|
| الاستفادة من دافوس تتطلب طريقة تفكير عربية جديدة
|
جنيف- للعام الثالث على التوالي يعقد المنتدى الاقتصادي العالمي دورته على ضفاف البحر الميت "يومي 20 و21 مايو 2005 لبحث مستقبل المنطقة الاقتصادي، والمشكلات التي تعوقها" حسب بيانات المنتدى الذي يتخذ من جنيف مقرا له، وجرى العرف على تسميته تجاوزا بـ"منتدى دافوس" نسبة إلى المنتجع الشتوي الذي يعقد فيه جلساته السنوية منذ أكثر من 30 عاما.
إدارة المنتدى في جنيف أكدت قبل التوجه إلى البحر الميت أن التحديات التي تواجه الشرق الأوسط كبيرة، لا سيما أن المنطقة تمر بمرحلة تمهيدية نحو الإصلاح، وقال: إن الإصلاح في المنطقة العربية أصبح ضرورة ملحة، وليس خيارا تختلف الأنظمة على الأخذ به أو تركه جانبا.
ولا يتشكك أحد في صحة هذا القول وأهميته، لكنه لا ينعكس على واقع أعمال المنتدى بشكل كبير، حيث تضم برامجه حلقات النقاش في موضوعات (العراق، الاستثمار في المنطقة، وأمن المياه... وغيرها) قُتِلت بحثا وطرحا، ونتائجها معروفة، وغابت عن برامج المنتدى الحلول العملية للخروج من تلك الدائرة المغلقة، وهي الحلول التي يجب أن يتم طرحها من الجانب العربي، الباحث عن الاستفادة، بدلا من أن يبقى دائما حبيس موقعه التقليدي كـ"مفعول به" ينفذ ما يأمر به الآخرون.
وإذا كانت مثل تلك المنتديات الاقتصادية تنعقد رغم كل الانتقادات الموجهة إليها، فلماذا لا يمكن الاستفادة منها بشكل يحولها لفائدة القاعدة العريضة من المجتمعات العربية، بدلا من حصر استفادتها في منظومة رجال الأعمال؟
من الممكن الوصول إلى هذا الهدف، إذا كان حضور الأطراف العربية، سواء من القطاع الخاص أو على المستوى الرسمي ومنظمات المجتمع المدني مزودا بأجندة خاصة، تجمع فيها بين الانتقادات والمشاريع الحاضرة التي تنتظر رؤوس الأموال ومقترحات لبعض الحلول للمشكلات التي ترى أنها قائمة بالفعل.
إذا توفرت تلك الشروط -وهي في واقع الأمر ليست تعجيزية لكل من يسعى بالفعل للوصول إلى نتيجة إيجابية- فإن إمكانيات الحوار تكون ممهدة مع الأطراف المعنية بالأمر، وهم هنا أصحاب رؤوس الأموال، ومديرو الشركات الكبرى والساسة أيضا وصناع القرار.
فمن المعروف أن الشركات الكبرى التي تشارك في المنتديات الاقتصادية الهامة تتعامل مع المقترحات العملية بشكل يختلف عن التعامل مع الهجوم المطلق، فإذا تقدمت إحدى الجمعيات بسيل من الانتقادات، فسوف تذهب مداخلتها هباء، وفي أحسن الأحوال قد تترك أثرا بسيطا يمكن التفكير فيه فيما بعد، أما الجمعيات التي تقدم هذا الانتقاد مرتبطا بمشكلة عملية وواقعية وترفقه ببعض الحلول أو الأفكار، فإن الأمر هنا يدور في اتجاه إيجابي.
فعلى سبيل المثال عند الحديث عن مشكلة البطالة بين الشباب العربي في بلد ما، فهي مشكلة ليست بالجديدة بل معروفة، وبدلا من البحث في الأسباب والخلفيات والملابسات والانعكاسات التي قُتلت بحثا، يجب طرح الحلول مباشرة التي سهر الخبراء على إعدادها في دراسات ومؤتمرات مختلفة، وتلك الحلول ليست سوى الطرح المباشر للمشروعات التي تحتاج إلى رأس المال.
حافة الغرق
ومع الأسف فإن أسلوب مثل تلك المنتديات يعتمد على إغراق الطرف الضعيف في بحر من عبارات المخاطر والمشكلات المحدقة، حتى يشعر بأنه على حافة الغرق، ثم يمد له أصحاب المال يد العون من المنطلق الذي يناسبهم هم ولمصلحتهم وفائدتهم أولا أخيرا، بحيث يتصرف من منطلق أن الجانب الضعيف الغارق في المشاكل ليس لديه حلول أو رؤية خاصة عملية وفعالة، وبالتالي فإنه على استعداد للقبول بكل ما يتم تقديمه له، وسيقبل به بعد أن كاد يصل إلى حافة الغرق في "بحر المخاطر الجسيمة"، وهو ما يحدث إلى اليوم مع الأسف الشديد في كثير من المنتديات الاقتصادية.
إن الصورة الكلاسيكية التي تعودت عليها أغلب الأجهزة العربية عند مشاركتها في مثل تلك المنتديات تبدو الآن متخلفة للغاية، فالمستثمر لا يريد أن يسمع عن الإمكانيات المتاحة والقوانين التي تم تعديلها، ومساحات الأرض الشاسعة للبناء والزراعة، لأنه يعرفها من خلال التقارير الدورية التي تعدها السفارات والملحقيات التجارية، ولكنه يريد أن يسمع عن مشروع جدي ومتكامل يستطيع أن يبدأ فيه مباشرة.
تجربة سنغافورة وماليزيا
ولعل تجربة دول مثل سنغافورة وماليزيا في هذا المجال تثير الانتباه إلى البون الشاسع الذي تستخدمه تلك الدول مقارنة مع الدول العربية في لغة الخطاب المستخدم داخل المنتديات الاقتصادية تحديدا.
فعلى سبيل المثال قدمت مجموعة من الباحثين الأكاديميين الماليزيين في الدورة الأخيرة للمعرض الدولي للمبتكرين والمخترعين في جنيف مجموعة لافتة للنظر من الاكتشافات العلمية ذات التطبيقات الصناعية الهامة، ولاحظت من حديثي مع الباحثين أنهم لا يتكلمون فقط عن القيمة العلمية لما توصلوا إليه، بل أيضا عن الجانب الاقتصادي له، وبطبيعة الحال فإن مثل هذا الأسلوب هو الذي يشجع المستثمرين على النظر بجدية واحترام إلى من يتحاور معهم.
كما استقطبت سنغافورة رؤوس الأموال الأجنبية في مشاريع هامة للغاية من خلال دراساتها الجدية للمشروعات التي ترى أنها متميزة عن الآخرين، فعندما أعد الباحثون تقارير هامة عن الأمراض الاستوائية في جنوب شرقي آسيا، وربطوا الجانب الطبي بالناحية الاقتصادية سواء من ناحية التأثير على الإنتاج أو إمكانيات تصنيع العلاج -لم تتردد واحدة من كبريات شركات صناعة الدواء السويسرية في أن تفتح معهدا بحثيا متخصصا في هذه الأمراض في سنغافورة، هو الوحيد من نوعه في العالم.
ولولا الدراسة الاقتصادية التي أعدتها سنغافورة حول تلك المشكلة الصحية لاكتفى العالم بسماع نداءات منظمات الأمم المتحدة، وعشرات جمعيات المساعدات الإنسانية التي لم تمل من المطالبة بحلول لمشكلة الأمراض الاستوائية.
وعندما تفوقت سنغافورة في دراسة أوضاع التعاملات المصرفية في دول المنطقة الآسيوية، وأعدت مجموعة من التقارير المتميزة حول حركة المعاملات المالية هناك ونشرتها بشكل أكاديمي أمام متخصصين عالميين، زحف إليها المعهد السويسري لتأهيل موظفي البنوك ليفتتح فرعا في سنغافورة، ولو كانت منظمات المجتمع المدني طالبت واستنجدت ليل نهار لفتح هذا الفرع هناك، لما وجدت آذانا مصغية تستمع إليها.
إن عالم الاستثمارات اليوم، وبحكم تيار العولمة الجارف، لم يعد يسمح بضياع وقت كبير في مفاوضات تدور بشكل بدائي، والمستثمر لا يبحث عمن يقول له "أهلا وسهلا لدي كل ما تريد"، ولكنه يرحب بمن يقول له "هذا مشروعي وهذه فوائده".
اليد العليا واليد السفلى
ومن المفترض في مثل تلك المنتديات الاقتصادية ذات البعد الدولي أن يكون المتحاورون على مستوى واحد من ناحية البحث عن المشاكل ودراسة الحلول وليس على طريقة "اليد العليا واليد السفلى"، أي هذه مشاكلكم وهذه هي حلولكم كما نراها، بل من المفترض أن تكون على شكل آخر؛ فعندما يقولون في البحر الميت "عندكم بطالة... إلى آخره"، نقول "نعم ولسدها لدينا هذه المشاريع ونحتاج إلى تمويل".
وإذا قالوا "نظامكم المصرفي متخلف"، نقول "نعم نعرف وهذه هي الحلول لتطويره فأين تمويلكم؟"، وإذا أشاروا إلى "ضرورة دعم الشركات الصغرى والمتوسطة"، نعترف ونعرض رؤيتنا الواقعية لتطوير تلك الصناعات ونطالبهم بدعمها، وإذا أنذروا بأن البيئة في خطر والماء في تراجع، نرفع الدراسات التي أعددناها في هذا المجال والمشروعات التي تنتظر رأس المال.
إن تجربة المشاركة في المنتديات الاقتصادية والمؤتمرات الدولية تؤكد حقيقة هامة للغاية وهي "إذا اكتشف رأس المال أنك لا تعرف، فسيضعك أينما يريد هو ليستفيد وتبقى أنت كما أنت تحتاج إليه دائما، وإذا اكتشف أنك تعرف، فسيتعاون معك، وتعم الفائدة على الجميع، وسيحرص عليك؛ لأنه مضطر للاستفادة من معرفتك وعدم ذهابها إلى آخر".
صحفي عربي يعيش في سويسرا.
|