تجارية من وراء هذه الخطوة، وقد تمثلت الآمال الدولية في الآتي:

  • تحسين الاقتصاد الصيني لأداء الاقتصاد العالمي الذي يمرّ بمرحلة تباطؤ في النمو زادت من قتامتها الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة، وتعود هذه الآمال إلى القوة الشرائية الهائلة للصينيين، والتي تؤثر إيجابيًا على مستويات الطلب العالمي.
  • سرعة حلّ النزاعات التجارية بين الدول الصناعية من ناحية، وبينها وبين الصين من ناحية أخرى، وذلك عن طريق التحكيم أمام هيئة دولية محايدة هي منظمة التجارة العالمية.
  • زيادة استغلال المستثمرين الدوليين للفرص التي ستُتاح لهم في أسواق الصين واستفادتهم من تدني أجور العمالة الصينية مقارنة بالدول الأخرى، وكذلك اتساع حجم السوق الداخلية، ولا تقتصر آمال المستثمرين في هذا المجال على القطاع الصناعي الصيني فقط، ولكن تمتد إلى قطاع الخدمات مثل البنوك وشركات التأمين.
  • أما الدول النامية فيعقد العديد منها آماله على قيام الصين بدور واسع في صياغة قواعد النظام التجاري العالمي، وأن تنهي سيطرة وانفراد الولايات المتحدة بهذا الدور، وأن يصب ذلك لصالح الدول النامية. الجدير بالذكر أن الصين عقدت العديد من الصفقات مع الدول النامية أثناء المفاوضات مع المنظمة؛ لكي تقدم هذه الدول الدعم لها حتى تحصل على العضوية مقابل أن تراعي الصين المصالح الاقتصادية لهذه الدول بعد الانضمام.

ورغم هذه الآمال العريضة، فإن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية أَثارَ العديد من التخوفات لدى البعض، وتتمثل أهم هذه التخوفات في الآتي:

  • اعتقاد البعض أن انضمام الصين للمنظمة لن يؤدي إلى حل النزاعات التجارية الدولية، وإنما سيقود إلى تفجير نزاعات تجارية جديدة مع أقطار أخرى؛ لتضاف إلى نزاعاتها الحالية مع عدد من الدول التي تحاول فرض قيود على منتجاتها بحجة مكافحة الإغراق؛ وهو ما يعني أن عدد دعاوى الإغراق المرفوعة ضد الصين من المحتمل أن ترتفع بعد أن تنضم إلى المنظمة؛ حيث ستُفتح أمامها الأسواق العالمية بشكل أكبر.
  • حدوث نزوح واسع النطاق للاستثمارات الأجنبية من الدول الأخرى تجاه أسواق الصين، وخاصة استثمارات الشركات دولية النشاط، والتي بدأت بالفعل في بناء قواعد ومراكز تصدير ضخمة لها بالصين، والملاحظ أن هذا التخوف يصدر بالتحديد من جيران الصين (دول جنوب شرق آسيا) الذين يعانون على مدار السنوات الأخيرة من هروب الاستثمارات من بلادهم إلى الصين.

آمال وتحديات صينية

أما الآمال التي دفعت الصين لبذل العديد من الجهود في مختلف المجالات وإدخال العديد من الإصلاحات الاقتصادية؛ فأهمها:

  • إعطاء فرصة أوسع لمنتجاتها للنفاذ إلى الأسواق العالمية؛ لتستفيد الصادرات الصينية من التخفيضات الجمركية التي تم إقرارها والقيام بها في ظل التزامات الدول بقواعد منظمة التجارة العالمية؛ أي أن الصادرات الصينية ستحصل على مزايا في مختلف دول العالم لم تكن تحصل عليها من قبل.
  • القيام بدور محوري في عمل منظمة التجارة العالمية وفي صياغة السياسات والنظم التجارية، التي تسعى المنظمة إلى إقرارها لزيادة درجة حرية التجارة العالمية من خلال جولات المفاوضات القادمة.
  • تجنب انعزال الصين عن مسيرة الاقتصاد العالمي نحو العولمة؛ وذلك لأن انضمام الصين للمنظمة يعني أنها أصبحت في الجانب الذي ينظم حوالي 93% من تجارة العالم.
  • زيادة اندماج الاقتصاد الصيني في الاقتصاد العالمي، والحصول على بعض أنواع التكنولوجيا العالمية غير المتوفرة لديه.
  • زيادة التواصل الاقتصادي والسياسي مع معظم دول العالم، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما سيجنبها الانتقادات السياسية التي كانت توجَّه لسياساتها، خاصة في مجال حقوق الإنسان والإنتاج، وهي معايير كانت تؤثر على صادرات الصين إلى هذه الدول.

وبالتوازي مع هذه الآمال أصبحت أمام الصين العديد من التحديات أهمها:

  • التغلب على الخسائر التي سيتعرض لها الاقتصاد الصيني بسبب الانضمام إلى المنظمة؛ حيث يتوقع بعض الخبراء الاقتصاديين أن يفقد حوالي 40 مليون صيني وظائفهم خلال السنوات القليلة القادمة بسبب الإصلاحات التي يجب عليها إدخالها على جميع قطاعاتها الاقتصادية.
  • سرعة إدخال التعديلات الإدارية والهيكلية والتشريعية في الشركات خاصة التي تملكها الحكومة؛ استعدادًا للانضمام إلى المنظمة، وتجنبًا لعمليات تسريح جماعي للعاملين بهذه الشركات، وهو أهم تحدٍّ أمام الصين؛ حيث يرى مستشار مجلس الدولة الصيني "ووجينجليان" أن نجاح الصين في تحقيق فوائد اقتصادية من انضمامها لمنظمة التجارة العالمية يتوقف على قدرة المصانع الصينية المملوكة للدولة على التعامل مع المتغيرات الجديدة.
  • احتمالات ارتفاع عدد قضايا الإغراق المرفوعة ضد الصين من مختلف دول العالم، والتي ستكون منظورة أمام منظمة التجارة العالمية، وهو ما يتطلب من الصين أن تنظر من الآن في كيفية التعامل مع هذا الكمّ من القضايا وإرضاء مختلف الدول في هذا المجال؛ تجنبًا لتعرض منتجاتها لعقوبات ممثلة في رسوم جمركية إضافية.

وهكذا تستعد الصين لممارسة نشاطها في منظمة التجارة العالمية، وسوف تستهل هذا النشاط عن طريق مشاركتها في الاجتماع الوزاري القادم للمنظمة، والمزمع عقده بـ"الدوحة" في نوفمبر القادم، وفي أعقاب الإعلان عن ذلك بدأت معظم الدول والتكتلات الأعضاء بالمنظمة إعادة ترتيب أوراقها ومواقفها التفاوضية قبل الذهاب إلى مؤتمر الدوحة، كما بدأت الصين نفسها في اتخاذ العديد من الإجراءات استعدادًا لاستكمال عضويتها وممارسة دورها المرتقَب في المنظمة الدولية للتجارة.


  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم