|
لم تكد تخلو كلمة أو ندوة من فعاليات منتدى دافوس ممّا دار الحديث فيه عن قضايا اقتصادية أو مشكلات اجتماعية أو مسائل فكرية أو ظاهرة العولمة، بل حتى الفعاليات المخصصة للتقنيات الحديثة.. إلا وتعرّض المتحدثون فيها إلى هوة الثراء والفقر بين الشمال والجنوب وضرورة ردمها أو الحد منها.
وبالمقابل لا يكاد يمكن رصد موقف واحد من جانب المتحدثين من البلدان الصناعية بالذات، يدعو إلى تعديل حقيقي في الممارسات العملية الماضية التي أوصلت إلى تلك الهوة في إطار النظام الاقتصادي والمالي العالمي، كما نشأ بعد الحرب العالمية الثانية مستندًا إلى المدرسة المتشددة من بين المدارس الرأسمالية آنذاك.. ومر فترة من الزمن بمسحة اجتماعية وقائية من تأثير الشيوعية، ثم عاد فبلغ ذروة التشدد الرأسمالي في اصطباغ ظاهرة العولمة بعنصر الهيمنة أكثر من سواه، بعد سقوط الشيوعية.. وإن كانت البداية للتشدد الرأسمالي قد ظهرت مبكرة نسبيًا في البلدان الأبعد جغرافيًا عن المعسكر الشيوعي، واقترنت باسم ريجان الأمريكي وتاتشر البريطانية.
لم تصدر دعوات كلامية على الأقل إلى ممارسات عملية محددة المعالم لمواجهة عواقب هوة الثراء والفقر واستفحال أمرها.. رغم تكرار التحذير الكلامي بصددها، وبلهجة حماسية أحيانًا، وبالمقابل لم تنقطع طوال أيام المنتدى الخمسة، دعوات زعماء الشمال السياسيين والاقتصاديين، إلى متابعة ما سبق من جهود تحت عناوين معروفة وباتت مشبوهة، مثل تحرير التجارة، وتأمين الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز سيطرة القطاع الخاص على المرافق والخدمات العامة لا القطاعات الصناعية والتجارية والمهنية فقط، علاوة على تقنين حماية نشاطات الشركات العملاقة عبر الحدود، وضبط ملكية براءة الاختراعات وفق أنظمة معيَّنة من شأنها ترسيخ هوة التخلف والتقدم بدلاً من ردمها.
ولم يكن في إمكان المتكلمين في دافوس.. حتى أشدّ المتحمسين لتلك الدعوات من بينهم، أن ينكروا ما ثبت من أضرار عن طـريقها خلال تطبيقاتها العملية في العقود الخمسين الماضية وما بلغ ذروته في عقد العولمة الأخير من القرن الميلادي العشرين، ولكنهم يعتبرون الفوائد أكبر من الأضرار.. وهذه مقولة من الضروري تصحيحها، أو تكملة الجزء الناقص فيها: إن الفوائد المتحققة في الشمال، والمتركزة أكثر لصالح طبقات معينة من سكانه هي أكبر في نظر المتحدثين من داخل تلك الطبقات من الأضرار المتحققة في الجنوب عمومًا، والمتركزة على النسبة الأعظم من سكانه، فضلاً عن فئات لا بأس بها من الشمال.
ومن تابع في السنوات الماضية.. بل منذ حوار الشمال والجنوب ما يطرح من أفكار من جهة.. وما يتحقق على أرض الواقع العملي من جهة أخرى يعلم بصورة قاطعة أنّه لا ينتظر أي فائدة ممّا شهده منتدى دافوس من دعوات لمواجهة عواقب هوة الثراء والفقر، عبر نداءات موجهة إلى أصحاب المال والأعمال أن تضبط الشركات المعنية نفسها بنفسها طواعية، وأن تراعي بنفسها دون تقنين ملزم لها ما ينبغي أن تراعيه من العوامل الاجتماعية الإنسانية إلى جانب المردود الاقتصادي الذي تسعى إليه.. ولا حاجة إلى السؤال عن صدى النداءات، ثم لو كان إيجابيًا فكيف تتصرف تلك الشركات إن تعارض الهدفان، الاقتصادي المصلحي، والاجتماعي الأخلاقي؟.. هل تعطي الأولوية على ما تريد تحقيقه من أرباح مالية ومكانة مهيمنة عالمية، لصالح البعد الاجتماعي الضروري في التعامل مع البلدان النامية وسكانها.. بعد أن أصبحت وأصبحوا ضحية النظام المالي والاقتصادي العالمي في السنوات الخمسين الماضية؟
بيل كلينتون:
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156089792 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
| |
رغم وجوده سبعة أعوام في السلطة لم يشارك الرئيس الأمريكي في منتدى دافوس إلا في العام الميلادي الجاري لأول مرة، وكانت كلمته حافلة بالحديث عن مزايا العولمة وحرية التجارة، ومن ذلك قوله: إنه لم يسبق أن شهد العالم ازدهارًا اقتصاديًا قويًا كما يشهده في الوقت الحاضر، وهذه عبارة تشير إلى أنه لا يرى في العالم سوى الدول الصناعية التي يعيش فيها أقل من 20% من البشرية. ولا يمكن التغطية على تلك النظرة المحصورة برفاهية الدول الصناعية، بل والمحصورة برفاهية الأمريكيين فقط.. عن طريق عبارات عامة أخرى من مثل قوله: "يجب أن نضع نصب أعيننا على الدوام أن الأسواق المفتوحة والتجارة الحرة المنظمة هي أفضل الوسائل لتحسين مستوى معيشتنا، والحد من تدمير البيئة الطبيعية، ولتحقيق الرفاهية.. يسري هذا على ديترويت (المدينة الأمريكية) كما يسري على دافوس وعلى داكا أو داكار..؟
ويحذِّر كلينتون بصورة غير مباشرة من عدم جدوى مقاومة هذا التطور قائلاً: إنه لا يمكن وقفه، ومستشهدًا على ذلك بالثورة التقنية، فقد بدأ عهده ولا يوجد سوى خمسين صفحة شبكية، والآن يوجد خمسون مليون صفحة.
ولعله أخطأ التقدير؛ إذ يوجد حاليًا 600 مليون صفحة في الشبكة.. ولكن الأرجح أنه قصد ما يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية فقط.. وهذا مما يشير إلى المغزى من قوله: "إن العولمة حقَّقت من الرفاهية والحرية ما لم يتحقق مثله من قبل"، فالكلام يقيس بما تحقَّق أو لم يتحقَّق في المجتمع الأمريكي، وهذا مع ضرورة ملاحظة أنّ الرفاهية والحرية تتركّز داخل البلدان الصناعية الديمقراطية نفسها على طبقة محدودة، وتشهد على ذلك التقارير الرسمية السنوية التي تؤكد أن هوة الفقر والثراء داخل المجتمعات الرأسمالية ازدادت عمقًا واتساعًا خلال السنوات العشرة الماضية، ولا يوجد حتى الآن ما يشير إلى توقّف هذا التطور السلبي.
وحاول كلينتون من خلال مقارنات عديدة تأكيد أن الدول النامية التي فتحت أبوابها قبل سواها على حرية التجارة، مثل كوريا الجنوبية، حقَّقت نموًا اقتصاديًا لم تحققه دول نامية أخرى تأخَّرت في هذه الخطوة.. وبغضِّ النظر عن العواقب الطبقية الناشئة في البلدان التي يعنيها، لم يذكر مثلاً ما فتحته العولمة في تلك البلدان بالذات، مثل كوريا الجنوبية وسواها في جنوب شرق آسيا من ثغرات خطيرة، حتى أمكن من خلال مضاربات بعض الأثرياء الأفراد في الغرب الأمريكي أن يسببوا أكبر أزمة شهدتها المنطقة، وكانت أزمة مالية واقتصادية وذات عواقب سياسية مستمرة حتى الآن، فضلاً عن النتائج الاجتماعية.
ودعا كلينتون الدول الصناعية إلى حمل مسؤوليتها لتخفيف هوة الثراء والفقر التي اعترف بازدياد حجمها، ولكنه لم يورد مثالاً ما على ميادين محددة لحمل تلك المسؤولية، باستثناء مكافحة مرض نقص المناعة المكتسبة في إفريقية.. بالإضافة إلى دعوة عامة تتكرَّر منذ بضعة عشر عامًا لتخفيف أعباء الديون عن البلدان الأفقر من سواها.
ولم يغفل كلينتون عن تأكيد عدم وجود بديل عن منظمة التجارة الدولية، ولا غرابة في ذلك، فمنذ تأسيسها وفق اتفاقية عالمية جديدة.. حصلت الولايات المتحدة الأمريكية على ما يوصف من نصيب الأسد من العائدات الإضافية، وما تزال تسعى لاتفاقات إضافية على النهج نفسه، كما ظهر من إخفاق آخر لقاءات المنظمة بعد الخلافات الشديدة مع الأوروبيين.
توني بلير:
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156090004 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
| |
يتفق رئيس الوزراء البريطاني توني بلير فيما طرحه من أفكار في كلمته يوم الجمعة مع ما طرحه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون من أفكار في اليوم التالي من المنتدى، وإن اختلف أسلوب الحديث دون المضمون، وقال بوضوح: إنه من أنصار العولمة رغم ما تسببه من تغييرات اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى، وأضاف أنه "يتفهَّم" المخاوف الناشئة عن ذلك على مستوى السكان، وهذا ما ينبغي أن تأخذه الحكومات مأخذ الجد. ولكن كيف؟..
لا يوجد جواب مباشر، ولكن يتضمن حديث رئيس الوزراء البريطاني الدعوة إلى إعطاء الحكومات دورًا أكبر لتأمين العدالة الاجتماعية.. وهو ما يعني واقعيًا الترويج في منتدى دافوس لما يوصف بنظرية الطريق الثالث على الصعيد الاقتصادي، كما سبق طرحها في ورقة عمل مشتركة بين بلير كزعيم لحزب العمال البريطاني، والمستشار الألماني جيرهارد شرودر كزعيم لحزب الديمقراطيين الاشتراكيين في بلده، وتكرَّر الحديث عنها في مؤتمر جمع ست دول غربية في إيطاليا في أواخر عام 1999م.
وفي حديثه عن تطور التقنيات الحديثة.. لم يخرج بلير عن نطاق ما دعا إليه أصحاب الشركات الكبرى في المنتدى، لا سيما على صعيد مستقبل التجارة الشبكية، ولكنه تعرّض للزعامة الأمريكية في المضمار التقني الشبكي، قائلاً: إنّ من الممكن أن يتبدل ذلك خلال فترة وجيزة وأن تتمكن أوروبا من انتزاع الزعامة في بعض هذه التقنيات، مثل توزيع المواقع الشبكية وتقنية الهاتف الخلوي.
والجدير بالذكر أن الاتحاد الأوروبي طالب رسميًا بإدراج حروف جديدة في نهاية عناوين المواقع الشبكية، لتمييز مواقع الشركات الأوروبية الراغبة في ذلك بحرفين (eu ) يرمزان إلى الاتحاد الأوروبي كبديل عن حروف (com) التي ترمز إلى عناوين المواقع الشبكية التجارية في الدرجة الأولى، والتي تسيطر على توزيعها الولايات المتحدة الأمريكية
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|