English

 

السبت. نوفمبر. 17, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

اقتصاد باكستان.. سفينة في مهب رياح الحرب

د. محمد شريف بشير

Image

منذ أن اتخذت حكومة باكستان قرارها بدعم الحملة العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان في أعقاب تداعيات تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر الماضي، فإن سفينة الاقتصاد الباكستاني قد وُضعت في مهب رياح الحرب التي يلفح لهيبها بمخاطر جمة وباهظة التكلفة، وبالتالي فإن كل التوقعات المستقبلية التي رسمها صُنَّاع السياسة الاقتصادية والمالية قبيل التفجيرات صارت كمن يبسط كفَّيْه للماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.

لقد أظهر الاقتصاد الباكستاني في الأشهر الأخيرة (قبيل الحادي عشر من سبتمبر) علامات انتعاش ومحاولة ناجحة للخروج من آثار الجفاف الذي أثر على القطاع الزراعي؛ فقد سجَّل محصول القمح إنتاجًا أكثر من المتوقع حسب تقديرات السنة المالية المنتهية في يوليو 2001م؛ ونتيجة لذلك تم استئناف تصدير القمح للخارج، وكذلك القطن يُتوقع أن تزيد إنتاجيته، وهناك نمو آخذ في التحسن في القطاع الصناعي. واستطاعت البلاد أن تجذب استثمارات أجنبية في الفترة "يوليو-سبتمبر" 2001 وصلت إلى 69 مليون دولار، كان نصيب أمريكا منها 45.6 مليونًا، وبريطانيا 4.2 ملايين، والإمارات 1.5 مليون، واليابان 1.5، وألمانيا 1.4، والسعودية 1.4، وشملت استثمارات في قطاعات النفط والغاز وتكنولوجيا المعلومات والنسيج والكيماويات. وكل هذه المؤشرات الإيجابية كانت تدفع مخططي الاقتصاد إلى التفاؤل بشأن التوقعات المستقبلية للانتعاش الاقتصادي خلال السنة المالية الجارية (يوليو 2001- يونيو 2002م).

مؤشرات الاقتصاد الباكستاني للسنة المالية يوليو 2000-يونيو2001 (نسب مئوية)

النتيجة المستهدفة لعام 2002

النتيجة الفعلية 2000-2001

المؤشر

4.0

2.5

نمو الناتج المحلي الإجمالي

5.0

4.4

معدلات تضخم الاستهلاك

7.6

9.0

نمو الصادرات

6.8

5.9

نمو الواردات

مؤشرات بالنسبة المئوية من الناتج المحلي الإجمالي

15.2

14.7

إجمالي الاستثمارات

15.2

12.7

الادخار القومي

4.9

5.3

عجز الميزانية العامة

 

49.2

الدين المحلي العام

 

64.0

الدين الخارجي

 

115.3

جملة الديون

المصدر: بنك باكستان المركزي (2001) التقرير السنوي للسنة المالية 2001.

المساعدات أو الكساد

موقع باكستان كدولة محورية في منطقة الحرب الأمريكية-الأفغانية بحكم الروابط الجيوسياسية مع أفغانستان، جعل كل التقديرات الاقتصادية مشكوكا فيها ومحفوفة بعدم التأكد؛ فهناك احتمالان لتداعيات الأحداث على الصعيد الاقتصادي:

الاحتمال الأول

أن تبقى الحكومة الباكستانية عند تعهداتها بتطبيق عملية الإصلاح الاقتصادي التي بدأت منذ عامين بمؤازرة صندوق النقد الدولي، والمؤسسات المالية الدولية الأخرى بجانب استدامة الدعم المتواصل من الإدارة الأمريكية، وتوظيف الإشارات الضمنية والصريحة التي يطلقها هذا الدعم لاستجلاب دعم الدول الأوربية واليابان والدول العربية خاصة السعودية والإمارات. وينطوي هذا الاحتمال على المنافع المكتسبة ممثلة في ارتفاع حجم المساعدات الخارجية، وخفض المديونية الخارجية أو إلغاء بعضها، وزيادة تسهيل وصول الصادرات الباكستانية إلى أسواق الدول الصناعية. وفي ظل هذا الاحتمال يتم احتواء الآثار السلبية للحرب، والحد من تفاقم المشكلات الاقتصادية الناجمة عنها على أقل تقدير في الأجلين: المتوسط والبعيد؛ حيث تعول الإدارة الأمريكية كثيرًا على استمرار تدفق المساعدات الخارجية إلى باكستان، ويُنتظر في هذا الصدد أن يلغي الرئيس الأمريكي في غضون الأيام القليلة القادمة آخر العقوبات الاقتصادية المفروضة على باكستان؛ بسبب انقلاب الجنرال مشرف على الديمقراطية عام 1999؛ وهو ما يمهد الطريق لاستئناف مساعدات مالية وعسكرية تقدَّر جملتها بمبلغ يتراوح بين 300-500 مليون دولار أمريكي.

المساعدات الأجنبية لباكستان منذ 11 سبتمبر 2001

التاريخ

هدف المساعدة

حجم المساعدة

نوع المساعدة

الجهة

سبتمبر

مساعدة مالية عاجلة

100 مليون دولار

قرض

أمريكا

 

تمديد فترة السداد

396 مليون دولار

إعادة جدولة

 

خلال  نوفمبر

-تخفيضات تجارية وجمركية للسلع المستوردة من باكستان وإعادة جدولة ديون خارجية مع اعتمادات قروض

500 مليون دولار

قرض مالي وتجاري

 

أكتوبر

مساعدات إغاثة عاجلة وطبية، وغذاء للاجئين الأفغان (معظمهم في باكستان)

500 مليون دولار

مساعدة مالية

 

أكتوبر

لمقابلة الإنفاق على اللاجئين الأفغان

26 مليون إسترليني

(على شكل قرضين: الأول 11 مليون، والثاني 15 مليون)

منحة مالية

بريطانيا

تحت الدراسة

إلغاء الفائدة على ديون مقترضة من منظمة دول الكومنوليث

20 مليون إسترليني

 

إلغاء فائدة دين

 

أكتوبر

مساعدات مالية، وأسهم مداينة، إضافة إلى توفير ضمانات قروض، وتغطية تكلفة مساعدات إنسانية

320 مليون مارك ألماني

قروض ومنحة مالية

ألمانيا

الأشهر القادمة

تسهيل مالي ضمن برنامج لمدة ثلاث سنوات، والمساعدة في إعادة جدولة 12.2 مليار دولار لصالح دول نادي باريس

2 مليار دولار

تسهيل مالي

صندوق النقد الدولي

أكتوبر

قروض للقطاع الخاص ولجنة الأسهم والصرف الحكومية

300 مليون دولار

قرض

بنك التنمية الآسيوي

 المصدر: إسلام أون لاين.نت

الاحتمال الثاني

فقدان السيطرة على المشكلات وتعاظم الخسائر الاقتصادية التي قدرها وزير المالية الباكستاني "شوكت عزيز" بمبلغ يتراوح بين 1-2.5 مليار دولار، وما يعزز هذا الاحتمال جملة من النتائج يمكن رصدها على النحو التالي:

1-ارتفاع معدلات رسوم الشحن والتأمين على السفن والبضائع من مخاطر الحرب؛ حيث يدفع لكل حاوية شحن ما يصل إلى 150 دولارًا كضريبة تأمين إضافية، ويقدَّر عدد الحاويات الباكستانية سنويا بما يتراوح بين 650-700 ألف حاوية بحمولة 15-20 مليون طن كل سنة؛ وهو ما يعني أن الطن الواحد يكلف 2.5-3 دولارات. وبالتالي يؤدي ذلك إلى زيادة تكلفة الواردات إلى باكستان، وفي المقابل تصبح أسعار الصادرات الباكستانية عالية. وبالجملة يكلف أثر الضريبة الإضافية الخزينة الباكستانية أكثر من 15 مليار روبية في السنة، هذا فضلا عن الخسائر الناجمة عن انخفاض الأسعار العالمية نتيجة الركود العالمي وبطء نمو الاقتصاد الأمريكي؛ حيث انخفضت أسعار القطن العالمية بمقدار 25-30% مقارنة بالعام الماضي؛ وهو ما يؤثر على حصيلة صادرات القطن الباكستاني الذي يصل الطلب الأمريكي والأوربي عليه إلى 55% من جملة صادرات باكستان.

2- الوحدات الصناعية ستكون في حاجة إلى تحصيل أعلى ضمان لإنتاجها؛ وهو ما سيكلفها أن تدفع فاتورة تخزين احتياجاتها، وتأمين أوضاعها في ظل اضطراب الأسواق المالية والنظام المصرفي.

3-إلغاء رحلات الشحن الجوي بالنسبة للخطوط الأجنبية، كما أن المصدرين الباكستانيين وقطاع الشحن الباكستاني نفسه يعاني من تعرقل عملياته بسبب اضطراب انسياب حركة التجارة الخارجية والتعويق في المواني الأوربية والأمريكية جراء إجراءات التفتيش والتدقيق، خاصة عقب إصابات مرض الجمرة الخبيثة. ويكلف ذلك الخزانة الباكستانية خسائر تصل إلى أكثر من 10 مليارات روبية (الدولار الأمريكي يعادل 62 روبية باكستانية).

4- خروج الاستثمارات الخارجية وهروب أصحاب الأموال إلى مناطق استثمارات آمنة.

5- زيادة نفقات الأمن والدفاع بسبب الوضع المزدوج للحكومة في مساندة الحملة الأمريكية ومتطلباتها من حفظ الأمن وكبح جماح الشعب الباكستاني، وكذلك السيطرة على الأوضاع العسكرية على الجبهة الباكستانية الهندية.

6- زيادة أعباء استضافة اللاجئين الأفغان والهاربين من القصف الأمريكي الوحشي؛

ولذلك حرصت حكومة "مشرف" على ضربة أمريكية سريعة وقصيرة؛ حيث إن استمرارية الضربات العسكرية سيفاقم من خسائر اقتصاد باكستان.

7- تراجع عائدات السياحة وحركة السفر، ويقدَّر حجم إلغاء 70% من حجوزات سفر وسياحة للقادمين بطيران عارض إلى باكستان، بينما بلغ حجم إلغاء حجوزات 30% للقادمين على خطوط منتظمة؛ وبالتالي انخفضت نسبة أشغال الفنادق والأماكن السياحية ومحلات التسوق.

8- اضطراب أسواق البورصة والجهاز المصرفي المحلي، وعلى وجه الخصوص قطاع المصارف والشركات الإسلامية الذي يُتهم بتسهيل العمليات التجارية والاستثمارية للجماعات المتهمة بالإرهاب.

الاقتصاد الباكستاني مهدد بالدخول في ركود اقتصادي على أقل تقدير في الأجل القصير والمتوسط، وفي هذا السياق يُقدر أن معدل النمو السنوي سينخفض ويصل إلى 2.5% عوضا عن تقديرات مستهدفة تصل إلى 4%.

ويعزز هذا السيناريو التقرير الذي نشره بنك باكستان المركزي الأسبوع الماضي؛ حيث أشار إلى أن باكستان تواجه مستقبلا يتسم بعدم التأكد، ومحفوفا بالخطر جراء الحرب الأمريكية على أفغانستان، خاصة في ظل شكوك متزايدة حول نهايتها، أو الوصول إلى نتائج حاسمة وسريعة بشأنها.


  أستاذ الاقتصاد بجامعة العلوم الإسلامية – ماليزيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم