English

 

الأحد. فبراير. 6, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 

مبادرة التسامح الحضاري

نبيل شبيب

جاء الإعلان عن مبادرة التسامح الحضاري في ندوة ختامية تولاها الرئيس الألماني يوهانس راو (Rau)، بمشاركة الرئيس الفنلندي مارتي آهتيساري (Ahtisaari)، والأستاذ الجامعي المصري أحمد كمال أبو المجد، والوزير الإسرائيلي شمعون بيريز، ورئيس دائرة حوار الأديان في الفاتيكان الكاردينال آرينـز (Arinze).. وغيرهم. وركّز "راو" في الندوة حديثه حول المبادرة، فتناول ظاهرة "الأصولية" بقوله: "الأصولية موجودة في سائر الأديان، والخطر الفعلي في سائر أشكال الأصولية كامن في استخدام الدين أداة لتحقيق أغراض السيطرة السياسية، ومن شأن انتشار اليأس الاجتماعي أن يغري برفع شعارات الكراهية والعنف بسهولة". ثم ربط ما يعتبره تطرفًا أصوليًا بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية قائلاً: "من أراد الحيلولة دون أن تجد الأصولية تربة خصبة يجب عليه أن يوجد ظروفًا اقتصادية واجتماعية يستطيع أن يعيش في ظلها سائر الناس وفي كل مكان من العالم حياة كريمة يحافظون فيها على تراثهم وعلى خصوصياتهم الثقافية".. وهذا ما لا يتحقق في نظر "راو" دون الحوار الذي قال: "جميع هذه الأديان التي صبغت الحياة الثقافية لكثير من المجتمعات قرونًا عديدة ترتكز على فكرة التسامح، التي لا ينبغي الخلط بينها وبين "عدم المبالاة"، وهنا تتوفر الإمكانات والفرص للحوار بين الثقافات".

وأشار الرئيس الألماني إلى برنامج الحوار بين الغرب والإسلام، وقال: إنّ بعض العلماء وضعوا له معالم رئيسية، منها مثلاً اختبار ما يمكن أن تحتويه الكتب المدرسية من أحكام مسبقة وصور عدائية، ثم التعريف بثقافات أخرى في وسائل الإعلام، فضلاً عن ضرورة أن تلتزم المؤسسات الاقتصادية بمعايير أخلاقية، واختتم كلامه بطلب الدعم للمبادرة قائلاً: "إن الحوار بين الثقافات الغربية ذات الصبغة المسيحية والثقافات الشرقية ذات الصبغة الإسلامية في مصلحتنا جميعًا، ونحن نطلب دعمكم من أجل دعم الحوار ومواجهة سائر أشكال الأصولية". والجدير بالذكر أن يوهانس راو الذي اسـتلم منصب الرئاسة قبل عام تقريبًا ورث مهمة متابعة الحوار الثقافي- الديني في ألمانيا عن سلفه، فقد كان الحوار من الميادين الرئيسية التي اهتم بها الرئيس الألماني السابق رومان هيرتسوج، وفتح فيها أبوابًا جيدة للتعامل مع المسلمين.

الذين يمثلون المجموعة الدينية الثالثة -في ألمانيا- بنسبة 4% بعد الكاثوليك والبروتستانت.

وفي الندوة الختامية نفسـها تحدّث أحمد كمال أبو المجد -أستاذ القانون في جامعة القاهرة- فأكَّد أن في الاختلاف رحمة، وأن الحوار يساهم في دعم التنوّع ووضع حد لمحاولات صياغة الإنسان في قالب واحد.. بينما اقتضب الكاردينال آرينـز -رئيس دائرة شئون الحوار بين الأديان في الفاتيكان- حديثه نسبيًا، وأكَّد على الحوار من زاوية أنّه لا يمكن للإنسـان أن يعيش كما لو كان جزيرة قائمة بذاتها، كما تحدّث عن هوة الثراء والفقر على الصعيد الاقتصادي، واعتبرها متناقضة مع تثبيت دعائم السلام.

وكان المحور الرئيسي في حديث شمعون بيريز في الندوة الختامية هو السلام والتعاون بين البلدان المتجاورة، كما تعرّض لذكر "المحرقة النازية" في ألمانيا في الثلاثينات من القرن الميلادي السابق.

وكان مما يلفت النظر في تشكيلة "مبادرة التسامح الحضاري" أو الثقافي، فالتعبير باللغات اللاتينية يحتمل المعنيين؛ إن النمسا من بين الدول الاثتي عشرة فيها، وجاءت مشاركتها هذه عشية استلام حكومة ائتلافية للسلطة، وفيهـا حزب "الحرية" الذي يتبنى بزعامة هايدر (Haider) دعوات يمينية متطرفة، وقد تضمن اتفاق الحكومة الائتلافي -وفق المعلومات المتوفرة عنه أثناء كتابة هذه السطور- الالتزام الحكومي الرسمي بوقف ارتفاع نسبة الأجانب في النمسا.

إنّما لا ينبغي تقويم مثل هذا الموقف دون أخذ السياسة الغربية عمومًا بعين الاعتبار، فقد تعرضت النمسا في الأعوام الماضية لضغوط أوروبية، لا سيما من جانب ألمانيا، كان منها شرط تعديل سياستها على صعيد الأجانب واللاجئين قبل فتح الحدود بينها وبين ألمانيا في إطار إلغاء الحدود أوروبيًا..

كذلك أثناء إعلان الاتحاد الأوروبي موقفه الحادّ تجاه التشكيلة الحكومية النمساوية الجديدة.. كان وزير داخلية ألمانيا -الذي أعلن رئيسها عن مبادرة التسامح- يعلن بمشاركة وزير داخلية فرنسا في ختام محادثات ثنائية بينهما عن اتفاق البلدين على مخطط مشترك، يستهدف التعاون على "دمج من استقر به المقام في البلد المضيف بصورة قانونية، وتعزيز الجهود للحيلولة دون تدفق المزيد من اللاجئين والمهاجرين، وتنظيم سياسة الهجرة في المستقبل بصورة مشتركة".. ومن المعروف أن اليسار بمفهوم الكلمة الغربي، وليس اليمين المتطرف الذي ينسب إليه حزب الحرية بزعامة هايدر، هو الذي يحكم في الوقت الحاضر في ألمانيا وفرنسا بمشاركة أحزاب ائتلافية أصغر


  كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم