English

 

الأحد. فبراير. 6, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

ظاهرة العولمة.. العالم كُلَّهُ أصبح غربًا

نبيل شبيب

ممّا يشير إلى التوقعات المستقبلية المترتبة على ظاهرة العولمة، كما يراها القائمون على منتدى دافوس والمشاركون فيه من عالم الاقتصاد والسياسة والفكر.. تخصيص ندوة للتساؤل.. ما مستقبل الدولة القومية؟ وأخرى للتساؤل.. هل لا يزال الغرب قائمًا؟ وفي الأولى يأتي التعبير عن ذوبان الدول بأشكالها التقليدية أو على الأقل ذوبان مفعول حدودها ومدلول استقلالها وسيادتها، أما الندوة الثانية فعلى النقيض من ذلك لا تعبر عن ذوبان الغرب، بل عن أنّ العالم كله أصبح "غربًا".. والمثال الأول على ذلك هو انسياح الغرب فيما كان يعرف بالمعسكر الشرقي، بانسياح المال استثمارًا وقروضًا.. وانسياح السلطة عبر المنظمات الإقليمية والاتفاقات الثنائية.. وانسياح الفكر عبر تبني المناهج السياسية والاقتصادية. وهذا في الواقع ما تعبّر عنه نظرية فوكوياما عن "نهاية التاريخ"، ولعل هدوء الضجة حولها لا يعني إسقاطها بالضرورة، بل يعني أن مدلولها انتقل من النظرية إلى التطبيق عبر شركات ومصارف مالية عملاقة.. وعبر تقنيات يعتقد أصحابها أنّهم يمتلكون بها صناعة القيم والعلاقات والأخلاق والأذواق لكافة البشرية.

وربما بقيت مناطق لم يصل إليها الانسياح الغربي.. ويرمز إلى ذلك عنوان ندوة ثالثة (مواجهة ما لم يتم إنجازه في القرن العشرين). وإن كان مضمون الندوة قد دار حول جوانب عملية بعيدًا عن الجانب الفكري، إلا أنه يتلاقى أيضا مع نظرية هينجتون حول صراع الحضارات، والتي ظهرت أيضًا في بداية الموجة الحديثة من العولمة.

الجدير بالذكر أن ظاهرة العولمة التي تثير القلق في الجنوب الأشد تضررًا من انتشار مفعولها ليشمل ميادين القيم العقدية والخلقية والجمالية.. علاوة على الميادين الاقتصادية والمالية وهوة الثراء والفقر قد بدأت تثير القلق في المجتمعات الغربية أيضًا، نتيجة ترسيخها للفوارق الطبقية، ولم تعد الاحتجاجات تقتصر على الكتابات الفكرية والإعلامية، بل تنعكس منذ فترة لا بأس بها في المظاهرات الاحتجاجية ونشاطات المنظمات غير الحكومية.

لقد كان من بين المتكلمين من الجنوب من تعرّض لموضوع العولمة بمنظار الجنوب، مثل الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن وحيد، وإن اقتصر على الجانب الثقافي.. وعلى ضرورة أن تتوفر للدول المعنية القدرة الكافية للحفاظ على خصوصياتها الثقافية، وهو ما قد يشير إلى دافع سياسي يرتبط بالوضع الاقتصادي الإندونيسي الحالي، واستمرار اعتماده على الارتباطات المالية والاقتصادية الدولية.. بل كان أقرب إلى تأكيد موقع هذه العوامل من ظاهرة العولمة منه إلى رفض آثارها عندما قال: إنّه لا ينبغي اعتبارها وحدها التي تتحكم في ظاهرة العولمة.

ونجد من داخل الغرب من يؤكد على الخصوصية الثقافية، وهو ما لا يقتصر على الموقف الفرنسي المعروف بهذا الصدد، بل يمتدّ إلى المجتمعات الأوروبية الأخرى، ولعل ممن عبر عن ذلك بصورة موضوعية في منتدى دافوس السياسي والخبير الاقتصادي الألماني كورت بيدنكوبف (Biedenkopf) في الدعوة إلى رفض القبول بعولمة مطلقة ولا حرية مطلقة لصالح الاقتصاد، وأشار إلى ما ينبغي تثبيته عند الحديث عن مراعاة الجانب الاجتماعي قائلاً: "الجانب الاجتماعي يعني اللغة، والثقافة، والتراث، والتاريخ.. وأودّ القول: إن 80-90% من سكان العالم يفهمون ذلك في إطار إقليمي" منكرًا بذلك شعار "عالمية القيم" المعروف في ساحة السياسة الغربية في الآونة الأخيرة، كما يستنتج بيدنكوبف من ذلك أن نظام اقتصاد السوق وحده لا ينبغي ولا يستطيع تحديد أوضاع المجتمع، بل ينبغي أن يكون للأجهزة السياسية الدور الأهم على هذا الصعيد.

ويعتبر بيدنكوبف في موقف شاذ عند مقارنته بآخرين يشغلون مناصب سـياسـية أو اقتصادية في الغرب، مقابل وفرة من يتخذون مواقف شبيهة بموقفه من قطاع الفكر والإعلام.. أما الصورة الأوسع انتشارًا بين المسئولين الغربيين، ويسري هذا على من استضافه المنتدى، فيمكن رؤيتها في كلام كريستين تود وايتمان (Witeman) التي تشغل منصب حاكم مدينة نيوجرسي، عندما تقر بالمخاوف المتزايدة تجاه ظاهرة العولمة -وهو موقف منطقي-، ولكن تضيف طارحة الموقف المرتبط بمنصب سياسي فتقول بعدم وجود بديل عنها، إنما المفروض تحسين مستوى إعداد الأفراد وتأهيلهم، مما يعني واقعيا المطالبة بإصلاح الإنسان ليتناسب مع العولمة ومعطياتها ونتائجها.. وليس إصلاح الظاهرة لتلبية احتياجات الإنسان.

عولمة الإنسان وزعامات المستقبل

الواقع أنّ الوسائل المشابهة التي طرحت على بساط البحث في منتدى دافوس ولتعزيز مسيرة العولمة في المستقبل لا تعرف الحدود ولا الضوابط، ولا تستند إلى منطق، ناهيك عن القيم والمثل.. وليس المقصود بذلك ما يغلب على الأذهان أحيانًا وتكشف عنه المتابعة المركزة للنشاطات الاقتصادية والمالية من ظاهرة العولمة فحسب، فذاك ما يتولاه أصحاب المال والأعمال، عبر مؤسساتهم العملاقة، وعبر حكومات بلدانهم الأم في الغرب، وعند الضرورة عبر منظمات دولية وضغوط عسكرية.. وغير عسكرية.. ولكن المقصود ما يهتم بعولمة الأخلاق والأذواق وعولمة العقائد والأفكار.. وإذا صح التعبير لا يراد عولمة "ما يملك" الإنسان من طاقات مادية يبني بها حضارته ويصنع تقدمه، بل يراد "عولمة الإنسان" ليكون أسير ما يصنعه فريق من البشر يمتلكون ناصية الإمكانات المادية والثروات البشرية في الوقت الحاضر.. وهنا يبرز الدور الأهم لمنتدى دافوس، والذي يتركز على نشاطات في ميادين "مستقبلية" أخرى، لا يبدو اللقاء السنوي في إطارها أكثر من ساحة "دردشة".

إن دور بعض المؤسسات من مستوى منتدى دافوس يتركز على:

(1) صناعة الأرضية العالمية المناسبة.. عبر الأجواء الفكرية والتربوية والإعلامية.

(2) تأهيل جيل جديد لتنفيذ المطلوب في مراحل مستقبلية قريبة وبعيدة، (انظر الصفحة الفرعية من موقع المنتدى: http://www.davos.org/glt عن قيادات عالمية للمستقبل)، وذلك على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والإدارية والتوجيهية والتعليمية والإعلامية والعسكرية وغيرها.

وفي هذين المجالين بالذات تنصبّ حصيلة المشاريع الرئيسية التي يقوم عليها المنتدى، والتي لا يتوقف النشاط بصددها على الملتقى السنوي، بل هي التي تمثل النشاط الحقيقي المتواصل على مدار العام.. وكان بعضها موضع اهتمام خاص أثناء لقاء عام 2000م، ومنها على سبيل المثال:

- المشروع التعاوني التنفيذي.. للبحث عن عناصر متعاونة في أنحاء العالم وتدريبها في ميادين إدارة الأعمال والشئون القانونية والثقافية...

- مشروع لخدمات شبكية عالمية.. ويفتح المجال لتقديم المشورة للحياة المهنية في ميادين معينة، ويريد أن يصل بذلك إلى مختلف بلدان العالم.. وقد بدأ تشغيل موقعه الشبكي www.pwcglobal.com في 27/1/2000.. عشية بدء منتدى دافوس.

- مشروع الزعماء المبدعين في ميادين العولمة.. بالتعاون مع مؤسسات وشركات أخرى

- مشروع القيادات الاستراتيجية.

ويمكن الاطلاع على المزيد عن هذه المشاريع وأهدافها على العنوان الشبكي التالي لصفحة المركز والمشاريع من موقع منتدى دافوس http://www.davos.org/centres.nsf/Documents/Home+-+Centres


  كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم