English

 

الثلاثاء. نوفمبر. 8, 2005

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

انتفاضة فرنسا.. صوت المهمّشين

هادي يحمد

سيارة محترقة في إنتفاضة فرنسا
سيارة محترقة في إنتفاضة فرنسا

باريس- عندما اندلعت المواجهات قبل أكثر من أسبوع في حي "كليشي سوبوا" في الضاحية الشمالية للعاصمة باريس، وبالتحديد في منطقة "سانت سانت ديني" سيئة الذكر كما يعرفها الفرنسيون، ظن البعض أن الأمر يتعلق بأحداث عنف روتينية، تحدث كلما تسبب رجال الشرطة في موت شاب من أصول مهاجرة.

غير أن ثورة "كليشي سوبوا" امتدت في الزمان والمكان لتشمل تقريبا كل الأحياء الفقيرة في ضواحي المدن الفرنسية التي تقطنها جالية مغاربية وأفريقية، وهو ما دفعنا للتساؤل حول الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي فجرت هذه الأحداث وأحرقت فيها السيارات والممتلكات العامة والمتاجر، وكذلك الحلول المطروحة للتعامل مع هذه الأزمة.

حتى لا ينسونا

عندما تجولت عقب اندلاع الانتفاضة في أحد الأحياء الواقعة في منطقة "سانت سانت ديني" تحدثت إلى شاب من أصول عربية، ودعوته إلى أن يطالب أصدقاءه بأن يكف عن رمي السيارات بالزجاجات الحارقة؛ لأن "جون ماري لوبان" زعيم الجبهة اليمينية المتطرفة سيكون أول المستفيدين فيما يجري.

رد عليّ الشاب قائلا: "طيب عندما نتوقف عن إشعال النار ولفت الأنظار إلينا سننتقل إلى حالة الصمت والنسيان الكلي وسط بؤس الأحياء.. فمن سيتحدث عنا؟!".

إذن من هم هؤلاء الشباب الذين نسيتهم الجمهورية الفرنسية؟. هذا هو السؤال الذي طرحه المراقبون عقب امتداد الانتفاضة إلى أحياء أخرى؟.

 إنهم أبناء العمال المهاجرين من الجيل الثاني والثالث الذين قدم آباؤهم منذ بداية الخمسينيات في القرن العشرين للعمل في فرنسا، وتحولوا بمرور الزمن من وضعية الهجرة الوقتية إلى "الاستيطان"، أي مواطنين يفترض أنهم يتمتعون بنفس الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يتمتع بها كافة المواطنين الفرنسيين.

المفارقة أن هؤلاء الشباب الذين ولدوا في فرنسا وتعلموا في مدارسها، وسمعوا الشعارات الثلاثة للثورة الفرنسية: حرية، مساواة، أخوة، اكتشفوا أنهم فرنسيون من الدرجة الثانية، حيث لا يتمتعون بنفس القدر من المساواة مع بقية الفرنسيين خاصة على صعيد أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.

فأرقام البطالة في ضواحي المدن الفرنسية، حيث توجد الكثافة السكانية من أصول عربية وإسلامية تصل إلى حوالي خمسين بالمائة (تقديرات غير رسمية)، بينما تصل إلى 10 بالمائة بالنسبة للمجتمع الفرنسي بشكل عام.

ورغم أن الاقتصاد الفرنسي يحتل المركز الثاني في منطقة اليورو بعد ألمانيا، فإن مستويات الفقر في هذه الضواحي هي الأعلى في فرنسا، حيث تعيش أغلب العائلات على الإعانات الاجتماعية، وفي مساكن مزدحمة بالعائلات.

قنبلة المساكن الاجتماعية

أحياء ضواحي المدن الفرنسية تعرف عادة بأرقامها، مثل "عمارات 3000" في حي "كوناف" بمنطقة سانت سانت ديني، أو "عمارات 1000/1000" الشاهقة التي تحتوي على شقق تضم عشرات العائلات، وهي المساكن الاجتماعية المعرفة باسم "أحياء هاش ألم".

مثل هذه الأحياء تحولت بمرور الزمن إلى مشكلة تؤرق كل وزراء الشؤون الاجتماعية والداخلية، فهي أحياء تجمع فقط المهاجرين وأبناءهم بكل مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية.

وبفعل الفقر والتهميش والصور الإعلامية السيئة تحولت هذه الأحياء في أواسط ثمانينيات القرن العشرين إلى مكان للانحراف وتجارة المخدرات بامتياز. وأصبح الإعلام الفرنسي يتحدث عن "أراض غير تابعة لتراب الجمهورية"، وهي أحياء لا يمكن التجول فيها بأمان بعد الساعة الثامنة ليلا.

ومع بداية التسعينيات، تفاقمت هذه الصورة، حيث وصمت هذه الأحياء بأنها تحتضن "المارد الإسلامي" و"الإرهاب"، وبهذه الصفة الثانية تحولت هذه الأحياء إلى "جيتوهات حقيقية".

تهميش وظيفي

ولهذه الصورة أثرها الاقتصادي البالغ علي سكان تلك الضواحي، فقد خلفت وراءها نظرة تمييزية في الوظائف، فيكفي أن يشير طالب الوظيفة إلى أنه يقطن في منطقة "سانت سانت ديني" وأن اسمه مثلا كريم، حتى يتم رفض طلبه من قبل الشركات الفرنسية، وهو ما أكدته تقارير منظمة "إس إس راسيزم" (النجدة عنصرية) في عام 2005.

لقد أصبح الاسم والجذور العرقية والدينية ومكان السكن هو العائق الرئيسي لجيل كامل من الشباب ذوي الأصول المهاجرة، حتى وصلنا وبعد حوالي خمسين سنة نتحدث عن "عائق اندماج"، و"عدم قدرة الفرنسيين من أصول مغاربية وأفريقية عن الانصهار في المجتمع الفرنسي".

ولا ترتبط العنصرية الاقتصادية والاجتماعية ضد سكان الضواحي بمزاعم تمسكها بهوية آبائها، فحتى أولئك الشباب الذين "انسلخوا" كلية عن هوية أجدادهم وتحولوا إلى فرنسيين ثقافيا، فإن الكثير منهم تعرض للتمييز. ويكفي أن نشير إلى ما ذكرته منظمة "إس إس راسيزم" من أن المنع من دخول الملاهي الليلية أصبح إجراء مبرمجا ضد كل من يثبت أنه يحمل سحنة مغاربية.

إذن الحديث عن الاندماج الاقتصادي والاجتماعي وحتى الثقافي أصبح موصدا في المجتمع الفرنسي، حتى إن الحديث الأساسي لشباب الضواحي محوره عن التمييز والإحساس بالدونية. وفي المحصلة فإن هؤلاء الشباب أصبحوا يعيشون واقعا استثنائيا.

 ونتيجة التمييز متعدد المستويات الذي يواجهه سكان الضواحي الفقيرة، أصبح هؤلاء قاب قوسين من "الانفجار"، فكل الخبراء الفرنسيين أكدوا طوال فترة المواجهات وحرق السيارات أن هؤلاء "كانوا ينتظرون عاملا محفزا" وإذا لم يكن ما حدث في حي كليشي سوبوا فإن الأمر كان يتعلق بأي حي آخر من أحياء ضواحي المدن التي تتكدس فيها عائلات المهاجرين من أصول عربية وأفريقية.

اعتراف بالإخفاق

ولعل ثمة اعترافا فرنسيا بأن الأحداث كشفت عن أزمة اقتصادية واجتماعية غائرة في المجتمع الفرنسي، وهو ما وضح من تصريحات وزير التضامن الاجتماعي الفرنسي جان لوي بورلو الذي قال: "يتعين على الحكومة الاعتراف بإخفاقها في التعامل مع الغضب المتنامي في الأحياء الفرنسية الفقيرة في الضواحي منذ عقود".

كما اعتبر رئيس الوزراء الأسبق رولان فابيوس، والمرشح عن الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية المقبلة أن "هناك حاجة للتركيز على الصحة والسكن والتعليم والتشغيل لا أن نتصرف كالكاوبوي".

أما دومنيك دوفيلبان رئيس الوزراء الفرنسي فقد حاول استيعاب الموقف عبر استقباله وفدا يمثل المهاجرين من سكان الضواحي الباريسية فوعدهم "بخطة لتشغيل العاطلين عن العمل بعد ثمانية شهور".

ولكن السؤال: هل يكفي ذلك لإخماد انتفاضة فقراء فرنسا؟!. الكثيرون يرون أن الأزمة الحالية مركبة ومتعددة المستويات (اقتصادية واجتماعية وثقافية)، وأن الحلول التسكينية لن تجدي نفعا.


  كاتب جزائري مقيم بفرنسا، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة namaa@islamonline.net

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم