English

 

الأحد. ديسمبر. 5, 1999

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 

فشل قمة سياتل: الخلافات بين الكبار وتهميش الصغار

Image

بعد مفاوضات مضنية استمرت أربعة أيام من 30 نوفمبر-3 ديسمبر الجاري أدت الخلافات بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية وخاصة الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، واليابان ومجموعة الـ 15 والدول النامية المهمَّشة، إلى فشل المؤتمر الوزاري الذي انعقد في سياتل في التوصل إلى بيان نهائي بتوافق الآراء حول جدول أعمال الجولة الجديدة المزمع إطلاقها لتحرير التجارة العالمية.

وتسعى منظمة التجارة العالمية (WTO) التي تضم في عضويتها 135دولة، وتنظم ما يزيد على 90% من إجمالي التجارة العالمية إلى تدشين جولة جديدة من المفاوضات لتحرير ما تبقى من التجارة العالمية، كذلك تحاول منظمة التجارة العالمية تأكيد شرعيتها كمنظمة عالمية، وتدافع عن وجودها وعن دورها في تحرير التجارة العالمية في ظل النظام العالمي الجديد.

ومن المعروف أن جدول أعمال الاجتماع الوزاري في سياتل ركَّز على بحث عدد من الموضوعات وهي:-

1. تحرير تجارة السلع الزراعية، وإلغاء الدعم المقدم لهذه السلع من جانب دول العالم وخاصة دول الاتحاد الأوروبي.

2. تحرير تجارة الخدمات مثل: خدمات المصارف، وخدمات التأمين، والاتصالات والمواصلات، وحماية حرية التجارة الإلكترونية.

3. بحث إمكانية التوصل إلى معايير تنظم حقوق العمال والأجور، وخاصة ما يتصل منها بسلع هامة في التجارة الدولية.

4. بحث صياغة بعض المعايير الخاصة بحماية البيئة، وتنظيم تجارة السلع المعدلة وراثيًا أو جينيًا. 

ورغم أن اجتماع سياتل حقق بعض التقدم في جميع هذه الموضوعات -كما أعلن المتحدث الرسمي للمؤتمر- إلا أنه لم يتوصل إلى اتفاق حول أي موضوع من هذه الموضوعات، بل اتسعت هوة الخلاف بين الدول النامية والدول المتقدمة، وكذلك بين الدول المتقدمة بعضها بعضًا. وقد كانت هذه الخلافات التي حدثت داخل الاجتماعات على النحو التالي:-

أولاً: السلع الزراعية:

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156094674
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
 

تركز الخلاف الرئيسي حول هذا الموضوع بين الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية والاتحاد الأوروبي واليابان من ناحية أخرى، وذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية تريد الحصول على التزام أو تعهد من الاتحاد الأوروبي بالاستعداد للتفاوض حول إلغاء الدعم الذي تقدمه دول الاتحاد للمزارعين الأوروبيين، لأن واشنطن ترى أن هذا الدعم الأوروبي يؤدي إلى وجود منافسة غير عادلة في تجارة السلع الزراعية، ويؤثر على المزارعين الأمريكيين ويحد من قدرة السلع الزراعية الأمريكية على اختراق الأسواق الأوروبية. في مقابل ذلك يرى الأوروبيون أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس من حقها اعتبار هذا الدعم معوقًا للتجارة الدولية، ويؤكدون أن الولايات المتحدة نفسها تقدم دعمًا للسلع الزراعية ولكن بطريقة غير مباشرة، وقدروا هذا الدعم بحوالي 11 ألف دولار للمزارع الواحد سنويًا في حين يتلقى المزارع الأوروبي 5400 دولار سنويًا، ويدافع الاتحاد الأوروبي عن الدعم الذي يقدمه للمزارع الأوروبي وأنه يتم بحجة انخفاض العائد من الأراضي الزراعية، ولمنع المزارعين من هجر الأراضي الزراعية.

وقد ساند اليابان الموقف الأوروبي؛ وذلك لأن اليابان يرى أن دعم السلع الزراعية يمكن أن يتجاوز البعد التجاري لأن بعض الدول تقدم دعمًا للمزارعين لأغراض غير تجارية قد تكون لمنع الهجرة إلى المدن مثلاً، ورغم هذا الخلاف الحاد إلا أن الاتحاد الأوروبي أبدى شيئًا من المرونة في هذا المجال حيث أعلن عن استعداده لبحث هذا الموضوع، وأن يتم تخفيض الدعم المقدم للسلع الزراعية، ولكن في إطار اتفاق شامل مع الولايات المتحدة واليابان ودول الـ 15.

ثانيًا: تحرير تجارة الخدمات:

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156094705
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
تمثل الخلاف الأساسي بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا، وذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية تطالب بضرورة التزام الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بفتح أسواقها أمام تجارة الخدمات وعدم استخدام أي معايير للتفرقة بين الشركات الوطنية والشركات الأجنبية العاملة في هذه المجالات، كما ترى الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة بقاء عمليات التجارة من خلال شبكة الإنترنت حرة، وبدون أي ضرائب أو جمارك، ولكن الأوروبيين وخاصة فرنسا يطالبون بضرورة وضع قواعد منظمة للتعامل مع هذه النوعية من التجارة، ووضع قانون لتنظيم التعامل التجاري من خلال شبكة الإنترنت، وذلك لمواجهة الأعمال غير القانونية مثل أعمال النصب والجرائم وغيرها، وترى فرنسا أن تجارة المعلومات والمنتجات الفنية والفكرية له بعد ثقافي يتمثل في حق كل دولة من دول العالم في الحفاظ على خصوصياتها الثقافية والدينية وأن يتم تنظيم التفاوض حول هذا الموضوع من خلال منظمة اليونسكو، وهي ما يطلق عليه الاستثناء الثقافي.

ثالثًا: المعايير الخاصة بحقوق العمال:

تمثل المعايير الخاصة بحقوق العمال وضرورة وضع حد أدنى للأجور وخاصة في الدول النامية الخلاف الرئيسي حول هذا الموضوع بين الدول النامية وفي مقدمتها الهند ومصر وبين الاتحاد الأوروبي، حيث يطالب الاتحاد الأوروبي بأن يتم التفاوض حول هذا الموضوع في إطار منتدى مشترك بين منظمة التجارة العالمية ومنظمة العمل الدولية؛ وذلك لضمان حد أدنى من حقوق العمال في مجال الأجور، وحد أقصى من ساعات العمل وتوفير مواصلات للعمال ومنع عمالة الأطفال، وخاصة العمل في ظروف قاسية أو عمل السخرة، وتعارض الدول النامية هذه المطالب وترى أن هذه محاولة لسلبها من مزايا رخص الأيدي العاملة لديها، والتي تساعدها على المنافسة في أسواق العمل المتقدمة، كما تعترض على ذلك لأن عمالة الأطفال في بعض الدول النامية تشكل الدخل الأساسي لعدد كبير من الأسر. وهو ما يمكن أن يؤثر بقوة على معيشة هذه الأسر، ويخلق مشاكل للحكومات في الدول النامية والتي ترى أيضًا أن مكان مناقشة هذه الموضوعات هو منظمة العمل الدولية لا منظمة التجارة الدولية.

رابعًا: المعايير البيئية وتنظيم تجارة السلع المعدلة وراثيًا:
The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156094736
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
تركَّز الخلاف الأساسي حول هذا الموضوع، وكما هو معروف تاريخيًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا؛ حيث يطالب الاتحاد الأوروبي بأخذ معايير الحفاظ على البيئة في الحسبان إعمالاً لمبدأ "الحيطة"، وكذلك إعطاء الدول الحق في منع دخول أي سلعة إلى أسواقها إذا كانت هذه السلعة مشكوك فيها من الناحية الصحية أو لها تأثير ضار على البيئة، أو لا تراعي تدوين مكوناتها وبياناتها، وفي مقابل ذلك ترفض الولايات المتحدة الأمريكية الأخذ بالمطالب الأوروبية كما ترى الدول النامية عدم استخدام هذه المعايير سواء البيئية أو الصحية كأساليب غير مباشرة لعرقلة حرية التجارة. 

إلى جانب كل هذه الخلافات أبدت الدول النامية -وخاصة الدول الإفريقية- اعتراضها على الأسلوب الذي عوملت به في هذه المفاوضات حيث تم تهميشها تمامًا، وأعلنت رفضها لأي اتفاق يتم بعيدًا عن مشاركتها، وأنه يجب تنفيذ الدول المتقدمة لالتزاماتها في إطار اتفاقات أورجواي قبل البدء في هذه الجولة الجديدة، وإدخال تعديلات جوهرية على النظام العالمي للتجارة. وقد أدت هذه الخلافات الحادة إلى ترجيح الفشل لهذا المؤتمر الهام، ولأن البيان الختامي لا بد أن يصدر بإجماع الآراء حول كافة الموضوعات فإن صدور بيان ختامي حول هذه الموضوعات كان من الصعوبة بمكان في ظل هذه الخلافات الحادة. ولذلك رأت الأطراف المتفاوضة في سياتل عدم الإعلان عن الفشل صراحة، ولكن تم الإعلان عن إرجاء المفاوضات لاستكمالها بعد أعياد الألفية الثالثة، ولذلك يمكن القول إن الرابح الأول في مفاوضات سياتل هم هؤلاء الذين راهنوا على فشل هذه المفاوضات بسبب الخلافات بين الكبار. ولكن تبقى هناك تساؤلات مطروحة على الساحة وبقوة حتى انتهاء احتفالات أعياد ميلاد عام 2000 وأهم هذه الأسئلة:-
The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156094806
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic

- هل هذا التأجيل للمفاوضات يعني إعطاء فرصة للكبار للجلوس معًا في هدوء وبعيدًا عن صخب دول العالم الثالث ومظاهرات الشوارع؛ وذلك لتسوية الخلافات بينهم عن طريق عقد صفقات متكافئة؟

- هل تأجيل المفاوضات يعني أن دول العالم الثالث سوف تحتفل بأعياد رأس السنة وتأتي إلى المفاوضات القادمة مرة أخرى وهي مهمشة؟.. أم أن هذه الفترة ستكون بمثابة هدنة لكي تعيد هذه الدول تنظيم صفوفها من أجل دخول الجولة القادمة من المعركة وهي أكثر قوة؟

المجتمع الأهلي ضد سياتل 1200 منظمة من 87 دولة ضد التجارة الدولية

صورة جديدة ظهرت في سياتل تمثلت في جهود مكثفة تبذل خلف الأبواب المغلقة من قبل الوفود الرسمية للتوصل إلى اتفاق بشأن البيان الختامي للمؤتمر الوزاري الذي كان من المقرر أن يعلن انطلاق جولة جديدة من جولات تحرير التجارة العالمية، ووسط خلافات حادة بين دول الشمال المتقدمة نفسها، وبينها وبين الدول النامية من ناحية أخرى، في نفس الوقت الذي يتظاهر فيه الآلاف من أعضاء المنظمات غير الحكومية، واتحادات العمال وغيرهم مطالبين بوقف منظمة التجارة العالمية.

هذه الصورة لم تظهر فجأة فقد استعدت حكومات الدول الـ 135 الأعضاء في منظمة التجارة العالمية لهذا المؤتمر منذ أن دعا إليه الرئيس الأمريكي، ولم تكن الحكومات وحدها التي استعدت لهذا المؤتمر، ولكن كان هناك طرف آخر قد استعد مبكرًا لهذا المؤتمر، هذا الطرف الذي لم يكن متواجدًا أثناء الجولات السابقة من المفاوضات هو ما يعرف "بالمجتمع المدني (الأهلي)"، والذي ضم إلى جانب الجهات السابقة الإشارة إليها جماعات مكافحة الإيدز، وجماعات الحفاظ على البيئة، وتنظيمات أخرى ذات انتماءات مختلفة. وبعد أن أدركت هذه المنظمات سلبيات تحرير التجارة العالمية سواء على الفقراء في جميع أنحاء العالم بما فيهم الدول المتقدمة، وكذلك آثارها على العمال قاموا بتنظيم مواقفهم واستغلوا في ذلك شبكة الإنترنت، والتي وفرت لهم وسيلة سهلة ورخيصة للقيام بهذا التنسيق، وقد وقَّعت أكثر من 1200 منظمة غير حكومية من 87 دولة في العالم بيانًا يدعو إلى إجراء إصلاحات أساسية في منظمة التجارة العالمية، في حين ركزت المنظمات الأكثر تشددًا على المطالبة بإلغاء منظمة التجارة العالمية. وقد أصبحت هذه المنظمات أكثر قوة وأكثر تأثيرًا، ونجحت في الحصول على تمويل من جهات مختلفة، وخاصة بعد نجاحها العام الماضي في إلغاء المفاوضات حول مشروع اتفاقية متعددة الأطراف كان يتم التفاوض عليها في إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الاستثمار متعدد الأطراف.

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156094839
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
وقبل بداية المؤتمر الوزاري في سياتل تدافعت كل هذه الجماعات إلى مقر عقد المؤتمر في سياتل في مظاهرات احتجاج، وأصبح عدد المحتجين يفوق عدد الوفود الرسمية ورجال البوليس بمئات المرات، وقد رفعت هذه المنظمات شعارات معادية لمنظمة التجارة العالمية، ولتجارة السلع المعدلة وراثيًا، واستخدمت في هذه المظاهرات إحدى الطائرات التي حلقت فوق مركز انعقاد المؤتمر حاملة لافتة كتب عليها "الناس قبل الربح… أوقفوا منظمة التجارة العالمية". وقد أدت هذه المظاهرات إلى منع وصول الوفود الرسمية إلى مقر المؤتمر مما أدى إلى استدعاء قوات الحرس الوطني التي استخدمت القنابل المسيلة للدموع، وطلقات المطاط واعتقلت حوالي 500 شخص. ولم تقتصر الاحتجاجات على المظاهرات في سياتل بل امتدت هذه المفاوضات إلى بعض المدن في أوروبا وخاصة في فرنسا حيث تظاهر الآلاف من المزارعين مطالبين بعدم التفاوض على خفض الدعم المقدم للسلع الزراعية، أيضا استخدم مئات الآلاف من الأفراد شبكة الإنترنت في شن حملة ضد مفاوضات سياتل فيما أطلق عليه "تعبئة ضد العولمة".

وطالبت معظم هذه المنظمات بإعطاء دول العالم الثالث فرصة أكبر في التجارة العالمية، ومنع استخدام السلع المعدلة وراثيًا التي قد تضر بالصحة العالمية، وعدم التركيز على الأرباح التي تذهب في الغالب إلى الشركات دولية النشاط، ولكن يجب التركيز على تحسين أحوال العمال والفقراء، وخلق مزيد من فرص العمل وخاصة في الدول الأكثر فقرًا.

ومن هنا يلاحظ أن هذه المفاوضات بدأت في أجواء مشحونة بالإصرار على تحرير ما تبقى من التجارة العالمية تدافع عنه الدول المتقدمة رغم الخلافات بينها، ومشحونة أيضًا ولأول مرة بمعارضة لمنهج منظمة التجارة العالمية، وخاصة سلوك الدول المتقدمة فيما يتعلق بتحرير التجارة وتدافع عنه الدول النامية، والملاحظ أن كل طرف دخل هذه المعركة -التي بدأت بالفعل وسوف تستمر حتى بعد انتهاء اجتماع سياتل- وهو يرفع شعارًا معينًا يعكس مصالحه الخاصة دون الاكتراث بالأطراف الأخرى  شارك بالرأي واتصل بمنظمة التجارة العالمية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم