|
كان واضحًا من قبل أن يبدأ (يوم 6-10-2001م) لقاء وزراء المالية ورؤساء المصارف المركزية للدول الصناعية السبع الرئيسية في العالم -وهو الأول بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن- أن التنبؤات المعتادة بصدد مستقبل الوضع الاقتصادي العالمي –والمقصود: الغربي- لم تتبدل عما كانت عليه قبل التفجيرات المذكورة، وقد تحدّث صندوق النقد الدولي مجددا عن نسبة نموّ اقتصادي وسطية في حدود 6, 2% عام 2001م الجاري و5, 3 %عام 2002م القادم، ولم يطرأ تعديل يُذكر على هذه التنبؤات المعروفة منذ شهور.
وكانت هذه المعطيات معروفة أيضا عندما انعقد لقاء منظمة البلدان المصدِّرة للنفط الخام في فيينا في نهاية سبتمبر 2001م، وكان الاجتماع الأول بعد التفجيرات أيضا، وكان معروفا كذلك:
- أن التفجيرات لم تسبب انخفاضا ما في حجم المعروض في الأسواق النفطية ولا في الاحتياطي العالمي.
- لم ترتفع أسعار النفط الخام عقب التفجيرات إلا لفترة أربع وعشرين ساعة؛ فكان تأثيرها كما يُقال "نفسانيا" في الأسواق المالية، شأن النفط الخام في ذلك شأن معظم القطاعات الاقتصادية الأخرى التي لا علاقة لها بالحدث بصورة مباشرة، على النقيض من قطاع الطيران مثلا.
باختصار: لم يكن يوجد أي عامل من العوامل الاقتصادية التقليدية التي تدفع إلى توقع اتخاذ قرار من شأنه أن يخفض أسعار النفط الخام بدلا من رفعها مثلما ترتفع مختلف المنتجات الصناعية المستوردة بالعائدات النفطية، بصورة مطّردة عاما بعد عام.
على النقيض من ذلك، قبل انعقاد لقاء فيينا انخفض سعر البرميل النفطي في الأسواق إلى أدنى مستوى له منذ عامين، فتأرجح حول 21 دولارًا، أي دون الحدّ الأدنى الذي اعتبرته الدول النفطية في المنظمة في حدود المقبول، ومن المعروف أن السعر الوسطي الذي أعلنته المنظمة هدفا رسميا لها هو ما بين 22 و28 دولارًا للبرميل الواحد؛ وهو ما يعني سعرا وسطيا في حدود 25 دولارًا .
جميع الدلائل كانت تتطلب من الناحية الاقتصادية المحضة إذن أن تأخذ المنظمة قرارًا بخفض الإنتاج؛ لترتفع الأسعار إلى "حدّ وسطي" معقول -وفق تعريفها هي لهذه الكلمة على الأقل-، ولكن صدر القرار بعدم تخفيض الإنتاج؛ فما هي الأسباب وراء ذلك؟..
في أسواق النفط الخام لا يؤدّي انخفاض الأسعار إلى ازدياد الطلب "الاستهلاكي" بالضرورة، لا سيما إذا كانت الدول المستوردة والشركات النفطية لا تحوّل هذا الانخفاض إلى "السعر الاستهلاكي" بل "تمتصه" على شكل ضرائب إضافية لصالح الدول وأرباح إضافية لصالح الشركات، ولهذا فإن انخفاض الأسعار في الأسواق يعني أن كل برميل زائد سيتحول إلى احتياطي استهلاكي أو "إستراتيجي" في الغرب، يزيد من صعوبة تأثير المنظمة وقراراتها على تحديد الأسعار، ولا يبقى من مخرج في هذه الحالة سوى "تخفيض الإنتاج" لتعود الأسعار إلى حدّها الطبيعي.. وهذا ما لم تمارسه المنظمة فترة طويلة من الزمن حتى غرقت ميزانيات دولها الرئيسية تحت ضغوط العجز المالي وتعطل العديد من المشاريع التطويرية فيها بعد انخفاض العائدات انخفاضا شديدا، وآنذاك فقط أدركت أخيرا خطورة الاستمرار على هذا الطريق مراعاة "للأوضاع الاقتصادية الغربية" أكثر من الأوضاع والاحتياجات الذاتية، فتبدلت هذه السياسة الخاطئة قليلا، وعادت الأسعار إلى الاستقرار.. ولكن نسبيا فقط، وعلى مستوى منخفض للغاية على سلّم المقارنات الدولية للأسعار وتطورها.
النفط.. والركود الاقتصادي في الغرب
حتى الحجة الرسمية التي أطلقتها الدول النفطية لتبرير عدم خفض الإنتاج رغم انخفاض الأسعار والعائدات، حجة واهية، إذ ذكرت أنها لا تريد أن تُحمِّل الاقتصاد الغربي عبئا إضافيا بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن... ولكن:
- بغض النظر عن عدم مسؤولية الدول النفطية عن اقتصاد الدول الغربية أصلا، والتي لم تعدّل سياسات الأسعار والإنتاج فيها قطّ مراعاة للوضع الاقتصادي في أي بلد غير "البلدان الغربية"..
- ليس صحيحًا أن ارتفاع الأسعار النفطية كان من شأنه أن يمثل عبئًا على الاقتصاد الغربي، ولا تخلو الدراسات الغربية نفسها من بيان أن نسبة التأثير على معدلات النمو الاقتصادي لا تصل واقعيًا إلى واحد في المائة من بين المؤثرات الأخرى..
- كما أن الاقتصاد الغربي لم يتأثر بصورة "حادة" من تلك التفجيرات، كما سبقت الإشارة بشأن ما يتردد على هامش مؤتمر وزار المالية والمصارف المركزية.
ومن الناحية الاقتصادية أيضا، فإن "الركود الاقتصادي" الذي يُخشى أن ينتشر في الغرب يعود إلى أسباب أخرى لا علاقة لها بالنفط الخام من قريب أو بعيد، وقد يؤدي إلى انخفاض محدود ومؤقت للإنتاج الصناعي، ولكنه يعني انخفاض استهلاك الطاقة وبالتالي انخفاض الحاجة إلى النفط الخام المستورد، وعندما تقرر منظمة البلدان المصدرة للنفط رفع الإنتاج، أو بقاء حجم الضخّ النفطي للتصدير على ما هو عليه، تساهم بصورة مباشرة في انخفاض الأسعار نتيجة زيادة الطلب على العرض، ونظرًا إلى أن الإنتاج النفطي كان منذ فترة طويلة أعلى من الاحتياجات الفعلية في الأسواق الغربية، فقد سبب هذا الخلل انخفاض سعر البرميل إلى أقل من 22 دولارًا قبل لقاء المنظمة.
ويمكن مواصلة البحث في العوامل الاقتصادية المختلفة، ولكن لن نجد أي "تعليل منطقي" بأرضية اقتصادية ما لقرار الحفاظ على معدل الإنتاج على ما كان عليه.. فلا بد من البحث عن أسباب أخرى؛ أي عن الأسباب السياسية وراء القرار الذي يُفترض أن يكون "اقتصاديا" في الأصل.
النفط الخام .. شريك في الحرب
أول ما يُلاحظ عند البحث عن الأسباب السياسية أن القرار الأخير صدر لأول مرة دون ظهور اعتراضات شديدة عليه، لا سيما من المصادر التقليدية لتلك الاعتراضات، وعلى وجه التحديد إيران. فكأنما التقت "الأسباب السياسية" الكامنة وراء القرار على أرضية مشتركة على غير المعتاد منذ أكثر من عشرين عامًا، وقد يتبادر إلى الذهن أن المصالح الذاتية تتطلب أن يتحقق مثل هذا الالتقاء على أرضية الحدث الرئيسي والأهم في واقع المنطقة ومستقبلها، وهو ما يجري في الأرض الفلسطينية، ولكن لو حصل ذلك لتطلّب قرارا بتخفيض الإنتاج لا رفعه، وبصورة تدريجية وواضحة، ومع ربط ذلك بالهدف السياسي منه، كما يجري عالميا عند ربط "مقاطعات اقتصادية بأهداف سياسية وعسكرية".
فإذا تركنا الحدث الرئيسي المشترك نجد أيضا أنه لم يقع تغيير في العلاقات الثنائية والإقليمية ما بين البلدان الأعضاء في المنظمة، ولا يبقى في نهاية المطاف سوى "العامل السياسي"، وليس الاقتصادي المرتبط بتأثير التفجيرات المذكورة والتداعيات المترتبة عليها.. وإن ترتب على الموقف السياسي نتائج اقتصادية ومالية.
رغم إشارة المنظمة إلى علاقة هذه التفجيرات بالقرار، فإن تحديد "نوعية التأثير" لا تنفصل عن النظر في أكبر تلك التداعيات وأهمها، وهو الإعداد العسكري الأمريكي الضخم تحت عنوان "مكافحة الإرهاب الدولي"، فما علاقة النفط الخام وإنتاجه.. بالحرب والإعداد لها ؟..
1- النفط الخام مصدر رئيسي من مصادر الطاقة أثناء الحرب –وكذلك في فترة الإعداد لها-؛ فتحريك الآلة العسكرية الضخمة كما تصنع واشنطن حاليا يعني استهلاك كميات ضخمة من الوقود للطائرات والبواخر والشاحنات وغيرها، بالمقارنة مع "الوضع السلمي".
2- في مقدمة الإجراءات "العسكرية" في الحروب، سعى الطرف القادر لقطع مصادر الطاقة عن الطـرف الآخر، وهو ما رصدناه مثلا في حرب حلف شمال الأطلسي ضد صربيا تحت عنوان "دعم كوسوفا".
ومن المعروف أيضا أن الحرب -لا سيما من قبيل ما يحرك الأساطيل الحربية والبحرية الضخمة لدولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية- تسبب نفقات مالية ضخمة، لا يتم تأمينها عن طريق الميزانية العامة وبنود "الواردات" فيها في الحالات الاعتيادية، وقد تضغط على جوانب أخرى من الاقتصاد الوطني لتأمين تلك النفقات جزئيا، ولكن الجزء الأعظم يتم تأمينه عن طريق قروض.. أو مصادر إضافية لم تتوفر قبل بدء الإعداد للحرب، منها ما تقدمه بلدان أخرى ذات مصلحة ما في تلك الحرب.
وقد أعلنت البلدان العربية والإسلامية –وهي الغالبية في منظمة البلدان المصدرة للنفط أيضـا- أنها من حيث المنطلقات على الأقل متحالفة مع واشنطن في حربها ضد "الإرهاب الدولي"، هذا رغم أن بعض تلك البلدان مستهدف بصورة مباشرة وفق التصريحات الأمريكية، وأن بعضها الآخر يندرج في قائمة 60 دولة مذكورة في قائمة الشبهات، ويمكن أن تشمله الحملة العسكرية أو الاقتصادية والسياسية والمالية لاحقا، وبالمقابل فإن القسم الأكبر من تلك الدول العربية والإسلامية أكد الاستعداد للتعاون خارج "النطاق العسكري".
وهنا يمكن القول: إن قرار منظمة البلدان المصدِّرة للنفط، التي تضم دولا عربية وإسلامية في الدرجة الأولى، انطلق من الاعتبارات السياسية فقط، وأنه يحقق على أرض الواقع -سواء كان هذا مقصودا من الناحية الرسمية المعلنة أم لا-:
1- توفير كميات إضافية من الوقود للحملة العسكرية الأمريكية لتعويضها عن استهلاك الاحتياطي العسكري المتوفر للقوات الأمريكية عادة.. وهو ما يبقي القوات الأمريكية قادرة على ضمان التحرّك "عالميا" في المستقبل أيضا وإن استهلكت احتياطها في الحملة الضخمة الحالية.
2- تخفيض أسعار النفط الخام عالميا وبالتالي تخفيض تكاليف الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية بالذات، التي تستورد خمسين في المائة من احتياجاتها النفطية، وتعتمد اعتمادا كبيرا على صادرات الدول الأعضاء في المنظمة النفطية، والمستفيدة أكثر من أي جهة سواها من انخفاض أسعار النفط بسبب استمرار ارتفاع منسوب العرض تجاه الطلب.
ويبقى السؤال: إلى متى ستستمر سياسة المشاركة النفطية غير المباشرة في تمويل الحرب الأمريكية الأولى في القرن الميلادي الحادي والعشرين، على حساب العائدات من تصدير النفط، وبالتالي على حساب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلدان النفطية؟.. ليس مجهولا أنّ واشنطن تتحدث عن حرب "طويلة الأمد".. فتوجيه ضربة ما لأفغانستان، وحتى إسقاط حكومة طالبان في كابول، بل حتى القضاء على تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن، لا يعني كما تعلن المصادر الرسمية الأمريكية وصول هذه الحملة الجديدة إلى غايتها بل ستدخل المرحلة التالية منها، فإلى متى سيستمر ضخّ النفط الخام على هذا النحو، بما يساهم في تحريك آلية الحرب الأمريكية دون تحميل الاقتصاد الأمريكي عبء الحرب، وإن تحملت الأعباء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في الدول النفطية أضعافا مضاعفة؟.
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|