|
شهد منتدى دافوس 2000 ما شهدته لقاءات سنوية سابقة بالنسبة لقضية فلسطين، ربما اختلفت بعض التفاصيل وتبدلت بعض الأسماء، ولكن المضمون والمغزى لم يتبدَّلا.. وقبل النظر فيما أنجزه أو لم ينجزه منتدى دافوس بالنسبة لقضية فلسطين.. ينبغي أن نسترجع بعض أبعاد القضايا المطروحة على مائدة المفاوضات.. وننطلق في ذلك من موقف رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات الذي عبّر أثناء انعقاد المؤتمر عن انزعاجه الشديد من المماطلة الإسرائيلية في المفاوضات الثنائية.
المفاوضات المقصودة هي التي تدور حول تنفيذ آخر اتفاق انعقد في شرم الشيخ.. لتنفيذ اتفاق سبق عقده في واشنطن حول تنفيذ اتفاق انعقد من قبل، ومن العسير حفظ سائر الأماكن والتواريخ، هذا من ناحية الموضوع، أما من ناحية " الكم ".. فنجري عملية حسابية سريعة على مضمون الخلاف، وهو الآن موعد جديد للانسحاب المؤجَّل مرارًا من 6% من أرض الضفة الغربية.. كما يقال رسميًّا، وإذا لاحظنا المقصود -بعد أن سبق منذ سنوات أن ضمت السلطات الإسرائيلية إلى إدارة مدينة القدس (الكبرى) زهاء ثلث مساحة أرض الضفة الغربية التي احتلت عام 1967 م- يتبين لنا أن المساحة المعنية في حدود 4% من الضفة الغربية واقعيًّا، والتي تمثل بدورها 19% من إجمالي مساحة فلسطين، فالانسحاب أو إعادة الانتشار المنتظر منذ شهور وشهور هو من أقل من 1% وعلى وجه التحديد 0.076 من مساحة فلسطين، التي تبلغ وفق حدود الانتداب البريطاني 27 ألف كيلومتر مربع، فالمساحة المختلف عليها حاليًا هي: 205 كيلو متر مربع، ولو لم تكن قطعًا متفرقة بعضها عن بعض لكانت عبارة عن مربع طول ضلعه 14.3 كيلومترًا.
ويكفي أخذ هذا البعد الكمي بعين الاعتبار، وبغضِّ النظر عن توزيع الأرض "المحرَّرة" بين أصناف ألف وباء وجيم، بوجود كامل ونصف وجود ووجود جزئي فلسطيني، ليظهر ما يعنيه ما ورد من الملتقى بصدد تصريحات شمعون بيريز، ومطالبته بتعديل المناهج المدرسية العربية، والدخول في تطبيع تعليمي كامل مع الدولة العبرية، بالإضافة إلى تشكيل مؤسسة تقوم على إعداد المؤتمرات الاقتصادية، ثم تتابع متابعة تنفيذ ما تقرِّره ما بين تلك البقعة النظيفة لوجود الإسرائيليين فيها مع الوسط العربي "القذر" المحيط بها.. ممّا أثار انزعاج وزير الخارجية المصري، كما أثار غضب وسائل الإعلام المصرية وسواها من وسائل الإعلام العربية.
إنّ وجود قضية فلسطين في المنتدى منذ السبعينيات لا يتمثَّل في المؤتمرات السنوية فقط.. وإن تم في إطارها ما تمَّ من خطوات ساهمت في تقديم الخدمات المناسبة في الوقت المناسب لتنشيط مسيرة التسوية السلمية إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه على المسار الفلسطيني كما سبقت الإشارة.. وما المسار السوري أو اللبناني بأفضل من ذلك، ناهيك عن قضية من مستوى المياه أو القدس أو اللاجئين.. ولكن النشاط الأكبر للمنتدى هو ما يتم وراء الكواليس إذا صحّ التعبير، فسيّان ما يثور من غضب وانزعاج وما يبدو خلافًا شديدًا أو سلامًا باردًا، يبقى أن المشاريع التي يراد بها أن تؤدّي إلى تغيير في جغرافية المنطقة وتاريخها وأوضاعها الاقتصادية.. والثوابت العقيدية والثقافية والفكرية وغيرها، فهذا ما تستهدفه مشاريع يجري تنفيذها برعاية المنتدى وتوجيه مركز بيريز للسلام، ومشاركة عربية مباشرة، محاورها الرئيسية في مصر والأردن ومناطق السلطة الفلسطينية.
قضايا إقليمية .. الحاضرة منها والمنسية
لا شك أن قضية فلسطين والمنطقة المحيطة بها.. أو ما يسمى الشرق الأوسط كانت في منتدى دافوس ونشاطاته وما تزال تحتلّ مركز الصدارة من بين القضايا الإقليمية، وعلى وجه التحديد ذات البعد الدولي من بينها.. ولا يعود ذلك فقط لأهمية القضية وانعكاساتها على الساحة العالمية، بل يعود أيضًا إلى التعاون المبكر الذي بدأ بين القائمين على المنتدى وبين شمعون بيريز من خلال المؤسسة التي أنشأها باسم مركز بيريز للسلام. واهتمام المنتدى بالقضايا الإقليمية الأخرى لا يتمّ من خـلال متابعة كل منها على حدة مباشرة، كما هو الحال مع قضية فلسطين، ولا من خلال نشاطات اللقاءات السنوية، بل عبر الربط ما بين المشاريع المتعددة التي يقوم عليها، وأبرزها ما أطلق عليه وصف خدمات السلام أو خدمات توطيد السلام.
وكانت منطقة البلقان في موضع اهتمام خاص بين القضايا الإقليمية التي وجدت البحث في منتدى عام 2000م، ودار محور متابعة أحداثها حول مدى استقرار الوضع لتحقيق ازدهار اقتصادي بعد الاقتتال، وما إذا كانت حلقة العنف قد انكسرت في كل من البوسنة والهرسك وكوسوفا، ثم ما مستقبل العلاقة بين الألبان والسلاف.. هل هي العداء الأبدي أم تتحوَّل إلى علاقة شركاء في السلام. ويمكن أن نربط بالمنطقة محاضرات أخرى مثل "صفقة مع حقبة التمييز العرقي" أو "مجتمعات مزقتها الحرب: طريق إلى الاستقرار" وغيرها.
ورغم إفساح المجال لندوة عرضت "درسًا من التاريخ.. مواجهة التحديات في إيران الحديثة" إلاّ أنه كان من الملاحظ اقتصار المشاركة في تقديم الندوة على ضيفي إيران وزير الخارجية كمال خرازي، ونائبه محمد حسين عادلي، وبإدارة الأستاذ الجامعي للدراسات الإسلامية في جامعة جورج واشنطون الأمريكية سيد حسين نصر.
وكان للوزير الإيراني مشاركة ثانية في ندوة عن مستقبل منطقة قفقاسيا.. ولكن بقيت بعيدة عن الشيشان، فكان المحور الرئيسي لنقاط النقاش فيها يتناول الجوانب الاقتصادية، ولم يكن سوى ذلك متوقعًا حسب المشاركين الآخرين في الندوة، وهم رؤساء قيرغيزيا وأذربيجان وأرمينيا ورئيس وزراء قازاقستان.. وجميعهم على ارتباط بموسكو ارتباطًا لا يتوقع معه أن يتعرّض إلى أحداث الحرب الجارية في مثل هذا الملتقى الدولي.
وصحيح أنه لا ينتظر من المنتدى أن يجمع في لقاء سنوي سائر القضايا الإقليمية وإن اعتبر نفسه على أعلى المستويات العالمية، إنما يمكن من جهة أخرى إلقاء نظرة على نشاطاته ومنشوراته خارج نطاق اللقاء السنوي، فنجدها تمتدّ من روسيا التي تقف على مفترق طرق كما يقول عنوان أحد المشاريع، إلى نظرة استشرافية لمستقبل سريلانكا.. ثم نبحث بين عناوين تلك النشاطات والمنشورات حول قضايا إقليمية أخرى من المفروض -وقد أهملتها بعض الجهات الدولية من منطلقات مصلحية أو أمنية- ألاّ تهملها مؤسسة ترى لنفسها دورًا رائدًا في الميدان الفكري والحضاري الإنساني، دون تمييز أو دون طلب منفعة ذاتية حسبما يعرف المنتدى بنفسه.. ولكن لا نجدها بين 27 عنوانًا نشرها المنتدى في موقعه الشبكي حول نشاطاته تلك.
ويلفت النظر في الملتقى نفسه عدم التعرُّض لقضية حية منذ سنوات مثل كشمير.. مقابل التعرض للإصلاحات الاقتصادية في الهند، ولا نجد اهتمامًا بقضية التيبت.. مقابل الاهتمام بالإصلاحات الإدارية والاندماج العالمي من جانب الصين الشـعبية.. ويمكن المضي في الأمثلة أكثر من ذلك؛ إذ نفتقد قضيـة الصومال، أو قضية الجنوح إلى اليمين في السـاحة السياسية الأوروبية بما يشمل الأحزاب "اليسارية".. فضلاً عن قضية من قبيل "البطالة" .. وعلاقتها بظاهرة العولمة، أو سوى ذلك من قضايا مطروحة بإلحاح، ولا يعطيها المنتدى المكانة التي أعطاها لسواها.. وبغضِّ النظر عن الكيفية والاختلاف عليها.. فلا يعني ما سـبق الدعوة إلى إهمال ما انصبت عليه الجهود من قضايا، وإنّما الدعوة إلى عدم إهمال سواها، فذاك ما يصنعه صانعو القرار فيما يسمى "الأسرة الدولية" حتى باتت تلك القضايا من القضايا المنسية، وبات أصحاب الشأن فيها منبوذين خارج نطاق الأسرة الدولية.. فهل هذا ما ينتظر من منتدى يعتبر نفسه بمثابة محضنة من محاضن الأفكار لإيجاد مستقبل أفضل للبشرية.. دون تمييز!..
مركز بيريز للسلام
كان وجود شمعون بيريز في المنتدى مركزًا على ما يرتبط بفلسطين - أوما يسمى الشرق الأوسط - بمشاركة عرفات وأولبرايت، فضلاً عن النزاع الكلامي مع وزير الخارجية المصري عمرو موسى، ثم في الندوة الختامية تحت عنوان "الوقاية من النزاعات في القرن الميلادي الحادي والعشرين، والتي تضمَّنت الإعلان عن المبادرة الدولية لحوار الثقافات.. علاوة على وجوده في ندوة تعتبر في صميم ما يرغب فيه، وقد تناولت الوقاية من تكرار ما شهدته الخمسون سنة الماضية.. والمشاركون في الندوة من المشاهير في اختصاصاتهم، مثل فرانسيس فوكوياما (Fukuyama) في العلوم السياسية، وباول كنيدي (Kennedy) في التاريخ، بينما يبدو أن مشاركة بيريز ارتبطت بالرغبة في التركيز على التعامل مع ما صنعته النازية وأطلق عليه وصف المحرقة.. وما إذا كان هذا الإرث النازي قد وجد ما يكفي من الاهتمام حتى الآن.
على أن الوجود الحقيقي لبيريز في المنتدى يتجاوز حدود الملتقى السنوي، ويعطي عن المؤسسة انطباعًا آخر غير الذي تتركه النظرة السطحية إلى نشأته كفكرة إيجابية، وغلبة الجوانب المصلحية الاقتصادية عليه مع الزمن، وتحوّله تدريجيًا إلى وسيلة من الوسائل التي يستعين بها رجال المال والأعمال لتحقيق أهدافهم.. فجميع ذلك صحيح، ولكنه يغفل عن الجانب الرئيسي في دور المنتدى كمؤسسة دائمة الوجود والنشاط، وليس كلقاء سنوي يشمل عددًا من المحاضرات والندوات ومن اللقاءات الجانبية بين صانعي القرار.. وهذا الجانب هو توفير محاضن تخرّج جيلاً جديدًا من المهيئين لمتابعة طريق صانعي القرار الآن.. وبتعبير آخر يساهم منتدى دافوس بالعمل على تجنّب حدوث تغيير، وليس في متابعة التطوّر ومواكبته، وبالعمل على ترسيخ المزيد من الهيمنة باسم العولمة بدلاً من معالجة العواقب الظاهرة للعيان كما يبدو للوهلة الأولى أنه يصنع من خلال الملتقى السنوي على وجه التخصيص.
والمحاضن المشار إليها هي في مقدّمة ما يجمع بين المنتدى من جهة ومركز بيريز للسلام من جهة أخرى، في سلسلة من المشاريع التي لا تقتصر على الساحة الفلسطينية، وحملت عنوان "نحو السلام" الذي يفصل في الحديث عنه موقع شبكي يتفرع عن منتدى دافوس بعنوان www.economicforum.org/ttp
انظر: بيريز يدعو لتغيير المناهج وموسى يعترض
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|