English

 

السبت. سبتمبر. 29, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

لغة المصالح جعلت "مشرف" قائدًا لا حاكمًا مستبدًّا!

مكاسب باكستان من معاونة الأمريكان

د. محمد شريف بشير

Image

ترافق القرار الأمريكي الصادر يوم الأحد (23/9/2001) والخاص برفع العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على باكستان إثر القيام بتفجيرات نووية عام 1998، مع جملة من الحوافز الاقتصادية والمساعدات المالية من أطراف غربية عديدة أخرى، وتصب جميع هذه الجهود في اتجاه مكافأة باكستان وتقوية موقف حكومتها نظير مساندة الحملة الأمريكية ضد ما يُسمى بالإرهاب.

فقد تم التوقيع يوم الإثنين 24/9/2001 على اتفاقية تعاون بين أمريكا وباكستان في العاصمة "إسلام آباد" اعتُبِرت دعمًا له أهميته على الاقتصاد الباكستاني بعد تجميد للعلاقات الاقتصادية الباكستانية الأمريكية، استمر قرابة 11 عامًا (منذ 1990).

وبموجب هذه الاتفاقية سيتم جدولة الديون المستحقة على باكستان، والبالغة 600 مليون دولار، فيما وعدت الدول المانحة بإعادة جدولة الديون المستحقة بموجب اتفاق لإعادة جدولة حوالي 1.8 مليار دولار، وقد تم الاتفاق الأخير في نادي باريس في 23 يناير من العام الجاري؛ إذ إن "نادي باريس" محفل مختص بإعادة جدولة الديون الرسمية المستحقة للحكومات والوكالات الرسمية، بينما إعادة جدولة الديون تعني تأجيل سداد أقساط الديون المستحقة، وإطالة فترتها مع تسديد الفوائد المستحقة في مواعيدها.

وتأتي أمريكا واليابان على رأس أكبر الدول الدائنة لباكستان؛ إذ يصل مجموع ديون أمريكا على باكستان حوالي 600 مليون دولار، بينما تصل ديون اليابان عليها حوالي 550 مليون دولار.

تفاصيل الاتفاق

اتفاق التعاون الموقع يوم الإثنين 24 سبتمبر 2001 بين البلدين وقّعته السفيرة الأمريكية لدى باكستان "ويندي شامبرلين" ممثلة لبلادها، وسكرتير قسم الشؤون الاقتصادية السيد "ناويد أحسن" ممثلا الجانب الباكستاني، وبحضور وزير المالية "شوكت عزيز" الذي قال: إن الاتفاق بمثابة مصادقة أمريكية على الإصلاح والتصحيح الاقتصادي، وأوضحت السفيرة أن الاتفاق إشارة ثقة قوية ترمي لمساعدة حكومة باكستان لإدارة خطة انتعاش اقتصاد البلاد.

وتضمن الاتفاق برنامجًا لإعادة جدولة المديونية الباكستانية المستحقة لأمريكا؛ حيث تمت إعادة جدولة 379 مليون دولار شاملة لفائدة متأخرة (للفترة من  الأول من ديسمبر 2000 إلى 30 سبتمبر 2001، إضافة لمتأخرات في 30  نوفمبر 2000 للقروض المتعاقد عليها في 30 ديسمبر 1997 ستدفع المديونية خلال 20 سنة لفترة سماح 10 سنوات تبدأ من الأول من نوفمبر 2011) بموجب اتفاقية نادي باريس في فترة سداد مدتها 20 سنة، وكانت الخطة محل دراسة منذ يناير الماضي.

ويساعد الاتفاق على إلغاء العمل بحزمة المقاطعة الاقتصادية المتعلقة بسداد متأخرات مدفوعات الديون، وهو ما يُعرف بـ "عقوبات بروك"، كما يفتح الباب واسعًا أمام باكستان للاتفاق مع المانحين الآخرين لجدولة ما يصل إلى 1.8 مليار من مديونيتها الخارجية.

وخدمة الديون البالغة 379 مليون دولار تغطي استحقاقات دَيْن لصالح مصرف الاستيراد والتصدير الأمريكي، وهيئة المعونة الأمريكية، وثلاث هيئات حكومية أمريكية أخرى، خلال الفترة من 1 ديسمبر  2000 إلى 30 سبتمبر 2001. ويشمل ذلك أيضا متأخرات 30 نوفمبر 2000 التي تضم قروضًا تم التعاقد عليها منذ 1997. وديون معونة التنمية الرسمية تُدفع لفترة سماح 10 سنوات تبدأ من 2011، بينما غير ديون المعونة الرسمية 18 سنة متضمنة فترة سماح ثلاث سنوات تبدأ من 2004، الأولى بسعر فائدة كما اتفق عليه وقت إبرام العقود، بينما الأخيرة بسعر السوق.

وصندوق النقد يتحرك!

في ذات الاتجاه أعلن صندوق النقد الدولي مصادقته على برنامج الترتيبات الداعمة التي توفر تمويلاً يبلغ 596 مليون دولار من صندوق النقد الدولي، وسيطلق الصندوق الشريحة الاحتياطية المتبقية من برنامج الترتيبات الداعمة والبالغة 136 مليون دولار خلال هذا الشهر؛ وذلك قُبيل الزيارة المرتقبة لبعثة وزارة المالية الباكستانية إلى واشنطن في الأسبوع الأول من أكتوبر المقبل لمناقشة برنامج الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة. وستقوم الدول المانحة بدعم برنامج طويل المدى تحت تسهيل ائتماني يعرضه الصندوق، ويُعرف بـ (تسهيل النمو وتقليل الفقر) تصل اعتماداته حوالي 5.2 مليارات دولار.

ومعروف أن علاقة باكستان بالصندوق قد بدأت في 1988، ثم تعثرت خلال فترة حكومة "نواز شريف"، وكذلك خلال حكم الجنرال "مشرف"، ولكن جرت بينهما اتصالات أفضتْ إلى استئناف التعامل بينهما جراء التزام باكستان بشروط الصندوق لتنفيذ التصحيح الاقتصادي، رغم أن العلاقة اعتراها بعض الشكوك من جانب الصندوق، إثر إعلان المحكمة الدستورية العليا منع التعامل الربوي والشروع في تطبيق النظام المالي الإسلامي، ابتداء من يوليو المنصرم.

أوروبا: المصالح أهم من المبادئ!

وفي سياق "المكافأة" أيضًا قرر سفراء الدول الأوربية وممثلون عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي عقب اجتماع لهم بـ"إسلام آباد" هذا الأسبوع دعم برنامج الإصلاحات الاقتصادية الباكستاني، بينما قالت اليابان: إنها تخطط لمنح باكستان منحة عاجلة تبلغ 40 مليون دولار لمواجهة تدفق اللاجئين.

ولفت موقف الاتحاد الأوروبي الأخير والداعم لباكستان أنظار عدد كبير من المراقبين للشؤون الباكستانية؛ حيث إن الاتحاد الأوروبي كان يرفض وبشدة التعامل مع حكومة الرئيس الجنرال "برويز مشرف"، ويطالب بإعادة الحياة البرلمانية لباكستان في أسرع وقت ممكن، غير أن الأحداث العالمية الجديدة كانت السبب –على ما يبدو- في دفع الاتحاد الأوروبي لتغيير موقفه بشكل جذري؛ فبعد أن كان الجنرال "برويز مشرف" (عسكريًا مستبدًا)، أصبح (رئيسًا وقائدًا ذا مواقف سياسية شجاعة) -على حد تعبير "كريس باتن" منسق الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الذي زار باكستان هذا الأسبوع على رأس وفد أوروبي-.

فقد أعلن "كريس باتن" أن دول الاتحاد الأوروبي ستقدم مساعدات اقتصادية كبيرة لباكستان تتمثل في استيراد دول الاتحاد الأوروبي كميات أكبر من الأنسجة والأقمشة الباكستانية، وأضاف باتن "أن الدعم المعنوي لباكستان والمساعدات الاقتصادية الأوروبية المخصصة للحكومة الباكستانية من شأنها إعانة حكومة الجنرال مشرف على مواجهة أعباء الأعداد المتزايدة من اللاجئين الأفغان الذي يتوافدون بشكل مستمر على باكستان".

والاتحاد الأوربي صدّق فعلاً على مبلغ 20 مليون يورو كمساعدات إنسانية عاجلة لباكستان، وسيعمل الاتحاد -بالتعاون مع المجتمع الدولي- للحيلولة دون عدم استقرار باكستان جراء تفاقم أزمة اللاجئين الأفغان. وتباحث بصدد مستقبل مساعدات التنمية إلى باكستان؛ حيث توجد الآن حوالي 205 ملايين يورو تكلفة مشروعات قائمة ومستمرة بمساعدة الاتحاد الأوربي، وسيتم تعزيز المساعدات الرسمية من جانب الدول الأوربية، خاصة فيما يتعلق بالقطاع الاجتماعي، وتقليل الفقر وإيجاد فرص العمل والبنيات التحتية المحلية. وهي تدعم طلب باكستان المساعدة المالية من المنظمات المالية الدولية، كما يساعدون على تسهيل وصول منتجات النسيج الباكستانية إلى الأسواق الأوربية، وسوف يُتفق على ذلك قريبًا.

أين.. وإلى أين؟

وكان نمو الاقتصاد الباكستاني قد شهد منذ 1998 تذبذبا وعدم استقرار، إلا أنه يشهد في الوقت الحالي ظروفا قاسية، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال المؤشرات الاقتصادية التي تفصح عن معدل عالٍ من البطالة 6.7%، والتضخم5.4%، وارتفاع نسبة الفقر 40.1% (عدد السكان حوالي 140 مليون نسمة). ففي خلال عقد الثمانينيات كان متوسط معدل النمو الاقتصادي 6%، بينما انخفض خلال عقد التسعينيات إلى 4%، وحاليا –خلال النصف الأول من العام الجاري- وصل 2.6%، منخفضًا بمقدار 1.4% عن المتوسط السنوي للعقد الماضي.

وفي الوقت نفسه كانت هناك عوامل أخرى ضاعفت من المشكلة الاقتصادية؛ منها نقص المياه في إقليمي "السند و"بلوشيستان"؛ حيث تشكل مساهمة الزراعة ما يصل إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي؛ حيث تعتمد باكستان في منتجاتها الزراعية على محصوليْ القطن والأرز كمحاصيل نقدية؛ يشكل الأول 1.6 من الناتج المحلي الإجمالي، والثاني حوالي 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفضت المساحة المزروعة من القطن بمقدار 2.7% في هذا العام مقارنة بالعام السابق، وزراعة الأرز التي حققت نموًا بلغ 6.3% في العام السابق وصلت هذا العام إلى معدلات سالبة للنمو بلغت (1.4-).

مؤشرات الاقتصاد الباكستاني 1990-2001 (%) *

2001-2000

2000-1999

1999-1990

المؤشر

2.6

3.9

4.4

معدل النمو الاقتصادي

5.4

3.9

9.7

معدل التضخم

2.4

0.4

1.6

نسبة العجز التجاري

40.1

35.9

26.0

نسبة الفقر

6.7

6.2

5.7

معدل البطالة

القطاعات المستفيدة

وأهم القطاعات الاقتصادية الباكستانية التي ستستفيد من رفع الحظر الاقتصادي الغربي هي قطاعات النفط والغاز والنسيج وتقنية المعلومات؛ فمؤسسة الاستثمار الخاص الخارجي الأمريكية تقدم تأمين مخاطر سياسية وقروض لمساعدة الاستثمارات الأمريكية المتوسطة والكبيرة الحجم للمنافسة في أكثر من 140 اقتصاد دولة ناشئة، أو الدول التي ترى أمريكا أن دعمها يخدم مع  المصلحة والإستراتيجية الاقتصادية الأمريكية، وبمشاركة رسوم الاستخدام تمارس المؤسسة أعمالها بدون تكلفة لمدفوعات الضرائب الأمريكية، ولها احتياطي يبلغ أكثر من 4 مليارات دولار.

بينما بنك "الاستيراد والتصدير" الأمريكي يقدم ضمانات لقروض رأسمال للمصدرين الأمريكيين، وضمانات للدفع وإعادة الدفع للمشترين الأجانب للسلع والخدمات الأمريكية. وضمانات تأمين ضد عدم الدفع للمشتريين الأجانب ضد المخاطر التجارية والسياسية.

ويستطيع القطاع الخاص أن يستفيد من خلال إتاحة ضمانات قروض بواسطة مصارف أمريكية، مثل مصرف الاستيراد والتصدير الأمريكي لاستيراد الماكينات والمعدات من الولايات المتحدة الأمريكية، ومصرف الاستثمار الخاص الخارجي للمساعدة في تمويل مشروعات القطاع الخاص الباكستاني.

المديونية الخارجية

تبلغ ديون باكستان الخارجية أكثر من 30 مليار دولار، ونصيب أمريكا من هذا الدين 3 مليارات دولار. وعمليات إعادة الجدولة واستئناف المعونات الاقتصادية من شأنها أن تقلل من عبء الديون الخارجية، وتتيح موارد مالية إضافية لمعالجة المشاكل الاقتصادية الناجمة عن العجز التجاري واختلال ميزان المدفوعات.

ويرى بعض المحللين الاقتصاديين أن العقوبات الاقتصادية التي فُرضت بناء على تعديل "بريسلر" الذي يربط بين المعونة الاقتصادية الأمريكية والديمقراطية في أعقاب استيلاء الجنرال مشرف على السلطة 12 أكتوبر 1999 – ما زالت سارية؛ ولذلك سيكون أثر رفع العقوبات الخاصة بالتفجيرات النووية محدودًا ما لم تُلغَ أيضا العقوبات المفروضة بموجب تعديل بريسلر.

ونوضح هنا أن هناك نوعين من العقوبات المفروضة على باكستان إحداهما المتعلقة بالبرنامج النووي، والأخرى المتعلقة بالديمقراطية- الانقلاب على الحكومة المنتخبة.

وكانت باكستان تتلقى حوالي 3 مليارات دولار سنويا من الدول الغنية في المتوسط، وعند فرض العقوبات الأمريكية انخفضت إلى 1.5 مليار دولار أمريكي. ونتيجة لضغوط إعادة سداد الديون التي ارتفعت من 2 مليار إلى 3 مليارات دولار سنويا اتجهت باكستان إلى الاقتراض من المصادر التجارية بتكلفة أعلى؛ وهو ما شكل عبئا إضافيا على الاقتصاد القومي.

وعليه فإن رفع العقوبات الأمريكية سيؤدي إلى تسهيل دخول الاستثمارات الأمريكية إلى باكستان، وستقنع أمريكا حلفاءها من الأوربيين واليابان ودول الخليج العربية بدعم باكستان على مستويات مختلفة، وتسهيل انسياب التدفقات المالية، سواء في شكل مساعدات مالية مباشرة أم ضمانات قروض، هذا فضلاً عن الدعم الأمريكي المباشر من خلال الوكالات الأمريكية الرسمية والمنظمات الدولية متعددة الأطراف.


  أستاذ الاقتصاد بجامعة العلوم الإسلامية – ماليزيا

* المصدر: حكومة باكستان، وزارة المالية، إدارة الشؤون الاقتصادية (2001) إسلام آباد.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم