|
هل ينهار الدولار؟ وهل ستحتل الميدالية الذهبية المرتبة الأولى من جديد؟
السؤال الأول مطروح بشدة الآن في العديد من الأوساط المالية والاقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة، أما الثاني فهو جزء من سياسة يدعمها البنك المركزي الروسي، وأمنية عدد كبير من الاقتصاديين الروس.
بداية الأمر كانت بهبوط قيمة الدولار الأمريكي بشكل كبير أمام العملات العالمية الرئيسية في شهر يوليو 2001م، وهو أول انخفاض حاد لهذه السنة. ويقول بعض المحللين أن هنالك مؤشرات عديدة على أن الانتقال الهائل لرؤوس الأموال من الخارج، وخاصة من أوروبا واليابان إلى أمريكا، وهو ما يقدر بنصف ترليون دولار أو أكثر سنويًّا، قد بدأ بالاضمحلال نتيجة انهيار أسواق المال الأمريكية، وخاصة ما يُسمَّى "الاقتصاد الجديد"، وأسهم التقنية التي طبَّل لها الإعلام العالمي وزمَّر؛ فالأموال الهاربة إلى أسواق أمريكا هي التي كانت تحمي اقتصاد الولايات المتحدة من التوقف في السنين الأخيرة، بينما تحولت الولايات المتحدة إلى أكبر دولة مستدينة في العالم.
هذه "الاستثمارات" في الأسواق الأمريكية مكَّنت البنوك الأمريكية والمؤسسات المالية فيها من إقراض المستهلك الأمريكي كميات كبيرة من الاعتمادات حتى يتمكن من الإنفاق، على سبيل المثال، في شراء البيوت، والسيارات، وأجهزة الكمبيوتر، وغيرها من السلع الاستهلاكية. ومعظم هذه المواد الاستهلاكية يتم إنتاجها وتصديرها من دول آسيا وأوروبا بشكل عام. ونسمع من معظم المحلِّلين الماليين في هذه الأيام أن المستهلك الأمريكي، واستمرار حركة الاستهلاك في الولايات المتحدة هما الأمل الوحيد للاقتصاد العالمي.
وتبدو المفارقة المضحكة المبكية واضحة هنا؛ إذ يدفع الأمريكان ما يرسله الأجانب إلى أسواق أمريكا في صيغة "استثمارات" ثمنًا للمنتجات التي يُصدِّرها الأجانب أنفسهم إلى السوق الأمريكية. ونتيجة ذلك هي ذات عدة وجوه:
- أصبحت الولايات المتحدة "الملاذ الأخير للصادرات".
- ارتفع العجز في الميزان التجاري الأمريكي إلى ما يقارب 500 مليار دولار مع باقي دول العالم.
- أصبحت ماركة "صُنِع في أمريكا" شبه معدومة في أسواق الولايات المتحدة.
لذلك أمسى العالم أسير الدولار القوي، وأية إشاعة أو إشارة الى حقيقة الاقتصاد الأمريكي المنهار ستؤدي إلى هزات كبرى في جميع أسواق العالم.
ولا يغري العرب اليوم ترابط ارتفاع سعر النفط مع الدولار القوي؛ لأن الاثنين لربما سيهبطان معًا حالما يكتشف العالم أن الإمبراطور الأمريكي "بدون ثياب" (باقتباس من الكاتب الكلاسيكي الدنماركي هـ، سي أندرسن).
كما أن الأضرار الجسيمة التي تعرَّض لها الاقتصاد الأمريكي من جرَّاء الاعتداءات الأخيرة على الولايات المتحدة، ومع تباطؤ عجلة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة وآسيا المستوردين الأساسين للنفط العربي ستؤدي إلى تلك النتيجة؛ فإنتاج النفط العربي سيعتمد على المدى المتوسط والبعيد على وجود نمو متوازن ومتواصل في تلك الاقتصاديات. والمقصود هنا هو اقتصاد الإنتاج الصناعي، والزراعي، وتطوير البنية التحتية المرتبط بالتقدم العلمي والتقني، وليس اقتصاد المضاربات المالية، وأسواق الفقاعات المالية والعقارية الوهمية كتلك التي هيمنت على عقد التسعينيات وإلى اليوم.
حفلة الدولار انتهت!
ويشير الباحث الاقتصادي الألماني "لوثار كومب" من مجلة "إي آي آر" إلى افتتاحية صريحة جدًّا، لكن لم تحصل على الكثير من الاهتمام نشرت يوم 31 يوليو في جريدة "بورسين" (البورصة) الدنماركية المتخصصة في أسواق المال، وكان عنوان الافتتاحية "حفلة الدولار قد انتهت"، وكتبت بورسين أن الدولار الآن "في طريقه نحو الانهيار"، وأن هذا "سيدمر بالكامل الاقتصاد العالمي الضعيف أصلاً".
ويشير كومب أيضًا إلى تعليق الاقتصادي الأمريكي المعروف "باول كروجمان" على نقد وزير المالية الأمريكي "باول أونيل" للتقرير الذي صدر عن صندوق النقد الدولي الذي أشار إلى خطورة العجز التجاري الأمريكي. وقال كروجمان في مقالة نشرتها جريدة "إنترناشيونال هيرالد تربيون": "أنت تعرف أن النهاية (نهاية الفقاعة المالية) قد اقتربت حين يرفض مديرو شركات قدماء طرق المحاسبة القديمة" في إشارة الى أونيل الذي كان مديرًا عامًّا لشركة ألومنيوم أمريكية.
وأصبح أي حديث في الإعلام الأمريكي عن سياسة "الدولار القوي" أمرًا حساسًا للغاية؛ فعندما ردَّ الرئيس بوش علنًا مؤخرًا على مطالب اتحادات المصدرين الصناعيين الأمريكيين بتخفيض قيمة الدولار القوي الذي أصبح وبالاً على صادراتهم إلى دول العالم الأخرى، أصدرت صحيفة "نيويورك تايمز" تحذيرًا لبوش يوم 31 يوليو منبِّهة إياه من مغبَّة الدخول في مناظرات علنية حول قوة الدولار؛ لأن ذلك سيؤدي بسهولة إلى انخفاض قيمته؛ لذلك فأي كلام عن جدوى سياسة "الدولار القوي" سيؤدي إلى زعزعة أركان النظام المالي العالمي.
روسيا تسعى للخلافة "محليًّا"
يلاحظ المتتبعون للسياسات المالية والاقتصادية الروسية وجود حملة في الإعلام الوطني الروسي والموالي للحكومة ضد الدولار، وأصدر مجموعة من التحذيرات حول احتمال انهيار الدولار في المدى القصير، أي خلال هذه السنة. في الوقت نفسه تحاول الحكومة الروسية تشجيع المواطنين الروس على تحويل مدخراتهم التي معظمها بالدولار إلى العملة المحلية الروبل الذي أنهكته أزمة عام 1998م. وإذا انتبهنا إلى وجود 100 مليار دولار نقدًا تتم مداولتها في الشارع الروسي وتشكل جزءاً كبيرًا من مدخرات المواطنين ومن احتياطي العملة، فإننا سنتفهم أسباب هذه الحملة.
وقد أطلقت الحكومة الروسية ومصرفها المركزي بداية هذا الصيف ما تأمل في أن يصبح البديل الوطني الروسي للدولار؛ فقد وقَّع رئيس المصرف المركزي الروسي "فيكتور جيراشينكو" مرسومًا يقضي باعتبار العملة التذكارية الذهبية "الشيرفونيتس" وسيلة تداول قانونية يمكن استخدامها كمدخرات. والشيرفونيتس هي قطعة نقد ذهبية تم صكُّها أول مرة عام 1922م أثناء الحرب الأهلية الروسية؛ للسيطرة على تضخم الروبل، ومن ثَم تم إنتاج عدد كبير منها قبيل الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1982م في شكل ميداليات ذهبية؛ لبيعها للسياح كهدايا تذكارية.
ووزن الشيرفونيتس هو 8.603 جرام منها 7.746 ذهب صافي. وقد تم صك عشرة أطنان من هذه العملة الذهبية بين عامي 1975 - 1982. القيمة الاسمية لهذه القطعة الذهبية هي 10 روبلات، لكن قيمتها الفعلية اليوم هي 200 روبل (حوالي 70 دولارًا) معفية من الضريبة. وميزة هذه العملة الذهبية، حسب البنك المركزي الروسي، هي أنها تشكل بديلاً متوازنًا وأمينًا للدولار أو العملات الأخرى التي هي دائمًا معرضة لتقلبات الأسواق والتضخم، بينما الذهب بقي على مرِّ القرون معيارًا ثابتًا للقيمة المالية.
لكن الهدفين الرئيسيين والأكثر أهمية من ذلك هما:
أولاً، محاولة التخلص من الاعتماد الروسي من طرف الدولة والمواطنين على الدولار الأمريكي، وإعادة الاعتبار للعملة الوطنية الروسية؛ تحسبًا من قدوم هزَّة كبرى في الاقتصاد العالمي تكون نتيجتها انهيار الدولار.
ثانيًا، خلق بديل عالمي للنظام العائم لأسعار الصرف الذي سيطّر عليه الدولار الأمريكي منذ عام 1971 (عندما فصل الرئيس الأمريكي "نكسون" الدولار عن الذهب، وألغى نظام "بريتون وودز" القائم منذ الحرب العالمية الثانية).
وقد ترافق مع إعلان طرح هذه القطعة الذهبية حملة إعلامية كبيرة في بعض الصحف الكبرى، فقد ذكرت صحيفة "كوميرسانت" الاقتصادية أن "الشيرفونيتس هي بديل روسيا للدولار"، وقالت صحيفة "نيزافيسمايا جازيتا": إن "البنك المركزي يهاجم الدولار بالشيرفونيتس". وكرست "كوميرسانت" الصفحة الأولى من ملحقها الاقتصادي ليوم 23 أغسطس لمقال حول الموضوع قالت فيه: "إن مثل هذا الاستثمار يكون مربحًا في حالة ارتفاع أسعار الذهب عالميًّا. وهذا ما قد يحصل قريبًا في ظل الأزمة المتفاقمة في الأسواق المالية العالمية والتوقعات المتشائمة للدولار".
ونشرت صحيفة "إزفيستيا" مقالاً بعنوان "كابوس بوش" يوم 27 أغسطس ذكرت فيه أن المؤسسات المصرفية الحكومية قد بدأت بتنفيذ عملية إخلاء الدولار من السوق الروسية عن طريقين: زيادة نسبة الإقراض والادخار بالروبل، والسماح لفتح حسابات في البنوك الروسية بالعملة الأوربية الموحدة (اليورو). وكان رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان الروسي "سيرجي جلازييف" قد طالب الاتحاد الأوروبي باعتماد اليورو والروبل كوسيلة للتبادل التجاري بين روسيا ودول الاتحاد.
وهنالك ناحية إستراتيجية أخرى لسياسة فتح الباب أمام الذهب متعلقة بحقيقة أن روسيا تملك أكبر خزين للذهب في العالم. وقد ذكرت صحيفة "إكسبيرت" الروسية أن الاحتياطي من الذهب لدى بنك روسيا (البنك المركزي) قد ارتفع بمقدار 48 طنًا هذا العام. كما ذكر وزير المالية "أليكسي خودرين" أن احتياطي روسيا من الذهب والعملات الأجنبية قد ارتفع من ما قيمته 28 مليار دولار إلى 37 مليار دولار منذ بداية عام 2001م، وأن حصَّة الذهب من ذلك قد ارتفعت. وشدَّدت الصحيفة على أن هذا التطور قد أقلق صندوق النقد الدولي؛ لأن مثل هذا التطور لم يحصل في أية دولة في العالم.
وأضافت إكسبيرت أن "ارتفاع احتياطي روسيا من المعدن الأصفر قد أصبح مثار قلق لدى بعض دوائر الذهب العالمية.
السبب هو أن روسيا التي تملك 390 طنًّا من مخزون الذهب، إلى جانب الصين التي تملك قدراً مماثلاً من المعدن الثمين، هي من بين البلدان التي لا تزال نواياها تجاه استخدام الذهب غير معروفة".
ويبدو أن فكرة استخدام العملات الذهبية كوسيلة ادخار أمينة قد بدأت تستهوي دولاً أخرى. فقد أصدر بنك نيجارا (المركزي الماليزي) قطعة نقدية من الذهب الخالص في شهر يوليو الماضي، معتبرًا إياها وسيلة تداول وادخار مشروعة.
واعتبر البنك أن العملة الذهبية هي استثمار يؤمن من خطر تضخم العملات، بهذا أصبحت ماليزيا الدولة الثانية عشرة من الدول التي أصدرت عملات ذهبية للتداول.
ومن المعروف أن ماليزيا كانت الدولة الوحيدة التي خالفت شروط صندوق النقد الدولي بعد اندلاع الأزمة الآسيوية عام 1997م؛ نتيجة لهجوم مضاربي العملة العالميين مثل المضارب الأمريكي اليهودي "جورج سوروس" على عملتها. ومارست ماليزيا سياسة حماية لعملتها وأسواقها المالية، وهي سياسة أثبتت نجاحها في إعادة النشاط للاقتصاد الماليزي، بخلاف اقتصاديات أخرى اتبعت نصائح وشروط صندوق النقد مثل إندونيسيا.
وربما تخشى المؤسسات المالية الأمريكية من انضمام دول أخرى إلى هذا النوع من الإجراءات، مثل الصين التي تملك احتياطيًّا كبيرًا من الدولار، بالإضافة إلى دخولها في تحالف إستراتيجي واقتصادي مع روسيا هذا العام.
وحسب الكاتبة الأمريكية "راشيل دوجلاس" المختصة بالشؤون الروسية، بدأ هذا التوجه الروسي منذ العام الماضي بعد تولي "فلاديمير بوتين" الرئاسة عام 2000م، حين أعلن بوتين أن الحكومة ستتبع سياسة اقتصادية متوافقة مع تدعيم الأمن القومي الروسي. وقامت "لجنة الصناعات والبناء والتقنيات العلمية" في البرلمان الروسي بإجراء بحث تمخض عن تقرير نشر في أغسطس من عام 2000م بعنوان "انهيار نظام الدولار العالمي: توقعات للأمد القصير". وتوقع هذا التقرير انهيار أسواق المال الأمريكية نتيجة لتلاشي ما سُمِّي بالاقتصاد الجديد.
كما عُقِدت عدة مؤتمرات وندوات لمناقشة هذا الموضوع في موسكو برعاية الحكومة، كان آخرها الندوة التي نظمتها اللجنة الاقتصادية في البرلمان، ودُعِي إليها عالم الاقتصاد الأمريكي المخضرم "ليندن لاروش"؛ ليتحدث عن الأزمة الأمريكية من الداخل، وليشرح اقتراحاته حول إقامة نظام "بريتون وودز" جديد، يتم فيه تثبيت أسعار الصرف وربط العملات الوطنية بما كان يُسمَّى نظام احتياطي الذهب.
إن القضية هي ليست الاختيار بين الذهب والدولار، القضية الحقيقية هي إمكانية إيجاد نظام نقدي عالمي مستقر، تكون فيه العملات وسائل سيادية للدول؛ لتنفيذ سياسات إقراض واعتمادات هدفها التنمية الاقتصادية والتجارة طويلة الأمد، لا أن تكون العملة الوطنية لدولة سلعة تُباع وتُشترى دون رابط مع عملية إنتاج أو تجارة، ولا أن تكون ملعبًا لأهواء المضاربين الدوليين والمؤسسات المالية التي تقف وراءهم.
|