English

 

الخميس. نوفمبر. 7, 2002

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الموريسكيون.. عمال الأندلس

خالد شوكات

مهاجرون مغاربة مقبوض عليهم في أسبانيا
مهاجرون مغاربة مقبوض عليهم في أسبانيا

يشكل الوجود الإسلامي في أسبانيا على الصعيد الاقتصادي ظاهرة لافتة للنظر برأي المتخصصين في ظاهرة الهجرة، ذلك أنه يختلف في ماهيته وآفاقه عن أي وجود مماثل في أي بلد أوربي آخر. فالاستقرار المعاصر لـ "الموروس" أو "الموريسكيين" (المسلمون المغاربة في اللغة الأسبانية) في أسبانيا الجديدة، هو بنظر هؤلاء "عودة" أكثر منه "هجرة".

 فالموريسكيون الذين يركبون اليوم "قوارب الموت" أملا في حياة جديدة، كانوا قد غادروا قبل أربعة قرون ونيف البلاد ذاتها في قوارب موت أيضا، هربا من محاكم التفتيش الظالمة.

ولئن كانت دوافع ركوب الموت مختلفة بين الأمس واليوم، إلى الجنوب خوفا من التعصب، أو إلى الشمال هربا من الفقر، فإن مصير الموريسكيين يبدو واحدا في قساوته وضبابيته.

لقد جُرد الموريسكيون بعد سقوط غرناطة آخر الإمارات الإسلامية في الأندلس سنة 1492 ميلادية من ثرواتهم وأملاكهم ليصبحوا بعدها الأفقر في البلاد، فيما كانوا الأثرياء والحكام قبلها.

أما الموريسكيون المعاصرون فقد جردتهم دولهم قبل بلوغهم الأندلس، من كل قدرة على امتلاك الحق والثروة، وأجبرتهم على التماس مجرد الكفاف في البلاد القديمة التي لم تتهيأ بعد لاستقبال غرباء فقراء قادمين من الضفة الجنوبية.

هجرة الضعف

من حيث العدد، لم يبلغ المهاجرون المسلمون إلى أسبانيا حدًّا يهددون معه طبيعة المجتمع الإسباني. فحسب الإحصائيات الرسمية يشكل الأجانب بصفة عامة أقل من 2% من مجموع سكان البلاد، أي ما يقل عن المليون نسمة، ثلاثة أرباعهم تقريبا من أبناء الأقلية المسلمة، نصفهم ينحدر من أصل مغاربي، والبقية يتوزعون على عشرات الجنسيات.

وعلى نحو ما ورد في تصريح لصحيفة "نيويورك تايمز" أدلى به عبد الحميد البيوقي رئيس جمعية العمال المغاربة في أسبانيا، "فإن 95% من مسلمي أسبانيا هم من فئة العمال المهاجرين الفقراء، 30% من بينهم تقريبا يقيمون بشكل غير شرعي، فيما تتوزع الـ 5% الباقية على مجموعة من الطلبة الذين يقيمون بشكل مؤقت، ومجموعة محدودة من رجال الأعمال والأطباء وأصحاب المهن الخاصة الأخرى، أصول غالبيتهم ترجع إلى بلاد الشام وفلسطين".

وقد هاجر غالبية العمال المسلمين إلى أسبانيا، خلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدا بعد انضمام شبه الجزيرة الأيبيرية (أسبانيا والبرتغال) إلى الاتحاد الأوربي سنة 1986، وبداية نهوض الاقتصاد الأسباني على كافة الأصعدة بفضل المساعدات الأوربية السخية التي استهدفت مساعدة مدريد على تحقيق نسب نمو عالية بما يقرب مستوى الإنتاج الاقتصادي فيها إلى المستوى الأوربي العام.

من هذا المنطلق ارتبطت هجرة الموريسكيين الجدد إلى أسبانيا، منذ البداية وبشكل بنيوي، بحاجة الاقتصاد الأسباني المتأخرة قياسا بالحالات الاقتصادية في أوربا الغربية، لليد العاملة الأجنبية، غير الكفوءة والرخيصة في غالب الأمر، حيث بدت قطاعات البناء والإنشاء والتعمير والزراعة أكثر احتياجا من غيرها لموارد بشرية غير متوفرة محليا، وبالتالي أكثر استيعابا لآلاف المهاجرين من الجنوب القريب الذي توقفت عجلة نموه الاقتصادي، في التاريخ نفسه تقريبا الذي تحركت فيه العجلة الاقتصادية الأسبانية.

وكما هو معروف عن تاريخ النهضة الاقتصادية الأسبانية الحديثة فقد ارتكزت عملية التنمية على القطاع السياحي بالدرجة الأولى، حيث لم يكن عدد السياح الذين يزورون أسبانيا في بداية السبعينيات 5 ملايين سنويا، بينما بلغ العدد حاليا ما يفوق 50 مليون سائح كل سنة.

وقد اقتضى تحقيق هذه الطفرة السياحية من المسؤولين عن الاقتصاد الأسباني، توفير بنية أساسية سياحية ضخمة، اقتضت بناء آلاف الفنادق والمرافق والطرقات السيارة والمطارات، وكذلك إنشاء قطاع زراعي حديث يسد احتياجات ما يقارب المائة مليون نسمة بين سكان مقيمين وسياح، وهو ما يفسر النهضة الخارقة لقطاعي البناء والزراعة الأسبانيين، حيث يشتغل 90% من المهاجرين المسلمين، الشرعيين من بينهم وغير الشرعيين.

يد الجائع

بالرغم من الانقلاب الكبير الذي شهده مستوى الدخل لدى الأسبان خلال العقدين الأخيرين، حيث أصبحت اليوم أسبانيا عضوا في نادي دول الرفاهية، فإن عقلية وأخلاق الشارع الأسباني ظلت في الكثير من ملامحها مرتبطة بفترة العسرة "الفرانكوية" (نسبة للجنرال فرانكو ديكتاتور أسبانيا من بداية الثلاثينيات حتى 1975)، خصوصا فيما يتعلق بالنظرة للعرب والمسلمين، فقد ورث أسبان الديمقراطية جل مساوئ عقلية احتقار وازدراء وكراهية "الموروس" التي هيمنت على عقول أسبان الديكتاتورية من قبلهم.

لقد شكلت الأحداث العنصرية التي شهدتها بلدة "إيل إيخيدو" الأندلسية في بداية سنة 2000، مثالا صارخا على عدم تأثير النقلة الاقتصادية البينة التي عرفتها أسبانيا، وعملية التحول الكبير نحو الديمقراطية، على رؤية عامة الأسبان للمسلمين خاصة، ولمهاجري الجنوب عموما.

فقد عاش ما يناهز 45 ألفا من العمال الموريسكيين الفقراء، من بينهم 10 آلاف مقيم بشكل غير قانوني، خلال أحداث "إيل إيخيدو"، في مطلع الألفية الثالثة، أياما عصيبة لا يمكن أن تحسب على هذا الزمن، كما وصف المتابعون، فقد كانت الأجواء خلالها أشبه ما يكون بتلك التي سادت أسبانيا زمن محاكم التفتيش، حيث حوصر المهاجرون المسلمون في شعاب البلدة الأسبانية، بعد أن نهبت ممتلكاتهم القليلة وضرب وقتل الكثير منهم، وبقيت قوات الأمن ووسائل الإعلام الأسبانية دون حراك، وكأنها تفسح المجال للعنصريين لتحقيق أهدافهم.

عبودية مقنعة

لقد كشفت أحداث "إيل إيخيدو" للرأي العام الأوربي والدولي، إلى جانب تسليطها الضوء عن عنصرية جزء كبير من المجتمع الأسباني، الأوضاع المعيشية المزرية التي يحيى فيها آلاف العمال المغاربة المسلمين، خاصة أولئك الذين يقيمون في ولاية الأندلس الجنوبية التي تعتبر الأفقر قياسا بباقي الولايات الأسبانية.

فبالاعتماد على التقرير الاقتصادي والاجتماعي الرسمي الصادر عن الحكومة المحلية للأندلس، يعيش 60% من مجموع 45 ألف عامل مغربي يقيمون في "إيل إيخيدو"، في ظروف معيشية غاية في السوء، حيث يفتقدون للماء الصالح للشرب وللسكن اللائق، كما يفتقدون كذلك للتأمين الصحي والرعاية الطبية.

كما يشير التقرير الرسمي نفسه، إلى أن أكثر من 100 ألف عامل موريسكي يعملون في منطقة "كوستا ديل سول" الساحلية، ضمن شروط عمل قاسية، حيث يشتغل غالبيتهم في المزارع وورش البناء دون عقود عمل قانونية، وبدخل يومي لا يتجاوز 25 دولارا في اليوم، يبدو قياسا بالدخل اليومي للعامل العادي في المغرب دخلا جيدا، لكنه بالقياس إلى المستوى الأوربي دون مستوى الحد الأدنى المحدد قانونيا.

وتبرز هذه الحقائق الحالة القانونية المتخلفة لأسبانيا قياسا بدول الاتحاد الأوربي الأخرى، "فالعمال الفقراء الذين يشكلون الغالبية داخل الأقلية المسلمة في أسبانيا، كما يشير إلى ذلك عبد الحميد البيوقي رئيس جمعية العمال المغاربة، يفتقدون إلى المساواة مع نظرائهم الأسبان، خلافا لما عليه الوضع في بقية الدول الأوربية، كما أنهم لا يتوفرون في غالبيتهم على مسكن جيد، ومحرومون من حق الملكية والتجمع العائلي وحقوق اجتماعية واقتصادية كثيرة".

وتشير الكثير من المصادر المهتمة بحقوق المهاجرين في أوربا إلى أن العمال الموريسكيين، خصوصا أولئك الذين تحملهم قوارب الموت ويقررون الإقامة في أسبانيا بشكل غير قانوني، يعيشون في أكواخ صفيحية مزدحمة، عادة ما تكون مملوكة لأصحاب المزارع التي تقوم بتشغيل اليد العاملة الأجنبية الرخيصة.

وكانت حادثة قد جرى الكشف عنها سنة 2001 في أرياف مدينة إشبيلية قد أزاحت الحجاب عن حالة "العبودية المقنعة" التي يحيا فيها عدد كبير من العمال الموريسكيين، حيث أظهرت تحريات لأجهزة الشرطة الأسبانية أن مالكة إحدى المزارع قد استعبدت ما يقارب أربعين عاملا موريسكيا، من خلال تشغيلهم بنظام السخرة في مزرعتها، وإسكانهم في أكواخ كانت تستعمل كزرائب للحيوانات، وتهديدهم بشكل مستمر بكشف أمرهم للشرطة بحكم إقامتهم غير القانونية.

آفاق غائمة

ما يزال الحكم مبكرا على ظاهرة الوجود الإسلامي في أسبانيا بحسب المهتمين بالأقليات المسلمة في الغرب، فبالإضافة إلى ما أشير إليه من صفات الفقر والضعف والعسف القانوني التي تميز حياة غالبية الموريسكيين الجدد، فإن حداثة هذا الوجود واتسامه بالمرحلية وارتباطه بالحالة التي يمر بها الاقتصاد الأسباني تجعله مفتوحا على كافة الخيارات، وفي الاتجاهين المعاكسين، إلى الأمام وإلى الوراء.

وفيما يعتقد البعض أن الفقر المدقع الذي يعيش فيه غالبية أبناء الأقلية المسلمة من عمال موريسكيين، يعتبر أول وأكبر المعوقات التي تقف حائلا أمام تطور الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية، باعتبار المال قوام الأعمال، فإن آخرين يعتقدون، خلافا لذلك، أن إقامة الموريسكيين الجدد لن تكون على الشاكلة التي مر بها الموريسكيون القدامى الذين أجبروا على ترك بلادهم خوفا من فرق التفتيش، فقد جاء الموريسكيون المعاصرون ليبقوا ولن تضطرهم الظروف المعيشية مهما كانت قاسية، على تركها مرة أخرى.

ويلاحظ المتابعون لظواهر اللجوء والهجرة، أن تأثير الموريسكيين الجدد على نمط الحياة في ولاية الأندلس أصبح بالرغم من فقرهم غير قابل للإلغاء؛ ففي المدن الأندلسية الإسلامية سابقا، كإشبيلية وقرطبة ومالقة وغرناطة عادت الكثير من مظاهر الحياة الإسلامية إلى الظهور بعد خمسة قرون، وعاد بمقدور الموريسكيين على الأقل الإعلان عن عقيدتهم والتوجه إلى مساجدهم دون خوف من ملاحقة رهبان الكنيسة.


  كاتب وباحث تونسي مقيم في هولندا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم