|
حتى الماضي القريب لم يكن اختطاف الطائرات المدنية هدفا في حد ذاته، ولكن كان وسيلة إما للفت الأنظار لقضية معينة أو وسيلة للضغط؛ لتحقيق مطالب معينة، ولكن في الهجوم الأخير على الولايات المتحدة تم استخدام الاختطاف استخدامًا مزدوجا: "وسيلة وهدفا".
وتتوالى تداعيات الهجوم الذي تم في 11/9/2001 على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية بطريقة يصعب التنبؤ بها، غير أن أول من بدأ بالاستغاثة من آثار الحادث هو قطاع الطيران الذي يتميز بارتفاع التكاليف الثابتة، وهي التكاليف التي تتحملها الشركات سواء في ظل التشغيل أو عدمه، فعلى صعيد الولايات المتحدة فقد تسبب قرار الإدارة الأمريكية بوقف حركة الطيران المدني لعدة أيام بخسائر أولية قدرت بأكثر من 11 مليار دولار في الأسبوع الأول، ومن المتوقع أن ترتفع الخسائر خلال الأشهر المقبلة نتيجة ضياع إيرادات محتملة، وارتفاع تكاليف شركات الطيران الثابتة أو المتغيرة بسبب ارتفاع كلفة الوقود والصيانة.
كما أدى تراجع عدد المسافرين إلى تراجع مبيعات التذاكر؛ نتيجة الخوف من ركوب الطائرات، علاوة على ارتفاع كلف التأمين وزيادة أساليب الأمن والحماية، الأمر الذي دفع بالشركات إلى تعليق العديد من الرحلات أو إلغائها نهائيًا.
ويتوقع المحللون والمديرون التنفيذيون لشركات الطيران حدوث موجة إفلاسات كبيرة في قطاع الطيران بحلول نهاية العام الحالي، وستواجه شركتا "يوناتيد إيرلاينز" و"أميركان إيرلاينز" اللتان اختطفت طائراتهما أكثر الصعوبات على الإطلاق؛ إذ يتوقع أن يرفع آلاف المتضررين من الحادث قضايا تعويض ضدهما، ولن يتمكنا من مواجهة الضغوط المالية الناجمة عن ذلك، كما أعلنت شركة "كونتنتال" إنها ستشهر إفلاسها إذا لم تتلق دعما ماليا.
الوضع عالميا
وعن تأثير ما حدث على صناعة الطيران بشكل عام، أفاد اتحاد صناعات الطيران الأمريكية أن مبيعات هذه الصناعة التي تزيد قيمتها على 143 مليار دولار سنويًا ستنخفض بنحو 400 مليون دولار هذا العام، بينما ستتراجع العام المقبل بنحو 5.5 مليارات وأكثر من 6.5 مليارات دولار في عام 2003.
وكانت الهجمات قد تسببت في وقف أعمال نحو أربعة آلاف شركة طيران من بين شركات الطيران التجارية في العالم البالغ عددها 12 ألفًا. كما ستؤثر الأحداث والصعوبات على صناعة الطائرات، وفي هذا الإطار قالت شركة "بوينغ" أكبر شركة لصناعة الطائرات: إنها ستسلم نحو 500 طائرة هذا العام انخفاضًا من 538 طائرة في العام الماضي، وخفضت تقديراتها لمبيعات عام 2002 بنحو 100 طائرة من العدد الأصلي.
وعن الخطوط الجوية حول العالم، أعلنت الخطوط الجوية الكندية "إير كندا" أكبر شركة طيران كندية وعاشر أكبر شركة على مستوى العالم، أنها ستخفض رحلاتها إلى الولايات المتحدة بنسبة 20%، وحذّرت أيضًا من أنها قد تخفض رحلاتها المحلية والدولية.
وفي أوروبا خفّضت الخطوط البريطانية حجم أسطولها الجوي بنسبة 20%، وكذلك معدل رحلاتها بنسبة 10%، والإجراءات تتواصل، مستهدفة إلغاء بعض الخطوط وتخفيض عدد الرحلات على خطوط أخرى، وقالت شركة "فيرجن أتلانتك" الأوروبية: إنها ستوقف خمس طائرات من طراز "بوينج" 200/747 عن العمل وتلغي 20% من رحلاتها عبر الأطلسي، أما شركة "سابينا" البلجيكية فأكدت أنها قد لا تتمكن من مواصلة نشاطها حتى نهاية العام إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع اتحادات العاملين لإعادة هيكلة الشركة، وأضافت أن الهجمات المُدمرة على نيويورك وواشنطن زادت أوضاعها المالية المتعثرة سوءًا. وأعلنت شركة "لوفتهانزا" الألمانية أيضا أنها ستخفض رحلاتها عبر المحيط الأطلسي، وفي أمستردام قالت شركة "كي.إل.إم" الهولندية: إنها تتوقع أن تمنى بخسارة كبيرة في السنة المالية الجارية؛ بسبب الآثار السلبية للهجمات.
أما في آسيا فلم تكن الشركات الآسيوية في موقف أفضل من مثيلاتها الأمريكية والأوروبية، خاصة أنها تعتمد بشكل كبير على الطيران إلى الولايات المتحدة، وتبلغ نسبة الرحلات الآسيوية المتجهة إلى الولايات المتحدة ما يوازي 25% من إجمالي الرحلات الآسيوية.
وقد أعلنت شركة "نيبون" اليابانية ثاني أكبر شركة طيران في اليابان عن خسارتها لـ 502 مليون دولار يوميًا جراء الهجمات، وقالت: إن حوالي 10% من الركاب ألغوا رحلاتهم في الفترة ما بين 12 و30 سبتمبر الجاري، في حين تحدثت الخطوط الكورية عن خسائر بلغت 11.5 مليون دولار، وقدرت شركة الخطوط الجوية الآسيوية خسارتها بـ 3.8 ملايين دولار، وخسرت الخطوط الجوية الصينية 7% من إيراداتها.
وفي أستراليا عجّلت الأزمة بانهيار ثاني أكبر شركات الطيران الأسترالية تحت وطأة الديون الضخمة.
كما تأثرت شركات الطيران وقطاع السياحة في أفريقيا بشكل مباشر بالكارثة الأخيرة هذه، واشتدت وطأة الخسائر على قطاع السياحة والفنادق؛ حيث أعلنت شركتا الطيران "غانا" و"جنوب أفريقيا" اللتان تسيران عددا من الرحلات إلى الولايات المتحدة الأمريكية أن خسائر الكارثة تقدر بملايين الدولارات؛ إذ تستحوذ الشركتان على 25% من الرحلات للولايات المتحدة من دول جنوب الصحراء.
وقد اعتمدت شركة الطيران الغاني إستراتيجيات متنوعة لمواجهة الموقف، من بينها تخفيض نسبة علاوات الموظفين بنسبة 30%، ومع ذلك أبدت إدارة الشركة عن مخاوفها من تفاقم الموقف رغم الخطوات العلاجية هذه؛ نظرًا لعظم المخاطر المحدقة.
وتقدر خسائر قطاع السياحة في جنوب أفريقيا، والتي تعتمد على السياح الأمريكان والأوروبيين بالدرجة الأولى حوالي 200 مليون دولار أمريكي.
ويرى العديد من الخبراء أن الأزمة التي وجدت صناعة الطيران العالمية نفسها فيها بعد هجمات الثلاثاء 11 سبتمبر المدمرة تتمثل في ثلاثة جوانب رئيسة هي: إحجام المسافرين عن السفر جوًا بسبب الخوف، وزيادة تكاليف التشغيل والحماية والتأمين، ومخاطر حدوث مزيد من الضعف على الاقتصاد العالمي.
انخفاض أسعار الأسهم
لا توجد حتى الآن تقديرات دقيقة لحجم لخسائر التي قد تتكبدها أسهم شركات الطيران الأمريكية أو العالمية المتداولة في البورصات الدولية، إلا أن خسائر الأسهم تبدو كبيرة أيضًا نتيجة الخسائر الباهظة التي مُنيت بها شركات الطيران في الولايات المتحدة والعالم.
وتؤكد مصادر مطلعة أن أسهم شركات الطيران خسرت إجمالاً ما قيمته 6.66 مليارات دولار من رأس المال المتداول، وتحملت شركة دلتا إيرلاينز وحدها 2.044 مليار دولار منها.
وعلى سبيل المثال وفي أول يوم لاستئناف التداول في بورصة وول ستريت انخفض مؤشر "ستاندرد أند بورز" لشركات الطيران الذي يقيس أداء أسهم شركات الطيران الأمريكية 171.48 نقطة، أي بنسبة 32.16% إلى 361.76 نقطة.
وقالت شركة "رولزرويز" المنتجة لمحركات الطائرات: إن سهم الشركة انخفض بنسبة 34% منذ 11 سبتمبر وهو أدنى مستوى له في ثمانية أعوام؛ وذلك نتيجة مخاوف من إلغاء شركات الطيران طلبات شراء طائرات أو تأجيلها أو التخلص من عدد من الطائرات، وهو ما يقلص طلبات شراء محركات وعقود صيانة وقطع غيار، وتمثل مبيعات قطاع الطيران المدني نحو 54% من إجمالي مبيعات الشركة والباقي يخص قطاعات الدفاع والبحرية والطاقة.
وفيما يلي جدول يوضح الانخفاض في أسعار الأسهم:
|
الشركة
|
البلد
|
نسبة الانخفاض في سعر الأسهم
|
|
رولز رويز
|
أمريكا
|
34%
|
|
بريتش إير وايز
|
بريطانيا
|
42%
|
|
لوفتهانزا
|
ألمانيا
|
10%
|
|
الخطوط الجوية الكورية
|
كوريا
|
6%
|
|
الخطوط الجوية الآسيوية
|
آسيا
|
11%
|
|
الخطوط الجوية السنغافورية
|
سنغافورة
|
6%
|
|
كاثاي باسيفيك
|
هونج كونج
|
28%
|
|
الخطوط الجوية اليابانية
|
اليابان
|
8.63%
|
|
أول نيبون إيروايز
|
اليابان
|
14.29%
|
|
الخطوط الجوية الصينية
|
الصين
|
7%
|
عمليات تسريح
وفي خطوة من جانب الشركات لتقليل الخسائر التي تتكبدها سارعت إلى اتخاذ إجراءات وقائية، فأعلنت عن خطط لتسريح عشرات الآلاف من العاملين فيها.
ولم تقتصر عملية إلغاء الوظائف وتقليص عدد العاملين على الولايات المتحدة الأمريكية، فقد امتدت لتشمل شركات عالمية أخرى في أوروبا وآسيا وأستراليا؛ حيث فقد أكثر من 60 ألف أسترالي أعمالهم بسبب انهيار ثاني أكبر شركات الطيران بها.
وفيما يلي جدول بأسماء شركات الطيران، وحجم عمليات التسريح بها:
|
الشركة
|
البلد
|
عدد الوظائف
|
|
أمريكان إيرلاينز، يونايتد إيرلانز
|
أمريكا
|
40 ألف وظيفة
|
|
بوينج
|
أمريكا
|
30 ألف وظيفة
|
|
كونتنتال
|
أمريكا
|
12 ألف وظيفة
|
|
هانيويل
|
أمريكا
|
12 ألف وظيفة
|
|
يو إس إيروايز
|
أمريكا
|
11 ألف وظيفة
|
|
نورث وست إيروايز
|
أمريكا
|
10 آلاف وظيفة
|
|
أمريكا إير وايز
|
أمريكا
|
2000 وظيفة
|
|
ميدواى
|
أمريكا
|
1700 وظيفة (كل موظفيها)
|
|
أمريكان ترانس إير
|
أمريكا
|
1500 وظيفة
|
|
ميد ويست إكسبريس
|
أمريكا
|
450 وظيفة
|
|
وفرونتير إير لاينز
|
أمريكا
|
440 وظيفة
|
|
بريتش إيرويز
|
بريطانيا
|
7 آلاف وظيفة
|
|
فيرجين أتلانتك
|
بريطانيا
|
1200 وظيفة
|
|
لوفتهانزا
|
ألمانيا
|
وقف عمليات التوظيف المقررة
|
|
إير فرانس وإير باص
|
فرنسا
|
وقف عمليات التوظيف المقررة
|
وتعتبر الأزمة الحالية أكبر أزمة يعاني منها قطاع الطيران الأمريكي منذ حرب الخليج الثانية عام 1990، والتي أدت إلى انخفاض الطلب على النقل الجوي في وقت كانت فيه معظم الشركات قد أنفقت أموالا طائلة على توسيع خدماتها وأساطيلها الجوية، واستمرت تعاني منذ ذلك الوقت حتى عام 1995حتى وصف مدير شركة "أميركان إيرلاينز" خسائر تلك الفترة بأنها تفوق المكاسب التي حققتها الشركات منذ رحلة الطيران الأولى للأخوين "رايت" عام 1903!!، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلنتون" إلى تشكيل لجنة خاصة لدراسة سبل مساعدة قطاع الطيران، غير أن ذلك لم يسعف الشركات بالقدر الكافي، ولم ينقذها إلا الانتعاش الاقتصادي الذي أدى إلى ارتفاع الطلب؛ حيث أصبحت معظم الشركات تحقق أرباحًا منذ 1996، ذلك حتى يوم الثلاثاء الماضي 11-9-2001 حين زارها سوء الطالع من جديد.
مساعدات عاجلة
رغم قلق الحكومة الفيدرالية على مستقبل أوضاع شركات الطيران، فإنه في واقع الأمر الحكومة الآن مشغولة بقرع طبول الحرب وسبل استعادة هيبتها التي تعرضت لشرخ بالغ بعد الحادث، وعامل الوقت في غير صالح الشركات؛ لذلك فمع إعراب البيت الأبيض عن استعداده لتقديم 10 مليارات دولار لمساعدة شركات الطيران الأمريكية فلا يتوقع أن يعود معدل نشاط هذه الشركات كما كان قبل الأزمة حتى بعد حصولها على الدعم الفيدرالي، وذلك حسب توقعات المحللين والتنفيذيين في قطاع الطيران، وكانت شركات الطيران الأمريكية قد طلبت مساعدات حكومية قدرها 24 مليارًا لتصحيح أوضاعها في أعقاب الهجمات، وقالت رابطة النقل الجوي التي تمثل شركات الطيران الرئيسية: إن الطلب الذي تقدمت به الشركات يشمل ضمانات قروض بقيمة 11.2 مليار دولار وإعفاءات ضريبية قيمتها 7.8 مليارات دولار ومساعدات نقدية مباشرة بخمسة مليارات دولار.
أما الحكومة البريطانية، فقد أعلنت من جانبها في 21 سبتمبر أنها وافقت على تأمين الشركات الجوية البريطانية ضد أي هجمات إرهابية.
وفي الخليج، قررت الحكومة الكويتية "توفير غطاء تأميني" قيمته مليارا دولار كحد أعلى للخطوط الجوية الكويتية؛ بهدف تجنب وقف رحلاتها إلى أوروبا والولايات المتحدة.
كما قررت الحكومات الأربع المالكة لشركة طيران الخليج (حكومات قطر وسلطنة عمان والبحرين وأبو ظبي) منح الشركة التغطية التأمينية اللازمة، التي تبلغ ملياري دولار، لتتمكن من مواصلة رحلاتها إلى مطارات عدد من دول العالم.
تحديات جديدة
أفرزت تلك الأحداث جملة من التحديات أمام نشاط شركات الطيران والنقل الجوي في مقدمتها:
1- قضية الرعاية والحماية الأمنية لأفراد طاقم الطائرة، من خلال ترتيبات أمنية مشددة.
2- المشاكل الاقتصادية، حيث تضطر الشركات لفرض مزيد من الضرائب ورفع أسعار التذاكر، وقد لا يغطي ذلك حجم الخسائر التي تكبدتها.
3- تقنيا، وتتمثل في تحديث تقنية أمن المطارات بما يأمن من عمليات الإرهاب والإجرام، وهذا بالطبع لن تتحمل مسئوليته السلطات المسئولة عن المطارات، بل يتطلب مساهمة مادية من شركات الطيران.
هذه المتطلبات المتكاثرة التي تنوء عن حملها الشركات الطيران وحدها، ورفعت من توقعات المحللين والخبراء في الأوساط الاقتصادية والمالية أن الساحة ستشهد انهيارًا في عدد من شركات الطيران، والذي قد يؤدي إلى ظهور عهد جديد وظاهرة الاندماج بين الشركات والمصانع الخاصة بالطيران في غضون سنوات قليلة مقبلة.
باحث اقتصادي
|