English

 

الأحد. نوفمبر. 21, 1999

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 

بأمر "الصندوق"

المخدرات نشاط اقتصادي .. رسمي!

خالد حنفي

Image

من المسلَّم به لدى الاقتصاديين أن الأنشطة المُحرَّمة وغير الشرعية مثل: المخدرات والدعارة وما شابهها لا تدخل ضمن حسابات الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة. وذلك لأن هناك موقفاً قانونياً وأخلاقياً لدى دول العالم يُحرّم تلك الأنشطة؛ لما لها من مضار عديدة على الإنسانية.

بيد أنه حدثت منذ شهرين تقريباً مفاجأة شكَّكت في المسلَّمة المشار إليها، حيث زارت حينها بعثة من صندوق النقد الدولي "كولومبيا" وأقرَّت أنه يمكن إدخال الكوكا والقنب الهندي كمحاصيل تضاف إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ولا شك أن مثل هذا الإقرار يطرح أسئلة عديدة حول إمكانية اعتبار عملية إنتاج المخدرات شرعية؛ رغم أن بعض الحكومات تحرمها، وكذلك احتمالية فتح الباب أمام منتجات أخرى غير شرعية وغير قانونية لأن تُعاملها الدولة كنشاط يدر عليها الربح: كالدعارة على سبيل المثال، التي تُدر ما يقرب من خمسة مليارات من الدولارات في منطقة شرق آسيا.

كذلك فما جدوى عمليات المكافحة الدولية للمخدرات طالما أقرت المؤسسات الدولية بشرعيتها، رغم الأخطار المترتبة عليها، والتي أحياناً ما تشارك تلك المؤسسات الدولية المانحة بمساعدات للحد من هذه الأخطار؟!!

وسنحاول فيما يلي استجلاء الرؤية حول تلك الأسئلة للوصول إلى رأي محدد في جدوى أو عدم جدوى وضع الأنشطة غير المشروعة في الناتج المحلي الإجمالي، وقبل هذا نعرض للقصة التي أثارت ذلك الأمر.

كولومبيا . . المخدرات جزء من الناتج المحلي الإجمالي!! 

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156097737
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
 
إن ما أثار اعتبار المخدرات منتجاً ضمن الناتج المحلي هو أن جهاز الإحصاء الوطني التابع للحكومة الكولومبية أصدر في أوائل شهر يونيو الماضي بياناً شرح فيه القواعد التي تتم على أساسها عملية حساب الناتج القومي الكولومبي، معتبراً أن المخدرات منتج زراعي يدخل ضمن مساهمات قطاع الزراعة في الناتج المحلي! وأضاف البيان أن الحكومة الكولومبية طلبت من عدد من الشركات الاقتصادية المتخصصة بيانات عن حجم زراعات المخدرات داخل كولومبيا، وإمكانيات نموها المستقبلي، وكذلك عدد العاملين في كل نوع منها. 

وقد اعتقد الخبراء الاقتصاديون أن في بيان الحكومة الكولومبية خروجًا عن الأسس الشرعية في حساب الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن أحد المتحدثين باسم الحكومة فجَّر مفاجأة غريبة، وأشار إلى أن حساب المخدرات ضمن الناتج المحلي الإجمالي جاء مبنياً على أساس المواد 630 و631 و632 من دليل نظام طرق حساب إجمالي الناتج المحلي، الذي أصدره صندوق النقد الدولي عام 1993 بالتعاون مع البنك الدولي والأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية؛ وهذا النظام يُدخل كل الأنشطة الاقتصادية غير الشرعية في الحسابات الوطنية.

وأضاف أن بعثة صندوق النقد التى زارت كولومبيا في عامي 1997، 1998 أقرَّت ما ذهبت إليه الحكومة؛ خاصة وأنها تدرك أن الموارد التي تأتي من أنشطة المخدرات تعتبر مصدراً مهماً لتمويل أنشطة أخرى قانونية في الاقتصاد الكولومبي، كما أن صندوق النقد الدولي لم ينكر ما قالته الحكومة الكولومبية؛ حيث أشار أحد المسئولين فيه إلى أن فكرة احتساب إدخال الأنشطة غير الشرعية ضمن الناتج القومي أمر يجب تعميمه على العالم مثلما تفعل هولندا مع الدعارة.  

مبررات اقتصادية 

يفسر بعض الاقتصاديين ما ذهبت إليه الحكومة الكولومبية بأنه أمر يتسق والمنطق الاقتصادي، فالواقع يؤكد أن أنشطة الاقتصاد الخفي غير المشروعة (غير المسجلة) ليست نشاطات منعزلة عن المجتمع، بل إنها تتمثل في شبكة واسعة ومتنامية من علاقات الإنتاج والتبادل والتوزيع، تتعايش بل وتتشابك مع أنشطة الاقتصاد الرسمي في إطار المجتمع، وتشكل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول، حيث يلاحظ أن أعدادًا متزايدة من السكان يشاركون في أنشطة كلا الاقتصادين الرسمي والخفي (غير الشرعي).

ومن ناحية أخرى فإن صندوق النقد الدولي حينما عرَّف الناتج المحلي الإجمالي أشار إلى أنه يعني القيمة الإجمالية للبضائع والخدمات التي تنتج في دولة ما خلال فترة معينة (عام مثلاً)، وتضم إجمالي المصروفات من جانب المستهلكين والحكومة إلى جانب الاستثمارات الخاصة، وهذا المعنى للناتج المحلي الإجمالي (GDP) لا يحدد ما إذا كانت السلع والخدمات مشروعة أو غير مشروعة، وهذا الأمر دفع دولاً عديدة -خاصة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية- أن تضع ضمن ناتجها القومي أنشطة اقتصادية غير مشروعة؛ خاصة وأن تلك الأنشطة تستوعب قوة عمل، وتنتج دخلاً كبيرًا.

وبالتالي فإن حساب الأنشطة غير المشروعة ضمن الناتج المحلي الإجمالي من قِبَل الدول، واعتراف صندوق النقد بذلك، هو محاولة من الصندوق لوضع مؤشرات اقتصادية لحجم الاقتصاد الحقيقي لتلك الدول. فدولة مثل كولومبيا تعد فقيرة اقتصادياً، وتعاني العديد من المشاكل الاقتصادية، فإذا ما تم التعويل على الأنشطة المشروعة فقط، فإن حجم الاقتصاد الكلي لهذه الدولة سيكون ضعيفًا بما لا يضاهي الواقع الذي يؤكد أن المخدرات تجذب أكثر من 25% من قوة العمل في كولومبيا، و30% من الدخل القومي.

إلا أن المنطق الاقتصادي وراء حساب الأنشطة غير المشروعة ضمن الناتج المحلي الإجمالي للدولة، يظل غير مقبول على المستوى الأخلاقي، إضافة إلى الآثار السلبية التي يخلفها حساب هذه الأنشطة ضمن الناتج المحلي، فعلى سبيل المثال: فإن نشاط المخدرات الذي اعتبر مشروعاً في رؤية صندوق النقد له آثار سلبية بعيدة المدى. فكولومبيا يلعب فيها تجار المخدرات دوراً غير عادي في تشكيل الهياكل السياسية للدولة؛ فقد مُوِّلت الحملات الانتخابية لرئيس كولومبيا السابق (سامبوا) من قِبَلِ تجار المخدرات بمبلغ 6.1 مليار دولار، مما يعني عدم قدرة الدولة على مواجهة هذه التجارة غير المشروعة التي تسببت في إدمان الآلاف من الشباب، ودفعهم إلى الجريمة؛ سواء الاغتصاب أو السرقة. وآخر تقارير صحيفة الصنداي تايمز (31/10/1999) تؤكد أن هناك وفيات سنوية من المخدرات تتراوح ما بين 3 آلاف إلى 10 آلاف شخص. كما ترصد عديد من الدول المليارات لمكافحة المخدرات، فعلى سبيل المثال تنفق أمريكا سنوياً ما لا يقل عن 18 مليار دولار لجهاز مكافحة المخدرات، ويصل ما ينفق من الناتج المحلي على التداعيات السلبية للمخدرات ما يوازي 50 مليار دولار.

ويبقى في النهاية أن إعطاء شرعية للمخدرات أو غيرها من القطاعات غير المشروعة من خلال احتسابها كمنتج ضمن الناتج المحلي الإجمالي أمر يجب مواجهته وردعه؛ لأنه يؤسس قواعد جديدة داخل المجتمع الدولي أدناها "تأصيل شرعية المحرمات " وأقصاها إفساد الأرض والإنسانية جمعاء.


  باحث وصحفي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم