English

 

السبت. أكتوبر. 27, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

أوبك عطلت آلية ضبط الأسعار

هل تمول الدول العربية الحملة العسكرية الأمريكية؟!

قدس برس - عبد الكريم حمودي

تراجعت أسعار النفط في الأسواق العالمية منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر وحتى الآن بشكل كبير، وخسر سعر برميل النفط أكثر من 25% من قيمته، وتسود السوق النفطية حالة من القلق والخوف من انهيارات أكبر للأسعار في المستقبل، وأدى تعطيل منظمة الأقطار المصدِّرة للنفط أوبك آلية ضبط الأسعار المعروفة التي تهدف إلى جعل سعر البرميل يتراوح ما بين 22 إلى 28 دولارًا – أي نحو 25 دولارًا كسعر وسطي-، رغم انخفاض الأسعار عن الحد الأدنى؛ لطرح العديد من علامات الاستفهام حول هذا الموقف.

وقد أثار ذلك التساؤلات حول السبب الذي يدفع دول النفط -خصوصا العربية– لعدم التحرك لرفع السعر الذي يعتبر انخفاضه مصلحة لأمريكا، وهل معنى ذلك أن الدول العربية تمول بذلك الحملة العسكرية الامريكية على أفغانستان؟! 

تعطيل آلية ضبط الأسعار

للمرة الأول منذ أكثر من عامين ونصف -وبالتحديد منذ اعتمادها لآلية ضبط الأسعار في مارس 2000- تتعامل منظمة أوبك مع تدهور أسعار النفط بهذه الطريقة؛ فعلى الرغم من أن تراجع سعر البرميل لخاماتها السبع إلى ما دون الحد الأدنى، وهو 22 دولارًا، ولأكثر من الفترة المحددة في الآلية، فإن المنظمة عطلت هذه الآلية، ولم تتخذ أي إجراء لوقف التدهور في الأسعار بسبب اختلاف المواقف وسط دعوات لانتظار أثر العمليات العسكرية في أفغانستان، على الرغم من تركيز العاملين في سوق النفط الدولي على تباطؤ الطلب العالمي على النفط أكثر من التركيز على المخاوف من اضطراب الإمدادات بسبب الهجمات.

ومعروف أن آلية أوبك تقضي بخفض الإنتاج بواقع 500 ألف برميل يوميًا، إذا ظل سعر السلة أدنى من 22 دولارًا لمدة عشرة أيام عمل متواصلة، وزيادة بالكمية نفسها، إذا ارتفع السعر عن 28 دولارًا للبرميل طوال 20 يوم عمل متصلة.

ويرى الخبراء أنه إذا كان موقف أوبك الحذر قبل الهجمات مُبرَّرًا نوعًا ما على اعتبار أن الهجمات قد تؤثر على الإمدادات، وهو ما أكده رئيس أوبك "خليل شكيب" بقوله: "إن المنظمة رغم هبوط الأسعار لا تريد خفض الإنتاج قبل أي تحرك عسكري قد يعمل على رفع الأسعار من جديد".

لكن هذا الارتفاع في الأسعار الذي تذرع به بعض أعضاء المنظمة لم يحدث بعد بدء الهجوم "الأمريكي-البريطاني" على أفغانستان في أول أكتوبر، وبعد مرور أكثر من أسبوعين حتى الآن فإن الأسعار ما زالت منخفضة؛ حيث بلغت الخميس 18 أكتوبر نحو 18.54 دولارًا للبرميل دون اتخاذ أي إجراء من قِبل أوبك سوى تبادل الزيارات، وإجراء المزيد من المشاورات، وإذا كانت الولايات المتحدة تقول: "إن حربها قد تستغرق عدة سنوات؛ فهل ستستمر أوبك في انتظار نتائج الحرب أم أن هناك أهدافًا أخرى غير معلنة تريد تحقيقها؟".

أوبك.. واللعب مع الكبار

في حين تصرح مصادر مطلعة في أوبك أن قرار أوبك بالإبقاء على مستويات الإنتاج السابقة كان نتيجة ضغوط سياسية، مارستها الولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى على منتجين كبار في أوبك وخارجها؛ لإبقاء الأسعار منخفضة بهدف تأمين إمدادات رخيصة لحملتها العسكرية، أي تخفيض تكاليف الحرب من خلال توفير الوقود اللازم لها، والتعويض عن الخسائر العسكرية التي ستتكبدها الولايات المتحدة في حربها ضد أفغانستان؛ ولذلك آثرت أوبك عدم خفض الإنتاج رغم تراجع الأسعار؛ خوفًا من غضب الولايات المتحدة التي قسمت العالم إلى فريقين؛ إما مع الولايات المتحدة، أو ضدها.

وكانت أسعار النفط قد شهدت أكبر هبوط لها في 24 سبتمبر الماضي بمقدار ثلاثة دولارات للبرميل الواحد، متجاوزة الحد الأدنى منذ ذلك التاريخ، وحتى تاريخ 18 أكتوبر؛ حيث إن سعر برميل سلة أوبك ولليوم التاسع عشر ما زال دون الحد الأدنى من السعر المحدد؛ حيث سجل 18.54 دولارًا للبرميل الواحد.

ومع تحديد الرابع عشر من نوفمبر القادم موعدًا للاجتماع القادم لدول المنظمة، فإن المنظمة تكون بذلك قد تخلت عن ضبط الأسعار لمدة 45 يومًا، ربما ستكون كافية لمعرفة أبعاد الحرب الأمريكية علاوة على تمويلها من خلال تقديم النفط للأسواق العالمية بأسعار دون الحد الأدنى، وربما تهبط لمستويات قياسية أخرى قد تصل إلى خمسة دولارات كما قدرتها بعض المصادر المتشائمة.

وهذا الموقف من أوبك سيكبد الدول المنتجة خسائر كبيرة قُدرت بـ25% خلال شهر واحد ، فإذا علمنا أن إنتاج دول أوبك منذ 11 سبتمبر الماضي –بما فيها العراق- بلغ 27.23 مليون برميل فإن العائدات تكون قد انخفضت أيضًا بنسبة 25 % أيضًا، وهي خسائر لا تقوى الدول المنتجة على تحملها.

وفي حين استغلت الدول المستهلكة الأحداث الأخيرة في إحداث تصدعات في إستراتيجية الأسعار التي تتبناها أوبك منذ عامين، وعمقت قلق المنظمة من خسارة حصتها في السوق مع تراجع الطلب بعد ثلاثة تخفيضات متتالية هذا العام، ويقدر هؤلاء المحللون أن أي تخفيضات جديدة سيكون لها أثر محدود على السوق بالنظر إلى أن الدول الأعضاء في المنظمة تتجاوز بالفعل سقف الإنتاج الرسمي البالغ 23.2 مليون برميل يوميًا بما يصل إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميًا.

وفي هذا السياق يخلص الخبير في القطاع النفطي لحساب "غلوبال إنرجي ستاديز" في فيينا إلى أنه "ليس أمام أوبك من خيارات سوى الأمل في أن ترتفع أسعار النفط لوحدها، ويدلل الخبراء على ذلك بمجموعة من الأسباب كانت تستدعي خفض الإنتاج، وتجاهلتها منظمة أوبك". 

تراجع الطلب على النفط

كانت جميع الدلائل تؤكد أن الطلب على النفط الخام سيتراجع في وقت يقف فيه السوق على حافة الكساد، وقد خفضت وكالة الطاقة الدولية تقديرها للطلب العالمي على النفط في الربع الرابع للعام الجاري، مؤكدة أن الطلب سيكون أقل مما كان متوقعًا قبل الهجمات الأخيرة على الولايات المتحدة، ولأن المعروض من المنتجين خارج أوبك يزداد بمعدلات أكبر مما كان يعتقد من قبل، وعدلت الوكالة بالنقصان تقديراتها للطلب على نفط أوبك بمقدار 1.4 مليون برميل يوميًا في الربع الرابع إلى 25.8 مليون برميل؛ أي ما يقل بمقدار 1.43 مليون برميل يوميًا عن مستوى الإنتاج المقدر لشهر سبتمبر.

كما أن معهد البترول الأمريكي قد أكد في تقرير له أن الطلب الأمريكي على المنتجات النفطية هبط في أغسطس بنسبة 2%، أي بما يصل إلى 409 آلاف برميل مقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي ليصل إلى 20.087 مليون برميل بسبب تباطؤ الاقتصاد، والزيادة الحادة في أسعار البنزين في ولايات الغرب الأوسط.

وأضاف معهد النفط في تقريره الشهري "أن الطلب الأمريكي على المنتجات النفطية في الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي زاد بنسبة 1% فقط، فبلغ متوسطًا قدره 19.760 مليون برميل، وقد يقل نمو الطلب على النفط للعام بأكمله عن 1% بسبب الهجمات التي شُنَّت على الولايات المتحدة."

وقد عدلت الوكالة تقديراتها للمعروض من خارج أوبك بالنسبة لعام 2002 من 200 ألف برميل يوميًا إلى 47.5 مليون برميل، كما خفضت تقديراتها لنمو الطلب العالمي في العام المقبل بمقدار 600 ألف برميل يوميًا متوقعة نموًا قدره 600 ألف برميل يوميًا؛ ليبلغ الطلب 76.6 مليون برميل يوميًا، ورغم كل هذه البيانات فقد أبقت أوبك على مستويات الإنتاج الحالية.

ارتفاع المخزونات الدولية

وإلى جانب تراجع الطلب على النفط فإن المخزونات الإستراتيجية في الدول الغربية كانت جيدة لدرجة كبيرة، وهو ما أكدته أيضًا وكالة الطاقة الدولية التي أعلنت أن مخزونات صناعة النفط في دول العالم الصناعي ارتفعت إلى 2.612 مليار برميل في أغسطس الماضي، بزيادة تصل إلى 83.6 مليون برميل على مستواها في العام الماضي، وهي زيادة تدعو إلى الارتياح.

كما أن مخزونات الولايات المتحدة لا تدعو إلى القلق، فقد جاء في أحدث بيانات معهد البترول الأمريكي التي صدرت في 16 أكتوبر أن مخزون الخام الأمريكي نزل نحو سبعة ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 12 أكتوبر إلى 298.9 مليون برميل، وهذه المرة الأولى التي ينخفض فيها المخزون عن 300 مليون برميل يوميًا منذ مارس الماضي، لكن هذا المخزون يعد كافيًا من الناحية الإستراتيجية لمواجهة أي نقص في الإمدادات. 

عدم الالتزام بالحصص

ويقول الخبراء: إن من أسباب انهيار الأسعار عدم الالتزام بحصص الإنتاج داخل أوبك وزيادة الإنتاج أيضًا من الدول المنتجة خارج أوبك؛ الأمر الذي سيضر بكل الدول المنتجة في النهاية ويخفض عائداتها المالية، ويقدر مراقبون مستقلون بأن أوبك تتجاوز سقف الإنتاج الرسمي البالغ 23.2 مليون برميل بنحو 1.4 مليون برميل يوميًا؛ وهو ما قد يكون سببًا من أسباب تراجع الأسعار.

وكانت أوبك قد قلصت إمداداتها بإجمالي 3.5 مليون برميل يوميًا منذ بداية هذا العام للدفاع عن السعر المستهدف الذي يدور حول 25 دولارًا للبرميل في المتوسط. وفي هذا السياق أكد التقرير الشهري لوكالة الطاقة الدولية أن الدول العشر في أوبك ما عدا العراق خفضت الإنتاج بمقدار 450 ألف برميل يوميًا في سبتمبر مقارنة مع خفض مقرر قدره مليون برميل يوميًا في حصصها الرسمية، وقالت الوكالة: إن إنتاج الدول العشر بلغ 24.47 مليون برميل يوميًا في سبتمبر بزيادة 1.26 مليون برميل يوميًا عن السقف الذي حددته أوبك عند 23.2 مليون برميل. 

مصائب قوم

يتوقع العديد من الخبراء في صناعة النفط أن الدول المستهلكة لن تكتفي بتخفيض أسعار النفط لفترة محدودة؛ بل تحاول استغلال تراجع الأسعار الحالي في تعديل آلية أوبك السابقة، وهو ما أكده الرئيس الفنزويلي "هوغو شافيز" بأنه بحث مع دول مستهلكة خفض فارق أسعار نفط أوبك من 22 إلى 28 دولارًا للبرميل إلى ما بين 18 – 22 دولارًا، أي جعل الحد الأدنى حدًا أعلى لسعر البرميل؛ أي أن مقدار الخفض بين متوسط السعرين يبلغ خمسة دولارات، وهو ما يعني خسارة يومية لأوبك تقدر بنحو 116 مليون دولار يوميًا، وللدول المنتجة بما يتجاوز 585 مليون دولار يوميًا، وبالتالي أرباح مضاعفة لهذا المبلغ تحصدها الدول المستهلكة بعد إضافة الضرائب عليها.

كلمة أخيرة: إن الدول المستهلكة للنفط -وفي مقدمتها الولايات المتحدة- استغلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعها من تطورات سياسية وعسكرية، ومارست ضغوطًا سياسية كبيرة على منظمة الأقطار المصدرة للنفط أوبك، من أجل توفير إمدادات نفطية رخيصة، ومن ثم خفض الحد الأدنى للسعر الذي وضعته أوبك، وبالتالي إجبارها على ضخ كميات إضافية إلى الأسواق العالمية بهدف تخفيض الأسعار، وهو ما يساعد الولايات المتحدة والدول الغربية على تجاوز المصاعب الاقتصادية التي تتعرض لها اقتصادياتها، وذلك على حساب الدول العربية المنتجة التي تعاني من أزمات اقتصادية عميقة بسبب حالة عدم الاستقرار التي تشهدها السوق النفطية.


  وكالة انباء
  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم