English

 

الخميس. أكتوبر. 18, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

أزمة "كيسنجر" الاقتصادية تتطلب حرباً

حسين النديم

Image

الكتاب: "هل تحتاج أمريكا سياسة خارجية؟ نحو دبلوماسية للقرن الحادي والعشرين".

الكاتب: هنري كيسنجر

إصدار: نيويورك: سايمون أند شوستر 2001  (318 صفحة باللغة الإنجليزية).

عرض: مارك بوردمان (كاتب بمجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو).

قارئ هذا العرض الذي ظهر في المجلة الأمريكية Executive Intelligence Review في شهر يوليو عليه أن يتذكر دائما أثناء قراءته أن هنري كيسنجر أصدر هذا الكتاب قبل التفجيرات التي وقعت في الولايات المتحدة، لعله بعد قراءته ينظر إلى "ما جرى" و"ما سيجري" بمنظور أوسع.

هذا العرض محاولة للدخول في باطن تفكير شخص مثل هنري كيسنجر من ذوي النفوذ المطلق في الإدارة الأمريكية الجمهورية الحالية. بالطبع ليس المقصود هنا هو أن هنري كيسنجر كان على علم مسبق بتنفيذ العملية، لكنه، ولا ريب، من الأشخاص المستعدين لاستغلال مثل هذه الأزمة لتحقيق أهداف مدروسة ومخطط لها…

على أي شخص لا يصدق أن دوائر عليا في المؤسسة المالية-السياسية الأنجلو أمريكية تشعر بقلق عظيم إزاء الانهيار المتواصل للنظام الاقتصادي العالمي، وأنهم يحسبون الحساب لوقوع حرب يحتمل بقوة أن تقع في "الشرق الأوسط" كوسيلة لهذه الدوائر للإبقاء على سيطرتها على مقاليد السلطة في العالم بأي ثمن كان - عليه أن يقرأ كتاب هنري كيسنجر الجديد حتى يجد الدليل على ذلك.

خلال مسيرته السياسية الممتدة لنصف قرن سخر كيسنجر كل قواه الإستراتيجية "الجغرافية السياسية" (جيوبوليتيكس)، وهذا المصطلح الغامض ابتدعه السير البريطاني "هالفارد ماكيندر" في مطلع القرن العشرين، وساهم مساهمة فعالة في إشعال الحرب العالمية الأولى.

طور هنري كيسنجر إستراتيجياته "الجيوبوليتيكية" معتمداً على السياسات المضادة للثورة الأمريكية التي خلقها اللورد "كاستيلريا" البريطاني والأمير النمساوي "ميترنيخ" في مؤتمر فيينا عام 1815؛ حيث يمتدح كيسنجر نفسه هذه السياسات في أطروحته للدكتوراه    A World Restored. عدا ذلك، فإن مصدر إلهامه الرئيسي كان دائماً من وزارة الخارجية البريطانية (باعتبارها تمثل تراثاً استعماريًا)، كما أعلن هو نفسه ذلك مراراً في خطبه ومحاضراته.

في كتابه هذا يجتر كيسنجر ولعه "بالتفكير الجيوبوليتيكي" الذي يدعي أنه قد تم إهماله أثناء إدارة الرئيس كلينتون، ويتم إحياؤه الآن في عهد الرئيس جورج بوش الابن. فهو يجاهر بأن "الجيوبوليتيك لم يختف بعد كجزء من السياسات العالمية"، ويطرح "إستراتيجيات جيوبوليتيكية" لآسيا وروسيا وأجزاء أخرى من العالم.

مع ذلك، فهنالك منظر مهم جديد في هذا الكتاب: فالمعلم الإستراتيجي المحترف كيسنجر يشعر بالذعر لأن النظام الاقتصادي العالمي يتأرجح بدون  سيطرة، وأن ذلك سيحول جميع مخططاته الكبرى إلى حطام. فهو لا يخفي فزعه من أن هذه الأزمة ستدفع دولا مثل البرازيل في أمريكا الجنوبية وجنوب أفريقيا وآسيا إلى قلب "شروط اللعبة"، وهي شروط تمكن هو ورفاقه في المؤسسات المالية- السياسية الأنجلو أمريكية من فرضها على العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

في مثل هذه الحالة النفسية والعقلية، لا يكون أمام كيسنجر إلا الحل الوحيد الذي طالما لجأ إليه في الأوقات العصيبة، وهو: إشعال حرب وتأسيس نظام دكتاتوري عالمي "لإدارة الأزمة". أما بؤرة اهتمام هذه النية الحربية فهي كالعادة الوضع المتفجر في "الشرق الأوسط".

قد لا تكون هذه المسألة ذات أهمية إن كان كيسنجر يتحدث بصفته الشخصية فحسب، فالحالة النفسية التي يكتب فيها كيسنجر مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتطورات الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية العالمية التي تبرز اليوم. كيسنجر يتحدث بالنيابة عن شبكة تمتد من داخل إدارة بوش الحالية وإلى طبقات عليا في بنوك نيويورك ومؤسساتها المالية. فمسيرته السياسية لم تكن يوماً ملكه هو. ومنذ البداية كان من اتباع البروفيسور "وليام ياندل إليوت" الأستاذ في جامعة هارفارد وعاشق إنجلترا الإمبريالية. لذلك فعندما يتحدث كيسنجر أو يكتب فإن ذلك يعني أن "لجنة" أنجلو أمريكية ذات تأثير من نوع ما تعبر عن نفسها، ناهيك عن إمكانية وجود  لجنة من تلاميذه وأتباعه هي التي ألّفت هذا الكتاب بالنيابة عنه.

هبوط الاقتصاد الأمريكي "قد ينشر الخراب"

من البدايات الأولى للكتاب يبين كيسنجر قلقه من الوضع الاقتصادي العالمي، ويتناقض هذا القلق مع محاولاته كيل المديح للعولمة وطبيعة القوة الأمريكية التي لا تقهر، فيحذر قائلا: "إن الأزمة الاقتصادية العالمية هي أكبر تهديد للديمقراطية المعاصرة". ثم يضيف: "إن وقوع أزمة مالية مهمة أخرى في آسيا أو في الديمقراطيات الصناعية، سيعجل بالتأكيد جهود دول آسيوية للحصول على سيطرة أكبر على مصائرها السياسية والاقتصادية عن طريق خلق بديل آسيوي للنظام الإقليمي الحالي".

إن بروز تكتل آسيوي معاد يضم مزيجًا من أكثر دول العالم كثافة بالسكان (الصين والهند) وأكثرها وفرة في الموارد الطبيعية (روسيا وآسيا الوسطى) وأكثرها تقدمًا من الناحية الصناعية (اليابان) لن يكون في المصلحة القومية لأمريكا". فهو يشعر بالقلق من احتمال ظهور دعم متزايد لسياسات الحماية الاقتصادية التي تتبعها ماليزيا والصين والهند، وكلها دول قاومت إعصار "الأزمة الآسيوية" بشكل أحسن من تلك الدول التي رضخت لوصفات صندوق النقد الدولي.

ويتذمر كيسنجر ويضطرب حين يفكر باحتمال أن يقلب "الهبوط الحاد" في الولايات المتحدة جميع أمنياته بخلق اتحاد التجارة الحرة للأمريكتين ( Free trade Association of the Americas)، واتحاد التجارة الحرة عبر الأطلنطي (Trans-Atlantic Free Trade Association ) الذي يتم التخطيط له والقضاء على مقاومة دول مثل البرازيل لهذه المخططات للتجارة الحرة.

تصل حالة الذعر إلى ذروتها في الفصل السادس من الكتاب بعنوان "سياسات العولمة". وكان كيسنجر قد وضّح في مقدمة الكتاب أن هذا الفصل قد تمت كتابته بالتشاور مع "فيليكس روهاتين" أحد أكبر المستشارين في مجموعة "لازارد فريريس" المصرفية، و"جون ليبسكي" أحد الخبراء البارزين في "وول ستريت". يحذر كيسنجر في هذا الفصل من أن "العملية التي أنتجت ثروات أعظم في أجزاء من العالم من أي وقت مضى، قد تؤدي هي ذاتها إلى توفير آلية لنشر أزمة اقتصادية واجتماعية حول العالم. وكما كان الاقتصاد الأمريكي يمثل الماكينة العالمية للنمو، ستكون لهزة كبرى في الاقتصاد الأمريكي نتائج وخيمة على الاقتصاد في كل مكان".

بعد ذلك، يقدم تقييماً يكشف تفكير الذين يتبوءون مواقع التأثير والسلطة عندما يجدون أنفسهم وجهاً لوجه مع الوضع الاقتصادي-المالي الذي بدأ يتجلى: "هنالك عقبات نفسية مهمة في طريق التأهب لمثل هذه الأزمة. فالمسؤولون عن الاقتصاد… سيجدون أنه من السهل عليهم نفسياً أن يتحملوا عواقب ركود اقتصادي بدلا من اتخاذ إجراءات مثيرة للجدل لتجنبه.  … أنا ليس لدي ما أساهم به في النقاش حول الإجراءات الاقتصادية الواجب اتخاذها لتجنب الركود".

مباشرة بعد ذلك، يذكر كيسنجر الأزمات الاقتصادية المتتالية في السنين الأخيرة في روسيا والبرازيل والأرجنتين وإكوادور و... إلخ، ويقول: "كم من هذه الأزمات الطاحنة بإمكان النظام العالمي تحملها دون خلق كوارث اجتماعية وسياسية؟ ماذا سيحصل إذا أضفنا ركوداً أمريكياً إلى المعادلة… عندما يكون النمو العالمي متكلاً كل هذا الاتكال على أداء الاقتصاد الأمريكي، سيؤدي أي هبوط طالت مدته أو قصرت إلى نشر الخراب في أرجاء النظام المالي والسياسي العالمي …  فالغيوم السوداء المتراكمة فوق سماء العولمة هي تهديد بتفكك عالمي لنظام السوق الحرة تحت الضغط، جالبا معه كل المخاطر التي قد تلحق بالمؤسسات الديمقراطية…  فالنظام المالي العالمي بحاجة إلى تقليص مدى تقلبه وأن يتعلم كيفية امتصاص تأثيرات الأزمات بشكل أكثر فاعلية".

مبادئ "ويستفاليا" لا يمكن تطبيقها

في هذا السياق يدلنا هوس كيسنجر بالجيوبوليتيك إلى أنه وأصدقاءه يبحثون عن حرب. وتزداد الشكوك في ذلك في موضع سابق في الكتاب حين يكتب أن "الصراعات في الشرق الأوسط تشابه إلى حد بعيد الصراعات الأوربية في القرن السابع عشر …  (لكن) مبادئ دبلوماسية السلام الويستفالية لا تنطبق على الوضع في الشرق الأوسط". إن ما يشير إليه هنا هو معاهدة سلام "ويستفاليا" التي أبرمت في عام 1648 واضعة بذلك حداً "لحرب الثلاثين سنة" الدينية التي استمرت من عام 1618 إلى 1648 في أوربا، بعد أن خلفت دماراً شاملاً في معظم أرجاء القارة. وقد أصرت معاهدة ويستفاليا على وضع أساس جديد للشرعية الدولية يتمحور حول الاعتراف بالسيادة المطلقة للدولة القومية وعقد اتفاقيات مسكونية (تخص التسامح الديني) بين تلك الدول ورفض مبدأ الثأر والقصاص في الحسابات السياسية.

ومع تأكيد كيسنجر أن "مبادئ دبلوماسية السلام الويستفالية" لا يمكن تطبيقها في الشرق الأوسط، وإصراره على "تشابه" حالة الشرق الأوسط مع أحوال حرب الثلاثين عاما الأوربية في القرن السابع عشر، فإن ما يقوله كيسنجر في واقع الأمر هو أن وقوع حروب جديدة هو أمر لا مفر منه، لا.. بل ومرغوب أيضًا.

بريطانيا بالأمس.. أمريكا اليوم

بالرغم من أن نظرة كيسنجر إلى مستقبل آسيا ليس بنفس قسوة وصراحة نظرته إلى الشرق الأوسط. لكن النظرة الكيسنجرية تقول بأن الحرب تلوح في أفق آسيا أيضاً. فهو يشبه الوضع في آسيا اليوم بالوضع في القرن التاسع عشر. فآنذاك كانت السياسة الناجحة الوحيدة هناك هي سياسة "موازنة القوى" التي مارستها الإمبراطورية البريطانية. لذلك على الولايات المتحدة اليوم ممارسة سياسات "موازنة القوى" لمنع ظهور "تجمع مناهض" لأمريكا في آسيا، أو في أوراسيا عمومًا.

يقول كيسنجر: "إن بالإمكان مقارنة علاقة أمريكا بآسيا اليوم بعلاقة بريطانيا بقارة أوربا خلال أربعة قرون". ثم يقتبس بسخاء من كتاب ونستون تشرتشل "العاصفة القادمة" الصادر عام 1948: "خلال 400 عام، كانت السياسة الخارجية لإنجلترا مبنية على التصدي للقوة القارية الأكثر قوة وشراسة وهيمنة". وتشمل هذه الحقبة كما يشدد تشرتشل على ذلك حملات اللورد مالبورو (أحد أسلاف تشرتشل) ضد القارة وحروبه التي خاضها ضد فرنسا، وتشمل أيضًا الحرب العالمية الأولى… انتهى الكتاب.

إذا قارنا ظهور التحالف الأورآسيوي بين الصين ودول آسيوية أخرى وروسيا وبعض الدول الإسلامية من جهة وعملية التعبئة الجارية للأساطيل الأمريكية والبريطانية لدق إسفين في وسط القارة الأورآسيوية من جهة أخرى، فإن الصورة ستتضح أكثر في ضوء ما يقوله كيسنجر. فالقضية التي تهم كيسنجر ومن يستمع إلى استشاراته هي منع ظهور بديل سياسي- اقتصادي حقيقي وقوي على هذه القارة الشاسعة يستبعد أمريكا وبريطانيا عندما ينهار نظام العولمة المالي والنقدي الذي تسيطران عليه.

 فليس أمام الولايات المتحدة سوى الحرب لاسترداد سيطرتها وهيبتها، وتحولها إلى إمبراطورية كونية "لا تحتاج إلى سياسة خارجية" أو دبلوماسية. وقد قدمت عملية ضرب مركز التجارة العالمي والبنتاجون يوم 11 سبتمبر الذريعة المناسبة للقيام بذلك. فكل من ينظر إلى حجم التعبئة العسكرية والسياسية التي تقوم بها أمريكا يدرك أن القضية أكبر من "أسامة بن لادن" و"طالبان"، إنها "حرب.. طويلة.. طويلة".

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم