|
| حق اختيار السلعة يمكن المستهلك من مواجهة أي انتهاك لحقوقه أو صناعته الوطنية
|
إذا كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت للمستهلك في قرارها الصادر عام 1985 حق الاختيار بين السلع والخدمات المطروحة عليه بأسعار تنافسية؛ فإنها لم تقيد هذا الحق بأي قيود سياسية.
ويترتب على ذلك أنه يجوز للمستهلك بداهة أن يختار -على سبيل المثال- السلع الوطنية تدعيما لاقتصاد الدولة التي ينتمي إليها. وهذا هو مسلك المستهلك الواعي في الدول الآخذة في النمو بصفة خاصة والتي تواجه تحديات غير مسبوقة في عصر العولمة والجات الذي تمارس فيه الدول الصناعية الكبرى -وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية- كافة صور القهر السياسي والاقتصادي، وربما العسكري أيضا لفرض إرادتها على الشعوب الفقيرة.
وإذا كانت الأنظمة الحاكمة لهذه الدول قد اضطرت لأسباب سياسة واقتصادية للخضوع لإرادة الطرف الأقوى، وارتبطت على هذا النحو باتفاقيات دولية متعددة تلزمها بفتح أسواقها للمنتجات والاستثمارات الأجنبية باسم حرية التجارة العالمية وانتقال رؤوس الأموال دون قيود (الجات)؛ فإن من حق شعوب الدول النامية مع ذلك أن تخفف من حدة هذا التوجه من خلال استخدام مواطنيها لحقهم في الاختيار الذي تقره لهم المواثيق الدولية ذاتها باعتباره من حقوق الإنسان.
وبهذه المثابة يملك المستهلك من مواطني الدول النامية أن يمارس حقه في الاختيار تدعيما للصناعات والمنتجات الوطنية التي تخاذلت حكومات هذه الدول عن دعمها لأسباب سياسية واقتصادية.
وممارسة المستهلك حقه في اختيار منتجاته الوطنية على هذا النحو لا يتعارض مع التزام دولته بفتح أسواقها أمام المنتجات الأجنبية دون تمييز ضد هذه الأخيرة؛ لأن هذا الالتزام الأخير لا يتعارض قانونا مع حق المستهلك في الاختيار. وهكذا تستطيع الشعوب المقهورة أن تصحح أوضاعا مؤسفة تورطت فيها حكوماتها تحت ضغوط سياسية متنوعة.
الدفاع عن النفس
بل إن هذه الشعوب قد تملك ما هو أكثر من ذلك؛ فهي تستطيع باسم حق الاختيار الذي يملكه المستهلك أن تمارس حقها في المقاطعة الاقتصادية لبعض السلع والمنتجات الأجنبية، بوصفه وسيلة من أهم وسائل الدفاع الشرعي عن النفس في مواجهة التحديات السياسية.
ولعل خير مثال لهذا الوضع هو اللجان الشعبية التي شكلت في بعض الدول العربية بعد انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 لمقاطعة البضائع الإسرائيلية وبعض المنتجات الأمريكية كوسيلة سياسية للضغط الاقتصادي إزاء الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني الذي يمارس حقه المشروع في تحرير أرضه المحتلة بعد عدوان 1967، وهي اعتداءات تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية التي تخلط خلطا متعمدا بين المقاومة الراغبة في تحرير الأرض والإرهاب.
وإزاء هذا المسلك المؤسف لزعيمة "العالم الحر" (الولايات المتحدة)، والذي تقف الحكومات العربية إزاءه موقف العاجز عن التحرك على الصعيدين السياسي والاقتصادي.. فإن من حق شعوب المنطقة والحال كذلك أن تواجه هذا المسلك بما تملكه من أسلحة سياسية واقتصادية.
ومن بين هذه الأسلحة سلاح اختيار السلعة الذي يكفل حق المقاطعة الذي يملك المستهلكون استخدامه، بعيدا عن القيود الدولية المفروضة على حكوماتهم، سواء أكانت اتفاقات دولية تلتزم بها مثل الجات أو اتفاقات ثنائية.
وبعيدا عن الوسائل التي يتعين اتباعها عند تنفيذ إجراءات المقاطعة الشعبية، والتي يتعين دراستها على نحو لا يضر باقتصاديات الدولة، وهو ما قد يقتضي أن تكون مقاطعة المنتجات الأمريكية بصفة خاصة ذات طابع جزئي وانتقائي ومتدرج؛ فإن تنفيذ هذه السياسة الشعبية عملا بحق المستهلك في الاختيار يقتضي بالضرورة تمكين هذا الأخير من العلم ببعض الحقائق والمعلومات التي تمكنه من ممارسة هذا الحق المشروع في عصر العولمة. ومن هنا كانت معرفة تداعيات العولمة وأثرها على حق المستهلك في الاختيار.
حق الاختيار قبل وبعد العولمة
لم يكن من العسير أن يمارس المستهلك حقه في اختيار المنتج الوطني في عصر ما قبل العولمة؛ بل ولم يكن من الصعب أيضا على المستهلك في العصر السابق على العولمة أن يقاطع البضائع المستوردة من الدول المعادية سياسيا لدولته كما كان الشأن عند صراع الشعوب النامية في مواجهة المستعمر؛ فقد كان يكفي المستهلك المصري -على سبيل المثال- أن يقرأ على عبوة البضاعة أنها صنعت في مصر حتى يقدم على شرائها، أو أن يقرأ أنها صنعت في إنجلترا حتى يمتنع عن الشراء حينما كان الشعب المصري يكافح من أجل استقلاله عن هذه الدولة.
والأمر يختلف تماما في عصر العولمة الذي نعيشه؛ حيث تسيطر على أكثر من ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي والتجارة الدولية ما لا يزيد عن ثلاثمائة شركة عملاقة متعدية للقوميات تنتمي للدول الصناعية الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.
والشركة متعدية القوميات -التي يطلق عليها خطأ: "الشركة متعددة الجنسيات"- هي في حقيقتها مجموعة من الشركات المنتشرة في بلاد العالم الثالث المختلفة والتي تسيطر عليها شركة "أم" Mother Company، وهي في الغالب في إحدى الدول الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو اليابان.
والطريف في أمر هذه الشركات المتعدية القوميات أنها تقوم بعملية "تدويل" الإنتاج على نحو قد يبدو في الظاهر متناقضا؛ فكل من الشركات أعضاء المجموعة الواحدة تنشأ في دولة نامية مختلفة وفقا لقوانين هذه الدولة، وتتمتع بجنسيتها الوطنية وباستقلالها القانوني عن الشركات الأخرى أعضاء نفس المجموعة.
فمن بين هذه الشركات مثلا شركة تنشأ في مصر وفقا للقانون المصري وتتمتع بالجنسية الإسرائيلية، وثالثة تنشأ في تركيا وفقا للقانون التركي وهكذا.. وبينما تستقل كل شركة من شركات المجموعة الواحدة بجنسيتها وشخصيتها القانونية المستقلة على هذا النحو؛ فإنها تخضع مع ذلك اقتصاديا ومن حيث الواقع للشركة الأم الكائنة مثلا بالولايات المتحدة الأمريكية والتي تتملك غالبية حصص وأسهم شركات المجموعة التابعة لها.
ومن خلال هذه التبعية الواقعية ذات الطابع الاقتصادي والفني، والتي تتم أيضا باتباع نظام محكم للمعلومات وانتقال التكنولوجيا تسيطر الشركة الأم على الشركات التابعة التي تعد مستقلة عنها قانونا بينما هي تابعة لها اقتصاديا وفنيا من حيث الواقع.
وهكذا تخضع الشركة التابعة المصرية مثلا لرقابة الشركة الأم في الولايات المتحدة التي تتملك غالبية رأسمال الشركة المصرية، وهو ما يمكنها من السيطرة الإدارية عليها وتوجيه استثماراتها على النحو الذي يحقق مصلحة الشركة الأم دون اعتداد بالمصالح الاقتصادية المصرية.
بذلك.. ومن خلال هذا التنظيم المؤسسي للعولمة والمتمثل في الشركات متعدية القوميات يتم اختراق الدولة القومية، ويترابط الاقتصاد العالمي الذي تسيطر عليه هذه الشركات العملاقة التي لا تعرف إلا مصالحها الاقتصادية دون اعتداد بالمصالح الاقتصادية لدول العالم الثالث.
وقد سجلت تقارير الأمم المتحدة الخطورة السياسية لهذه الظاهرة الاقتصادية المعاصرة؛ حيث استطاعت هذه الكائنات الجديدة أن تسيطر سياسيا على الأنظمة الحاكمة في الدول النامية، بل ووصل الأمر ببعض هذه الشركات إلى حد اغتيال زعماء العالم الثالث من الوطنيين الذين حاولوا التصدي لهذه الظاهرة، ولعل أبرز مثال على ذلك هو اغتيال "السلفادور اللندي" حاكم شيلى الوطني في منتصف السبعينيات بواسطة إحدى شركات الاتصالات الأمريكية العملاقة وإحلال الديكتاتور "بينوشيه" بدلا عنه، والذي ساد الفساد وخرق حقوق الإنسان في عهده حتى تم خلعه في واحدة من كبرى الفضائح السياسية في القرن العشرين.
التفريق بين السلع
وإزاء هذا التنظيم المؤسسي للعولمة، المتمثل في الشركات متعدية القوميات، والتي تسيطر على مقدرات العالم الثالث لم يعد في إمكان المستهلك المصري -على سبيل المثال- أن يقاطع البضائع الإسرائيلية، أو بعض البضائع الأمريكية بصفة خاصة، بنفس السهولة التي كانت تتيح له ذلك في عصر ما قبل العولمة؛ ذلك أن عبارة "صنع في مصر" أو عبارة "تمت صناعة هذا المنتج بواسطة شركة مصرية" التي تحملها البطاقة المرفقة بالعبوة حاليا لا تفيد في عصر العولمة ما كانت تفيده قبل هذا العصر.
ذلك أنه من المتصور دائما أن تكون الشركة المنتجة شركة مصرية الجنسية وفقا للتشريع المصري وكائنة في مصر، ولكنها تابعة في الوقت نفسه لشركة أمريكية "أم" تسيطر عليها وتتملك كل أو غالبية رأسمالها.
وفي ظل هذه الأوضاع لم تعد الولايات المتحدة في حاجة إلى تصدير منتجاتها إلى مصر؛ لسبب بسيط هو أنها تقوم بإنتاجها في مصر برأسمال أمريكي وباستخدام بعض العمالة المصرية وبأعداد بسيطة في الغالب في ظل التقدم التكنولوجي الحديث.
فهل تصبح حماية عدد محدود من العمال المصريين سببا يبرر التقاعس عن المقاطعة "الانتقائية" في هذا الفرض بما قد تحققه هذه المقاطعة من ضغوط سياسية حقيقية حماية للأمن القومي؟
إن الإجابة على هذا التساؤل تدخل لا شك في إطار حق الاختيار الذي يتعين أن يمارسه المستهلك المصري بحرية، بشرط تمكينه من معرفة الحقائق التي يستطيع أن يبني عليها اختياره.
والحقائق التي يتعين أن توضع تحت نظر المستهلك المصري أو العربي في عصر العولمة تختلف عن الحقائق التي كان يمكن أن تعطى له قبل هذا العصر. فلم يعد يكفي في عصر العولمة أن تتضمن بطاقة العبوة أن هذا المنتج صنع في مصر بواسطة شركة مصرية، أو صنع في اليمن بواسطة شركة يمنية، وإنما يتعين لكي يمارس المستهلك المصري أو اليمني حقه المشروع في الاختيار أن تتضمن البطاقة أيضا معلومات إضافية تنير للمستهلك سبيل الاختيار الصحيح، وبصفة خاصة المعلومات المتعلقة بجنسية ملاك رأسمال الشركة المنتجة والقائمين على إدارتها.
فبهذه السبيل وحدها يملك المستهلك المصري أو اليمني مثلا حق الاختيار الصحيح في عصر العولمة بإطارها المؤسسي المتمثل في الشركات متعدية القوميات، حيث يملك في هذه الحالة أن يختار المنتج الذي أنتجته شركة وطنية يتملك غالبية رأسمالها وطنيون، كما يملك مقاطعة المنتج الذي أنتجته شركة يتملك رأسمالها كله أو غالبيته إسرائيليون أو أمريكيون، حتى لو كانت الشركة في هذا المثال الأخير شركة تتمتع بالجنسية الوطنية أو كان المنتج قد صنع في دولته.
فلم يعد مكان التصنيع أو جنسية الشركة المنتجة هي العناصر الحاسمة عند ممارسة المستهلك حقه في الاختيار في عصر العولمة بإطاره المؤسسي المتمثل في الشركات متعدية القوميات.
* هذا الموضوع محرر بتصرف، وهو جزء من ورقة قدمت إلى المؤتمر الإقليمي حول "تنمية الصناعات الوطنية.. وحماية المستهلك في ظل العولمة"، صنعاء من 14-16 سبتمبر 2002م.
|