English

 

الاثنين. يوليو. 21, 2003

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

المهاجرون المغاربة.. ثروة تتلاشى

خالد شوكات

حكومات المهاجرين لا تخطط لضمان استمرار تحويلاتهم
حكومات المهاجرين لا تخطط لضمان استمرار تحويلاتهم

هولندا- تقدر إحصائيات شبه رسمية عدد المهاجرين المنحدرين من دول المغرب العربي بما يقارب 7 ملايين نسمة، يعيش غالبيتهم في دول أوربا الغربية، ويعيش الجزء الباقي منهم في المهاجر الجديدة، كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ودول الخليج العربي، وهم يشكلون بذلك ما يناهز 10% من سكان المنطقة المغاربية.

وتعد تحويلات المهاجرين المغاربة إلى دولهم الأصلية في الوقت الراهن، المصدر الأول أو الثاني للعملات الأجنبية -الصعبة، حسب العبارة الرائجة في الكتابات المغربية- إلى جانب مصادر الدخل الأخرى المعروفة كالنفط والفوسفات والصادرات الزراعية ونصف الصناعية والنسيج، وهو ما يعني أن هذه التحويلات قد أصبحت رافدا اقتصاديا لا يمكن للحكومات المغاربية أن تستغني عنه كمورد لميزانياتها بأي حال.

ففي المملكة المغربية يؤكد الخبراء الاقتصاديون أن تحويلات المهاجرين قد بلغت خلال السنة المالية المنصرمة 2002/2003، ما يفوق 3,5 بلايين دولار، وهو ما يمثل نسبة تقارب 40% من ميزانية الإنفاق الحكومي السنوي، و15% من الدخل القومي الخام، كما يمثل أيضا المصدر الأول للعملات الأجنبية، التي ناهزت خلال ذات السنة ما يقارب 11 بليون دولار.

وفي تونس تذكر مصادر شبه حكومية أن تحويلات المواطنين التونسيين المقيمين بالخارج قد اقتربت خلال سنة 2002 من بليوني دولار، وهو الرقم الذي طالما افتخرت السلطات التونسية بتحقيقه من خلال عائدات قطاع السياحة، الذي استأثر خلال السنوات العشر الماضية بما يضاهي 40% من مجموع الأموال المستثمرة في البلاد في القطاعين الخاص والعام على السواء.

أما في الجزائر -التي ربما تذهب التصورات السائدة إلى أنها أبعد من أن تكون مرتبطة بعائدات المهاجرين المالية- فإن الأرقام الحكومية ذاتها تؤكد أن تحويلات 3 ملايين مهاجر جزائري -يقيم ثلثاهم في فرنسا- تشكل المصدر الثاني لدخل البلاد من العملات الأجنبية مباشرة، بعد النفط الذي يعتبر ثروة البلاد الرئيسية، هذا بالرغم من السعي الحكومي الدءوب طيلة العقود الماضية لحجب هذه الحقيقة، وزعم المسئولين الاقتصاديين في الجزائر، المتواصل، بعدم جدية وصدقية أي دعوات تطالب بإيلاء هذا الرافد الاقتصادي أهمية على غرار تلك الممنوحة للنفط.

اقتصاد اجتماعي

وتشير الدراسات المهتمة بشؤون المهاجرين المغاربة إلى أن هؤلاء يشكلون العمود الفقري لما يمكن أن يصطلح عليه بـ"الاقتصاد الاجتماعي" في دولهم الأصلية، حيث تذكر المصادر أن ما يفوق 50% من دخل أسر المهاجرين يعود إلى تحويلات هؤلاء لذويهم، وهو ما يجعل نسبة المرتبطين بعائدات الهجرة تصل إلى ما يفوق 30% من سكان البلدان المغاربية.

ويؤكد خبراء مغاربة أن الدورة الاقتصادية المحلية في بعض الجهات والمناطق في المغرب وتونس، تكاد تعتمد بالكامل على تحويلات المهاجرين أو أنشطتهم الاستثمارية، وهو شأن منطقة "الريف" على الساحل المتوسطي للمغرب، التي ينحدر منها ما يقرب من المليون ونصف المليون مهاجر من أصل المليونين ونصف، والتي عانت أصلا من تهميش رسمي كبير على مستوى مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وتذكر مصادر صحفية أن كثيرا من القرى والمدن الصغيرة في تونس تعتمد في حركتها الاقتصادية بشكل كبير على ما يرسله أو يجلبه أبناؤها من أموال، على نحو ما هو حاصل في بعض قرى منطقة "الساحل" في الوسط الشرقي للبلاد، أو مدينة "جرجيس" في الجنوب الشرقي، أو محافظة "القصرين" في الوسط الغربي.

كما تنتعش الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في فصل الصيف، في بعض المدن والمناطق الجزائرية، بمجرد عودة آلاف المهاجرين الجزائريين لقضاء إجازاتهم السنوية بالقرب من عائلاتهم، على نحو ما هو ملاحظ في مدن كعنابة وقسنطينة وسطيف شرق البلاد، ووهران وسيدي بلعباس ومستغانم وتلمسان في غربها.

وبحسب بعض الإحصائيات الرسمية المغاربية؛ فإن أكثر من 50% من المهاجرين المغاربة في دول الاتحاد الأوربي، يعولون أسرا في بلدانهم الأصلية، يتراوح عدد أفرادها بين 4 و6 أشخاص، فيما يعول ما يقارب 30% من بينهم عائلات يفوق عدد أعضائها 6 أشخاص، ويعيل الـ20% الباقون عائلات تقل عن 4 أشخاص.

ويضيف مختصون في شئون الهجرة أنه إذا ما أخذ بعين الحسبان طبيعة العلاقات العائلية والاجتماعية المترابطة والمتشعبة في المجتمعات المغاربية، فإن دائرة الإعالة كثيرا ما تتسع لتشمل عائلات الفروع فضلا عن الأصول، كما تختلف في نسبتها بحسب درجة القرابة، لكن ذلك لا يمكن أن يعني انعدامها.

إعالة غير مباشرة

وإلى جانب الإعالة المباشرة المتصلة بمنظومة القيم الأسرية والأخلاقية التي يتشبث بها جل المهاجرين المغاربة، والتي ترتب مسئوليات مالية واقتصادية عادة ما تثقل كاهلهم، تظهر ما يمكن تسميته بـ"الإعالة غير المباشرة"، حيث يعمد المهاجرون إلى تشغيل أقاربهم من درجات قرابة متفاوتة، في المشاريع الاستثمارية الصغيرة والمتوسطة، التي عادة ما يعملون على إقامتها في مواطنهم الأصلية، كنوع من التمهيد لعودة نهائية محتملة، وهو ما يعني المساهمة في مواجهة مشكلة البطالة، وهي مساهمة ذات طابع اجتماعي في حل مشكلة اقتصادية عويصة تعاني منها جل الدول المغاربية.

ولا يقتصر دور المهاجرين المغاربة في الاقتصاد الاجتماعي لدولهم الأصلية على مستويات الإعالة الاجتماعية والتشغيل، بل تتجاوزها إلى المساهمة في حل قضية الإسكان، فإلى جانب سعي غالبية أبناء الجاليات المغاربية في الخارج إلى امتلاك مساكن وشقق في القرى والمدن التي ينحدرون منها، يقومون عادة بتأجيرها أو إسكان أقارب لهم فيها، فإن عددا كبيرا من المهاجرين يميلون إلى الاستثمار في قطاع العقار والإسكان، باعتباره القطاع الاقتصادي الأكثر ضمانا واستقرارا، قياسا بباقي القطاعات الاقتصادية.

قصور رسمي

وعلى الرغم من الأهمية التي يمثلها دور المهاجرين المغاربة في اقتصاديات الدول المغاربية، فإن الخبراء يؤكدون أن حكومات هذه الدول ما تزال تفتقد لأية رؤية مستقبلية أو أية خطط إستراتيجية لضمان استمرارية تدفق هذا الرافد الاقتصادي في المستقبل المنظور أو البعيد، والحفاظ بالتالي على ما يشكل في المتوسط 20% من الدخل القومي الخام لدول المغرب العربي الثلاثة.

ويرى خبراء الهجرة المغاربية أن الصلات الاقتصادية والاجتماعية مهددة بالتلاشي والاضمحلال التدريجي في غضون الـ20 عاما القادمة، وهو ما سيترتب عليه توقف التحويلات المالية الكبيرة التي تستفيد منها حكومات الدول المغاربية في معالجة قضايا عجز الميزان التجاري مع الدول المستقبلة للهجرة، وكذلك النقص الحاد في العملات الأجنبية، والعجز في الموازنات السنوية.

ويعتقد مهتمون بشئون الجاليات المغاربية في أوربا أن نظرة حكومات دولهم الأصلية، هي في الغالب نظرة قاصرة محدودة وبراجماتية في توجهاتها، تسعى بالأساس إلى ضمان تدفق تحويلات المهاجرين المالية في الوقت الراهن، وعدم الانشغال كثيرا بالتحديات المطروحة مستقبلا، والتي ستحرم الدول المغاربية من مصدر أساسي من مصادر الثروة، لا يقل قيمة عن المصادر الأخرى كالنفط والفوسفات والصادرات الزراعية.

ويتوقع هؤلاء المهتمون أن الحكومات المغاربية لا تعمل بما فيه الكفاية لضمان استمرارية الصلات الاقتصادية والاجتماعية بين الجاليات المغاربية ودولها الأصلية، وهو ما سيفضي إلى تنصل الأجيال الجديدة الناشئة في البلدان الغربية وغيرها من روابطها مع دول الآباء والأجداد، وانكفاء أفرادها للعيش؛ باعتبارهم مواطنين أصليين في المجتمعات التي ولدوا أو تربوا فيها، دون أن تكون لهم أية مسئوليات مادية أو مالية، ترتب عليهم ضرورات المساهمة في إعالة ما يقارب ربع سكان بلدانهم الأصلية، مثلما هو شأن آبائهم اليوم.

وبالرغم من انعدام إحصائيات دقيقة في هذا الإطار فإن العديد من خبراء الوجود المغاربي في أوربا يشيرون إلى أن تحويلات الجيل الثاني من المهاجرين المغاربة إلى دول آبائهم الأصلية تقل بما يزيد عن النصف قياسا برقم تحويلات آبائهم، ويقدر الخبراء ذاتهم أن تقل تحويلات الجيل الثالث إلى النصف مقارنة بتحويلات الجيل الثاني، وهو ما يعني انحدار رقم التحويلات في ظرف 3 عقود إلى الربع، وتقدير استمرارية الانحدار نحو بلوغ الصفر.

وتمضي بعض التحليلات المهتمة بمستقبل الهجرة المغاربية في اتجاه أخطر من مجرد تقدير انعدام مصدر التحويلات المالية للمهاجرين إلى دولهم الأصلية؛ إلى تقدير أن أبناء الجيل الثاني والثالث سيعمدون مع الوقت وبفعل تأثير متطلبات حياتهم في مجتمعاتهم الغربية، إلى سحب أرصدة آبائهم وأجدادهم في الدول الأصلية، وإعادتها إلى الدول التي يعيشون فيها، كما قد يعمدون أيضا إلى التفريط في مساكن وبيوت عائلاتهم لانعدام الحاجة إليها، وتفكيك الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة التي كان أصولهم قد ثابروا على تأسيسها أملا في عودة نهائية، لم تسعفهم الحياة لتحقيقها.

الدعوة إلى الشراكة

وبالمقابل تطرح منظمات المهاجرين المغاربة في أكثر من مناسبة ووثيقة رؤية مختلفة عن تلك المتبناة إلى حد الآن من قبل حكومات الدول الأصلية، تقوم بالأساس على الدعوة إلى ضرورة إشراك ممثلين للجاليات المغاربية في مراكز القرار الخاص بتقرير ودراسة شئون الجاليات، وإفساح المجال أمام هؤلاء الممثلين لبلورة خطا ورؤى وحلول للقضايا المطروحة، والتي تهدد في مجملها بفقدان الاقتصاد المغاربي لأحد أهم روافده.

ويرى "المركز الأورو متوسطي للهجرة والتنمية" -مقره بأمستردام- في وثيقة له نشرت مؤخرا "أن على الحكومات المغاربية أن تعي جيدا المتغيرات المحلية والدولية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت في السنوات الأخيرة بأوضاع المهاجرين المغاربة، كما أن على هذه الحكومات أيضا أن تتعامل مع المهاجرين كشركاء في الحوار حول مستقبلهم، لا كموضوع وحالة يقرر بشأنها دون مراجعتها".

وقال عبدو لمنبهي في تصريح صحفي: "يمكن أن تشكل منظمات المهاجرين المغاربة شريكا جديا في الحوار مع حكومات الدول الأصلية، حيث سيكون مفارقا أن تعمد الدول الأوربية والغربية باستمرار على محاورة هذه المنظمات باعتبارها الواسطة بينها وبين تجمعات المهاجرين، في حين ترفض حكومات الدول الأصلية فعل ذلك، وإن فعلت فبشكل منحرف يقوم على دعوة جهات وأشخاص لا يمثلون عادة إلا أنفسهم".

وبشكل عام فإن منظمات المهاجرين المتخصصة في شأن العلاقة بين الجاليات والدول الأصلية ترى أن حل القضية الاقتصادية المطروحة رهين بحل قضايا أخرى ذات علاقة، ولا تقف عند حد المعطى الاقتصادي، بل تتعداه إلى عوامل أخرى، في مقدمتها المعطى الثقافي والاجتماعي، المتصل برهان وقدرة الحكومات المغاربية على مساعدة جالياتها في الدول الأوربية والغربية، للحفاظ على هويتها الثقافية والدينية، باعتبار الهوية هي القاعدة التي تحفظ الصلة بين المهاجر وبلده الأصلي، أو بين الأجيال المنحدرة من صلبه وبلدان آبائهم وأجدادهم.


  كاتب وباحث تونسي مقيم في هولندا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم