|
في كلمته الافتتاحية.. أكّد رئيس المنتدى كلاوس شفاب (Schwab) على أهمية موضوع "مستقبل الشبكة" في إطار اللقاء السنوي الأول في القرن الميلادي الحادي والعشرين، واعتبر "الثورة الشبكية" هي الظاهرة الرئيسية الأولى التي تواجهها الأسرة البشرية الآن.. ولكن كيف تواجهها في نظر المشاركين في المنتدى؟
في الوقت الحاضر لا تتجاوز نسبة استخدام الشبكة 2% من سكان العالم وبمعدل ساعة واحدة يوميًا، وهذا ما ارتفعت نسبته عما كان عليه قبل عام واحد، ولكن ما يزال دون ما ينتظر في المستقبل القريب، حيث تصل التقديرات إلى زيادة عدد مستخدمي الشبكة خلال ثلاثة أعوام إلى عشرة أضعافه حاليًا على الأقل.
وتريد الشركات الكبرى إنفاق آلاف المليارات لدعم التجارة الشبكية بين الشركات ومع العامة من الناس، ولقد ورد تأكيد ذلك والتنويه بأهميته على لسان عدد من المسؤولين السياسيين في كلماتهم التي ألقوها، رغم أنّ برنامج المؤتمر يتضمن تخصيص عدد من الندوات له، بمشاركة الاختصاصيين وأصحاب العلاقة من القطاع الاقتصادي، على أن تكرار الإشارة إلى قطاع التجارة الشبكية ينسجم مع مضمون الندوة الرئيسية التي دار موضوعها حول مستقبل الشبكة من بين ندوات أخرى ناقشت جوانب تقنية فيها؛ إذ أن كل متحدث مشارك في الندوة كان يركز على الجانب الذي يهم القطاع الاقتصادي الذي يعمل فيه، بغضِّ النظر عن الجوانب الأخرى..
يسري هذا أولاً على بيل جيتس (Gates) الذي استلم في هذه الأثناء منصب كبير المهندسين في قطاع البرمجة في شركة مايكروسوفت بعد اضطراره إلى الاستقالة من رئاسة مجلس إدارتها.. وشركته هي كبرى شركات البرمجة للحاسوب عالميًا، ولا غرابة إذن أن يعتبر "البرمجة" العالية المستوى هي المفتاح الأفضل للتطوير في قطاع الشبكة، ويريد -حسب قوله- أن يصل ببرامج شركته إلى توفير عنصر المتعة والفائدة في العمل عن طريق الشبكة "لكل فرد وهو جالس في منزله". ومن المعروف أن مخططاته المستقبلية في قطاع البرمجة تتركَّز في الدرجة الأولى على التمكُّن من استخدام الحاسوب عن طريق الكلمة المسموعة بدلاً من المكتوبة، وهذه التقنية الصوتية في استخدام الحاسوب في مقدمة التقنيات التي دعمها في دافوس ميشائيل ديرتوزوس (Dertouzos) -أحد مشـاهير علماء الحاسـوب الأمريكيين- من المعهد التقني في ماساشوسيت (Massachusett) وهو يدعو علاوة على ذلك إلى رفع مستوى العنصر الآلي في استخدام الشبكة لتحسين البحث عن المعلومة فيها.
ونجد الدافع الاقتصادي بارزًا أيضًا فيما أدلى به ستيفن كيز (Case) -رئيس كبرى شركات الوصل الشبكية عالميًا شركة (AOL) الأمريكية- الذي اعتبر النقطة الأهم هي معرفة مسـتخدم الشبكة بالسبل الأفضل للآليات التي تتوفر له من أجل استخدامها، وهذا ما يدخل في صميم خدمات شـركته، التي تابع الدعاية المباشرة لها أيضًا مشـيرًا إلى نمو عدد زبائنها وارتفاع نسبة استخدامهم للشبكة من ساعة واحدة في الأسبوع إلى سـاعة في اليوم الواحد، ومضيفًا أنّ: "هذا لا يكفي، ففي اليوم 23 ساعة أخرى".
ويمكن رصد رسوخ منظار المصالح الاقتصادية إلى مستقبل الشبكة في كلام عدد كبير من المشاركين الآخرين في المنتدى، فكلام "كيز" يتلاقى على أرضية واحدة -وحتى من حيث أسلوب التعبير- مع كلام كوبف (Koepf) -نائب رئيس الفرع الألماني لشركة كومباك (Compaq) الأمريكية: كبرى شركات صناعة الحاسوب الشخصي عالميًا-، وهو يؤكد حرص شركته على إنتاج حاسوبات مضمونة، فلا تتوقف لعطل فني عن العمل رغم تشغيلها 24 ساعة في اليوم، و7 أيام أسبوعيًا، وفق ما تتطلبه استخدامات الشبكة للأغراض التجارية. ويسري شبيه ذلك على بيرر (Pierer) -مدير اتحاد شركات زيمنس- وكان حريصًا على المشاركة في المنتدى في السنوات الماضية أيضًا، ومضى في تأكيد مستقبل شركته عن طريق الشبكة إلى درجة قوله: إن شركة زيمنس شركة شبكية، وليس مجهولاً أن ميدان عملها هو الإلكترونيات في الدرجة الأولى، وأنها اقتحمت المجال الشبكي حديثًا نسبيًا.
وجميع ما سبق وكذلك ما ورد من تصورات مستقبلية عن التقنيات التي لم تعد من نسيج الخيال فقط هو في حدود ما يستخدم وسيلة لمزيد من الثراء عن طريق مزيد من الخدمات التقنية.. المفيدة للبشرية من حيث الأصل.. كما أن تلك التقنيات مما يستمتع بالاطلاع عليه أي شخص عادي.. ولكن يلفت النظر في منتدى دافوس الذي جعل مستقبل الشبكة على رأس قائمة اهتماماته أنه لم يتطرق في ندواته عن الشبكة على مواطن تأثيرها على الإنسان على ثقافته وأخلاقه ومعتقداته، وعلى عاداته اليومية وعلاقاته الاجتماعية، ومستقبل عمله، وعلى خصوصياته وما وصل الستار الحاجب لحياته الشخصية ومراسلاته وهواياته وميوله من شفافية.. وغير ذلك من المسائل الملحة التي طرحتها ثورة الشبكة في العقد الماضي من السنوات.. فقد بقيت غائبة عن المنتدى، أو موضع الحديث على هامش فقرات موضوعات أخرى كمستقبل الأديان والصراع بين الطبيعة والدين، وكأن المنتدى الذي يقوم على فكرة تجمع بين الفكر والعلم والمال والسياسة والإدارة على أرضية واحدة انزلق في تنظيم برامجه إلى الفصل بينها من جديد، إذا أردنا تجنب القول باستهداف ذلك أصلاً.
وبتعبير آخر.. كانت هذه القضايا ذات العلاقة بالقيم خارج إطار الندوات التي من المفروض أن تستثير القادرين ماديًا على أخذها بعين الاعتبار في إطار استثماراتهم الضخمة وهم يخطّطون لمستقبل الشبكة وتقنياتها ويمولون ما يجري تنفيذه من ذلك.. ويتطلعون بطبيعة الحال إلى المنفعة المالية وسواها من المصالح المادية من وراء ذلك.
الثورة التقنية .. هندسة العناصر الوراثية دون ضوابط!
علاوة على الميادين التقنية المرتبطة بثورة الشبكة التي وضعها المنتدى على رأس قائمة اهتماماته مع أول لقاء سنوي يعقده في بداية القرن الحادي والعشرين.. يبرز للعيان من بين القضايا العلمية والطبية كعنوان لقطاع رئيسي من برنامج فعاليات اللقاء: توجيه اهتمام خاص لهندسة العناصر الوراثية، باعتبار ما تحقق من تقدّم على صعيدها في السنوات الأخيرة يمثِّل ثورة لا تقتصر على حدود ميدانها المباشر، بل يمكن أن تمتد لتشمل مختلف المجالات المعيشية الأخرى موضع الاهتمام علميًا واقتصاديًا، فضلاً عن الارتباط المباشر بين الأسئلة المستقبلية للثورة الوراثية -إذا صح التعبير- وبين الأسئلة المرافقة للإنسان منذ آدم -عليه السلام- بشأن القيم والسلوكيات الضابطة للحياة البشرية.
وكان رئيس المنتدى كلاوس شفاب (Schwab) قد أكَّد في كلمته الافتتاحية نظرته إلى الثورة التقنية في الهندسة الوراثية كإحدى الأحداث الكبرى المرافقة لبداية القرن الميلادي الجديد. وانعكس هذا الاهتمام فيما طرحته ندوات المؤتمر.. الذي لم يتعرّض بطبيعة الحال للجوانب العلمية المحضة، وقد تبنى بعض المتحدثين موقف التحذير من عواقب إطلاق الطاقة العلمية في هذا الميدان دون حدود ولا ضوابط، ولكن معظم الأسئلة المطروحة والمساهمات في محاولة الإجابة عليها كانت أقرب إلى التشكيك بالقيم نفسها.. تارة من حيث أصل قدرتها على القيام بدور الضوابط، وأخرى عبر التشكيك فيها ابتداء.. وكما كان في معالجة قضايا الثورة الشبكية وفصل الجوانب التطبيقية لها عن نتائج تلك التطبيقات في الحياة الفردية والعلاقات الاجتماعية، كذلك يلاحظ هنا أيضًا الفصل في طرح الموضوعات بين القضايا العلمية المحضة وما يمكن أن يصنعه العلماء والأطباء والخبراء على صعيد استكشاف عمل الدماغ بعد الذي تحقق في السنوات العشر الماضية مثلاً.. أو لمكافحة الإصابة بالانقباض، وقد باتت تكلف المليارات في المجتمعات المتطوّرة.. وطرح موضوعات أخرى يفترض وجود صلة وثيقة لها بقضايا التقدم الطبي والحيوي وغيره، فقد وضعت في ندوات مستقلة تحت عنوان "قضايا إنسانية"، حيث تطرح قضية من قبيل "قيمة التاريخ والتراث" أو من قبيل "الإنسانية والطبيعة والآلة".. فهنا اقتصر الطرح على الجانب الفلسفي والنظري، مع أن الميزة الأكبر التي من المفروض أن المنتدى يوفِّرها هو تلاقي الاختصاصات المتعددة، لطرح القضايا الكبرى من مختلف الزوايا، كما يراها عالم الطبيعة أو المفكر والمؤرخ، وكما يراها المارق على القيم الإنسانية أو رجل الدين
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|