|
| مركز التجارة العالمي بعد تدميره
|
استهدفت الأعمال الإرهابية التي وقعت في أماكن متفرقة من الولايات المتحدة الأمريكية أكبر رموز الهيمنة الأمريكية، السياسية (الكونجرس)، والعسكرية (وزارة الدفاع)، والاقتصادية (مركز التجارة العالمي)؛ ولذلك فإن آثار هذا العمل غير المسبوق من نوعه تتنوع بين آثار سياسية وعسكرية واقتصادية، ونركز هنا على الآثار الاقتصادية لهذه العمليات، والتي بدأت في الظهور مع أول صوت لهذه التفجيرات، وأخذت وما زالت تتفاعل داخل مختلف أركان الاقتصاد العالمي.
وإذا كانت بعض هذه الآثار وقتية قصيرة الأجل؛ فهناك العديد من الآثار التي ستلقي بظلالها على مستقبل الاقتصاد العالمي وعلى مستقبل السياسة الاقتصادية الأمريكية، وهو ما يضع العديد من علامات الاستفهام على الأحداث الاقتصادية التي يمكن أن يشهدها العالم خلال الأسابيع والشهور القليلة القادمة، وعلى مستقبل النظام الاقتصادي العالمي الذي تنفرد الولايات المتحدة الأمريكية بصياغة ملامحه التجارية والمالية؛ ليتم تشكيلها وفقًا للنمط الأمريكي، وبالشروط التي تعكس مصالح الولايات المتحدة الأمريكية دون النظر إلى مصالح الآخرين حتى من أكبر التكتلات الاقتصادية الدولية.
ورغم أنه من السابق لأوانه أن يتم تحديد دقيق لآثار هذا الحادث من الجانب الاقتصادي؛ لأن هناك توابع كثيرة قادمة لهذا الحادث قد تكون أكثر تأثيرًا على الاقتصاد العالمي من الحادث نفسه – فإن هذه السطور تحاول إجراء تحليل مبدئي لهذه الآثار عسى أن تزداد الصورة وضوحًا…
حساسية المكان والتوقيت
من المؤكد أن هذا الحادث كان سيؤثر بشكل محدود على الاقتصاد العالمي لو وقع في دولة أخرى خلاف الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك إذا كان قد وقع في توقيت غير هذا التوقيت وهذه الظروف التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي خاصة والاقتصاد العالمي بصفة عامة، فهذا الحادث يقع في توقيت حساس وظروف عصيبة يمر بها الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من التباطؤ، وبدأ يدخل إلى مرحلة الكساد ويجر خلفه الاقتصاد العالمي المتقدم والنامي على السواء.
ولا شك أن هذا الحادث سيُعجل بدخول الاقتصاد العالمي والأمريكي إلى نفق الكساد، وذلك من خلال التأثير على الثقة في الاقتصاد الأمريكي من جانب المستثمرين والمستهلكين على حد سواء، وهو ما يعني أن الحادث لم يهدم أهم المباني الفيدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية فقط، ولكنه قوّض وأطاح بالجهود الدولية والأمريكية التي كانت تُبذل لإعادة الانتعاش إلى الاقتصاد العالمي.
كما تأتي خطورة توقيت هذا الحدث من أنه يحدث في فترة تعكف فيها الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها وبعض المؤسسات الاقتصادية الدولية على استعادة مسيرة العولمة ومواصلة طريقها، خاصة في مجال تحرير التجارة بعد فشل مؤتمر سياتل والاضطرابات التي صاحبت مؤتمر جنوه؛ ولذلك يُلقي هذا الحادث بظلاله على هذه الجهود منذ وقوع الحادث وحتى موعد انعقاد مؤتمر الدوحة في نوفمبر القادم، هذا إذا تم عقد هذا المؤتمر أصلاً.
أما خطورة مكان وقوع الحادث، فتكمن في وقوعه على أرض أكبر دولة في العالم من الناحية الاقتصادية، والتي يمثل اقتصادها قاطرة الاقتصاد العالمي؛ حيث يبلغ نصيب الولايات المتحدة الأمريكية من التجارة العالمية 25%، وتمثل كذلك حوالي 40% من إجمالي تدفقات رؤوس الأموال حول العالم، وهو ما يعني تأثر جزء كبير من تدفقات السلع والخدمات حول العالم، وكذلك تأثر حركة رؤوس الأموال.
كما أن هذه التفجيرات أصابت أهم رمز تجاري في العالم، وهو مركز التجارة العالمي الذي يضم حوالي 500 شركة وهيئة من مختلف جنسيات العالم، وفي مختلف فروع المال والاقتصاد، ومن بينها شركات شهيرة جدًا في مجال أسواق المال مثل شركة "مورجان استانلي"، كما يضم هيئة الجمارك الأمريكية.
وليت الأمر قاصر على مركز التجارة العالمي، ولكن من المعروف أن هذا المركز يقع في أشهر شوارع المال والاقتصاد في العالم وهو "وول ستريت"، حيث تقع أشهر البورصات العالمية، وأشهر بورصات السلع، وأشهر البنوك وشركات التأمين في العالم، وهو ما يعني أن هذه التفجيرات لم تصب اقتصاد أمريكا وحدها، ولكنها أصابت قلب الاقتصاد العالمي؛ لتحدث به أزمة كبيرة يقوم بتصديرها عبر العديد من الشرايين إلى مختلف جنبات العالم.
آثار وقتية
لقد كان انهيار برجي مركز التجارة العالمي بمثابة إلقاء الحجر في بركة المياه الساكنة للاقتصاد العالمي؛ حيث خُلقت دوائر تأثير ضيقة ما لبست تتسع مساحتها حتى غطّت جميع جوانب الاقتصاد العالمي بعد أن أصيبت جميع مرافق الاقتصاد الأمريكي بالشلل التام، ورغم أن التقديرات الأولية للخسائر تصل إلى حوالي 400 مليار دولار، فإن الحجم الحقيقي لهذه الخسائر سوف يفوق هذه التقديرات بمراحل كبيرة، وقد تمثلت الآثار الأولية لهذا الحادث في الآتي:
- الأضرار التي لحقت بأسواق المال، سواء في الولايات المتحدة أو في أسواق المال العالمية؛ حيث وقع الحادث قبل بدء التعامل في بورصة نيويورك، وهو ما منع فتح التعامل في هذه البورصة، وأجبر ذلك معظم أسواق المال العالمية على الإغلاق؛ خوفًا من حدوث انهيار في أسعار الأسهم، بسبب القيام بعمليات بيع جماعية من جانب حملة الأسهم؛ خوفًا من تحمل خسائر أكبر في المستقبل، وكانت خطورة إغلاق أسواق المال في أمريكا على أسواق المال الأخرى بسبب تتابع توقيتات الافتتاح في هذه الأسواق، حيث تبدأ التعاملات في طوكيو عقب إغلاق بورصة نيويورك، ثم تبدأ بورصة لندن بعد الإغلاق في طوكيو، وهو ما أثار مخاوف انتقال الهزات إلى هذه الأسواق بالتتابع؛ ولذلك كان الإغلاق هو الحل الأفضل.
- الأضرار التي لحقت بأسواق نيويورك التجارية "نايمكس" وبورصة السلع الأولية "نايبوت"؛ حيث تم تعليق التداول في هذه الأسواق على أهم السلع في العالم، وهي السكر الخام والبن والكاكاو والقطن وعصير البرتقال.
- تأثر أسواق الصرف في جميع أنحاء العالم وخاصة سعر صرف الدولار الذي تراجع أمام اليورو والين؛ حيث قفز اليورو إلى 97.5 سنتًا مقابل الدولار، وهبط الدولار مقابل الين الياباني ليصل إلى حوالي 121 ينًا.
- حدوث قفزة في سوق السندات الأمريكية وفي أسواق الذهب العالمية، حيث تعتبر سندات الخزانة الأمريكية والذهب الملاذ الآمن للمستثمرين في حالة حدوث الأزمات، وقد زاد سعر أوقية الذهب في السوق العالمي بحوالي 20 دولارًا دفعة واحدة، ثم أعقبها تذبذبات في السعر عاد بعدها السعر للاستقرار ولكن عند مستوى مرتفع.
- تأثرت أسواق النفط وخاصة بالنسبة للعقود الآجلة (تعاقدات أكتوبر 2001)؛ حيث وصل سعر البرميل إلى حوالي 31 دولارًا، ولكن هذا السعر أخذ في التراجع التدريجي عقب إعلان أوبك استعدادها لزيادة إمدادات النفط، وبسبب تراجع الطلب العالمي على النفط في أعقاب توقف حركة الطيران التجارية في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع أن هذه تأثيرات أولية لهذا الحادث فإن درجة تأثر الدول المختلفة في العالم تتفاوت حسب درجة ارتباطها بالاقتصاد الأمريكي وبأسواق المال الأمريكية وبالدولار الأمريكي على وجه التحديد، ولكن يجب التأكيد على أن أغلب هذه التأثيرات ستكون تأثيرات وقتية ستزول خلال أيام إلا إذا كان هناك رد فعل أمريكي عنيف في مناطق مؤثرة في الاقتصاد العالمي مثل منطقة "الشرق الأوسط"، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال استمرار بعض هذه التأثيرات وربما اتساع نطاقها حسبما سيحدث كرد فعل على هذا الحادث.
أزمات إلى أجل غير مسمى
إلى جانب الآثار الوقتية السابق الإشارة إليها، فإن هناك مجموعة من الآثار التي ستظل تتفاعل في الاقتصاد الأمريكي وتؤثر على الاقتصاد العالمي لوقت طويل في المستقبل، ويأتي في مقدمة هذه الآثار ما يلي:
- الأزمات التي ستتعرض لها شركات التأمين العالمية وشركات إعادة التأمين، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وذلك بسبب التزامها بضرورة دفع التعويضات للشركات وجميع الجهات والأفراد الذين تأثروا بهذا الحادث، ويقدر الخبراء هذه المبالغ بقيمة أولية تصل إلى حوالي 15 مليار دولار، متمثلة في المطالبات التي تطالب بدفعها شركات التأمين فقط، ويضاف إلى ذلك تعرض هذه الشركات إلى مزيد من الخسائر في المستقبل؛ بسبب التحول من شراء أسهم هذه الشركات بعد تأثرها إلى شراء أسهم شركات أخرى، وخاصة شركات البترول الذي يرجح البعض احتمالات ارتفاع أسعاره في ظل هذه الظروف، وكذلك ارتفاع أسعار منتجات البترول في الأسواق الأمريكية، ويدللون على ذلك بما حدث من ارتفاع في أسعار البنزين الذي ارتفع بمعدل 5 دولارات للجالون الواحد في الولايات المتحدة الأمريكية، ويرجحون استمرار هذا الارتفاع لفترة قادمة.
- الآثار التي ستتعرض لها شركات الطيران والسياحة حول مختلف دول العالم بسبب هذا الحادث، وتراجع أعداد المسافرين لفترة قد تطول حتى يعود الاطمئنان والهدوء إلى العالم، وهذه الآثار قد تتفاقم في حالة وجود رد عسكري أمريكي واسع النطاق على بعض الدول التي ستُدان في هذا الحادث، كما سوف تتأثر معظم الشركات والمصالح التي يرتبط عملها بعمل شركات الطيران والسياحة وخدماتها.
- قد يستمر الضغط على الدولار الأمريكي لفترة طويلة قادمة، خاصة مع استعداد الاتحاد الأوروبي لطرح اليورو في التعاملات اليومية للمواطنين في يناير القادم، ومع اتجاه اليورو للتحسن أمام الدولار والإقبال على اتخاذ اليورو كعملة للاحتياط في العديد من دول العالم خشية تأثرها بسبب تراجع سعر صرف الدولار، وقد يضطر بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي إلى خفض سعر الفائدة على الدولار، في محاولة لتقليل هذه الضغوط سريعًا وتحجيم لجوء الأفراد إلى استبدال الدولار بالفرنك السويسري أو المارك الألماني بسبب هذه الأزمة.
ورغم أن هذه الآثار ما زالت نتائجها وخسائرها الدقيقة صعبة التحديد على وجه اليقين، فإن الخسائر المادية ستفوق كل التقديرات الراهنة وستكون الخسائر النفسية وانعكاساتها الاقتصادية أكثر مما هو متوقع في جميع أنحاء العالم.
ويبقى في النهاية وفي الأجل الأطول تأثير هذا الحادث على مستقبل السياسة الاقتصادية الأمريكية ودورها في صياغة ملامح النظام العالمي الجديد، وهو الأمر الذي سوف يحدد قوة رد الفعل الأمريكي من أجل حفاظ الولايات المتحدة على هذا الدور، بل واستغلال هذا الحادث لكسر بعض القوانين الدولية في المجال الاقتصادي؛ لاستعادة الكرامة الاقتصادية الأمريكية التي أصبحت عليها الكثير من علامات الاستفهام. وهو ما يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية ستجند كل قوتها العسكرية لحماية قوتها الاقتصادية خلال الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة.
باحث اقتصادي
|