English

 

الثلاثاء. سبتمبر. 13, 2005

نماء » قضايا اقتصادية » الخليج العربي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مدارس السعودية.. مصانع للعاطلين!

أحمد المصرى

مخرجات التعليم السعودي لا تتناسب مع سوق العمل
مخرجات التعليم السعودي لا تتناسب مع سوق العمل

الرياض- في الوقت الذي يأخذ فيه الطلاب السعوديون أماكنهم على مقاعد الدراسة في بداية العام الدراسي الجديد (2005- 2006)، انضم عشرات الآلاف من خريجي الثانوية والجامعات الذين كانوا بالأمس القريب على هذه المقاعد إلى قوائم العاطلين.

ورغم الافتقار إلى بيانات دقيقة عن ظاهرة البطالة في المملكة، فإن تقريرًا لمصلحة الإحصاءات العامة في عام 2005 يشير إلى أن نسبتها تمثل 8.5% من إجمالي قوة العمل الوطنية، بينما ترفع المصادر الدولية هذه النسبة إلى 12%، وهذا يعني وجود ما يقرب من مليون عاطل عن العمل.

ومع أن هذه الإحصاءات لم تتعرض لنسبة الجامعيين العاطلين بالمملكة، فإن عدة دراسات اقتصادية تشير إلى أن معظم العاطلين هم من مخرجات النظام التعليمي، أي إما جامعيين أو خريجي التعليم الفني أو حاصلين على الثانوية العامة؛ حيث إن عددًا كبيرًا من السعوديين يكتفي بالثانوية.

وتبلغ مخرجات التعليم من جميع هذه الفئات سنويًّا نحو 160 ألفًا، وتلتزم الدولة بتوظيف 30 ألف سعودي كل عام وفقًا لتقديرات الميزانية الحكومية، بينما تعول على القطاع الخاص في تعيين الباقين.

ونظريًّا يولد الاقتصاد السعودي ما يكفي من الوظائف للوصول إلى ما يقارب التوظيف الكامل؛ إذ يبلغ متوسط توليد الوظائف 140 ألف وظيفة جديدة سنويًّا، بينما يقدر متوسط الطلب على الوظائف سنويًّا بـ(160 ألف وظيفة) حتى نهاية عام 2004.

معنى هذا أن التعريف العلمي للبطالة لا ينطبق على المملكة؛ إذ معنى البطالة علميا عدم وجود وظائف للشباب في سن العمل أو للباحث عن العمل والراغب فيه. أما في السعودية فهناك وظائف ولكن المشكلة تكمن في أن طالبي هذه الوظائف (مخرجات نظام تعليم) لا تتوافر لديهم المؤهلات أو المهارات التي يحتاجها سوق العمل.

تعليم بلا مهارات

وإذا كانت الدولة أو القطاع الحكومي يقوم بتوظيف الخريجين بغض النظر عن الحاجة إليهم أو الإنتاجية المطلوبة منهم، فإن القطاع الخاص الهادف للربح يرفض هذه المسألة.

ووفقًا لدراسة تحت عنوان "واقع التوظيف وتحدياته في القطاع الخاص" قدمها الخبيران الاقتصاديان أ.د. عبد الرحمن بن أحمد هيجان، ود. سعيد بن عبد الله القرني، لملتقى تنمية الموارد البشرية عام 2004، فإن نسبة السعوديين العاملين في القطاع الخاص هي 11.29%.

وفي محاولة لتفسير أسباب رفض القطاع الخاص لمخرجات التعليم بالبلاد، كلف مجلس الشورى عام 2003 فريقًا من الخبراء الاقتصاديين لإعداد دراسة حول الأمر، وكشفت هذه الدراسة عدم قدرة مؤسسات التعليم والتدريب على التكيف والتخطيط لملاءمة مخرجاتها مع احتياجات سوق العمل. وأشارت إلى أن هناك العديد من مواطن الخلل في منظومة التعليم والتدريب، من بينها:

1- عدم مواءمة بعض مخرجات التعليم والتدريب لحاجة سوق العمل الحالية، فـ75% من الخريجين هم من أصحاب التخصصات النظرية، بينما هناك 25% فقط من خريجي التخصصات العملية والتطبيقية، وفي المقابل، فإن نسبة التخصصات التطبيقية المطلوبة في سوق العمل تصل إلى 85.1%، بينما تقتصر الاحتياجات من المهن التعليمية والإنسانية والنظرية على 14.9% فقط.

2- نقص الطاقة الاستيعابية للأقسام العملية والصحية والتقنية والهندسية في التعليم العالي وتدني كفاءتها.

3- عدم التركيز على المهارات التطبيقية التي يحتاجها سوق العمل عند استحداث أو تطوير برامج تعليمية أو تدريبية في مؤسسات التدريب والتعليم المختلفة.

4- نقص الأقسام والتخصصات في المجالات التي للمملكة ميزة نسبية فيها، كالبترول وإنتاج وتوزيع الطاقة والتحلية والطاقة الشمسية، وتقنية الاتصالات والمعلومات، والتقنية الحيوية، وتقنيات الري.

5- عدم الاهتمام باحتياجات المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مع ثقلها العددي الكبير في سوق العمل وأهميتها في الاقتصاد.

بطالة هيكلية

وفي السياق نفسه أشار الدكتور عبد الواحد الحميد -وكيل وزارة العمل لشئون التخطيط والتطوير في كتابه "السعودة أو الطوفان" والصادر في عام 2004- إلى أن المملكة "تعاني من غلبة التعليم النظري في معاهدها وجامعاتها، الأمر الذي أدى إلى وجود بطالة هيكلية؛ لأن المهارات المطلوبة في السوق تختلف عما تقدمه الجامعات والمعاهد من مخرجات".

كما خلصت الأوراق المقدمة للمنتدى الاقتصادي الذي نظمته جريدة الرياض في يونيو 2005 إلى أن كل ما يجري في وزارة التعليم العالي أو المؤسسة العامة للتعليم الفني -اللتين تعتبران جهتين رئيسيتين في تأهيل القوى البشرية التي تخرج مباشرة لسوق العمل- لا يزال بعيدا عن إدراك مشاكل التوظيف والتأهيل.

وأشار المشاركون في المنتدى إلى أن التعليم العام لا يزال يواجه مشكلات حقيقية فيما يتعلق بالنمو السكاني، وقدرة المدارس على استيعاب الأعداد الكبيرة من الأطفال والشباب المقبلين على التعليم، وهذا النمو أثر على قدرة جودة التعليم بالمدارس.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك ضعفًا في الإقبال على التعليم الفني، مرده ثقافة العيب التي احتلت مساحة كبيرة من عقلية أغلب الشرائح الاجتماعية، وأصبحت تشكل سببًا رئيسيا في تفاقم أزمة البطالة بين الشباب السعودي.

وأدت هذه الثقافة الغريبة إلى عزوف كثير من الشباب عن بعض الأعمال المهنية، خوفًا من نظرة المجتمع الدونية لها، وتسببت هذه النظرة في نقص وفقر كبيرين في كثير من الأعمال المهنية مثل السباكة والميكانيكا والنجارة، وهو ما أدى بدوره إلى ضعف الإقبال على التعليم الفني، أو الاكتفاء بشهادته دون العمل بالأعمال المهنية.

دراسات عليا نظرية!

يزيد الأمر تعقيدًا في علاقة التعليم بخطط التنمية في المملكة، ما كشفته دراسة -نشرت عام 2005 للدكتور سالم بن محمد السالم، أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة الإمام محمد بن سعود- من عدم وجود علاقة بين برامج الدراسات العليا في الجامعات والرسائل التي تمت مناقشتها على مدى 40 عامًا وبين خطط التنمية في السعودية.

وأوضحت الدراسة أن موضوعات رسائل وبرامج الدراسات العليا التي أجازتها الجامعات السعودية خلال العقود الأربعة الماضية لا تعالج موضوعات عملية واجتماعية معاصرة، ولا تساهم في تعزيز المشروعات التنموية التي تنشدها الدولة في الوقت الراهن.

وأشارت الدراسة إلى أن التاريخ والفقه تصدرا الرسائل المجازة في الجامعات السعودية، بينما يعاني عدد من العلوم التطبيقية والعلوم البحتة وتخصصات أخرى تحتاجها المملكة -مثل هندسة البترول وتحلية المياه وإدارة الأعمال وهندسة الحاسب الآلي والاقتصاد والإدارة والصيدلة والعمارة والزراعة والمحاسبة والإحصاء- من ندرة الرسائل العلمية في هذه التخصصات.

حلول مطروحة

هناك خطوات واقتراحات بدأ تطبيق بعضها بالفعل لجسر الفجوة بين التعليم ومخططات التنمية بالمملكة، وأبرزها:

أولاً: على المدى القصير:

1- إجراء عملية إعادة تأهيل للخريجين العاطلين من خلال برامج تدريبية تراعي متطلبات سوق العمل يتعاون فيها كل من القطاع الخاص والحكومة.

وفي هذا الإطار بدأ صندوق تنمية الموارد البشرية منذ عام 2004 في تنفيذ برنامج تهيئة طالبي العمل للتكيف مع بيئة العمل في القطاع الخاص، ويقدم الصندوق خدماته مجانيًّا. كما أن مؤسسة التعليم المهني لديها برامج تأهيلية للشباب تنتهي بالتوظيف، إلا أن هذه البرامج تعاني من ضعف الإقبال عليها من الشباب السعودي، متهمين إياها بأنها تفضي إلى مهن بالقطاع الخاص ذات رواتب متدنية وساعات عمل طويلة.

2- تشجيع الشباب على القيام بمشرعات صغيرة وتدبير قروض حسنة تساعدهم على إنجاز مشاريعهم.

ثانيًا: على المدى البعيد:

1- إعادة النظر في "كم وكيف" المناهج الدراسية بالتعليم العام والتعليم الجامعي والتعليم الفني. وفي هذا الإطار قال وكيل مساعد وزارة التربية والتعليم لتطوير المناهج الدكتور عبد العزيز الرويس في حوار نشرته جريدة الرياض في 17-8-2005: إنه سيتم تطبيق خطة جديدة في 42 مدرسة للدراسة المطورة بداية العام الدراسي الجديد.

وأوضح الرويس أن أسباب ذلك هو عدم رضا سوق العمل عن مخرجات التعليم الثانوي لالتحاقهم بسوق العمل، وهذا دفع برنامج الثانوية إلى أن يسهم في تهيئتهم لذلك؛ حيث سيتم إضافة مناهج جديدة تركز على المهارات الإدارية، والمهارات الحياتية والتربية الأسرية، ومادة التربية المهنية.

2- تدريس أخلاقيات العمل؛ حيث إن الشباب يفتقد لقيمة العمل ومعناه الحقيقي والجهد الذي ينبغي أن يبذلوه من أجل البقاء في الوظيفة والاستمرار فيها، وإزالة الصورة السلبية للأعمال المهنية.

3- دراسة وضع مراكز التدريب المهني والمعاهد الفنية الثانوية من حيث طاقتها الاستيعابية ومستوى برامجها ومستوى الكفاءات العاملة فيها، حتى لا تزداد شريحة الباحثين عن العمل في السنوات القادمة.

4- التوجه للتعليم الأهلي؛ حيث إن التعليم العام لا يزال غير قادر على تلبية احتياجات التنمية.

5- وأخيرًا الحاجة لتنمية اقتصادية تولد نظامًا متنوع النشاطات، هذا النظام يولد باستمرار الفرص الوظيفية للشباب السعودي.


  صحفي مصري مقيم بالسعودية، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم