|
بذل العديد من الخبراء والمحللين السياسيين والاقتصاديين الغربيين جهوداً مضنية في الترويج للقرار الذي اتخذه الرئيس الباكستاني الجنرال "برويز مشرف" بالانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة ما يسمى بـ"الإرهاب"، وبالتالي فتح الأراضي والأجواء الباكستانية للقوات الأمريكية في حربها ضد جارتها أفغانستان ونظام حركة طالبان الذي حظي منذ تأسيسه بدعم كبير من قبل باكستان.
وكان من أهم ما قدمه هؤلاء في تبريراتهم لقرار مشرف، أن تعاون الحكومة الباكستانية مع الولايات المتحدة سيعود بمنافع اقتصادية كبيرة على البلاد التي تعاني من مشاكل وأزمات اقتصادية خانقة.
ومع دخول الحرب الأمريكية أسبوعها الرابع، واستخدام القواعد الجوية الباكستانية في الإغارة على الأراضي الأفغانية، فإن قيمة العوائد الاقتصادية التي جنتها باكستان قياساً بالخسائر الاقتصادية التي ستتكبدها جراء تداعيات الأزمة تبدو ضئيلة قياساً بالخسائر التي ستلحق بها، بل ربما تتجاوز الخسائر الاقتصادية على المدى البعيد أضعاف الأرباح والمنافع التي لم تزد حتى الآن عن رفع قسم من العقوبات، وإعادة جدولة بعض الديون، وتقديم بعض القروض والمساعدات.
رفع العقوبات
كانت أولى الخطوات التشجيعية الأمريكية مقابل قبول باكستان التعاون مع الولايات المتحدة وفتح أراضيها أمام القوات الأمريكية، هي قرار رفع العقوبات المفروضة على باكستان والهند التي فرضتها الولايات المتحدة على البلدين، عقب إجرائهما تجارب نووية عام 1998م، ففي 23 أيلول (سبتمبر) الماضي أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلدين لأنها "لم تعد في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية". وترتبط هذه العقوبات بالحد من مبيعات الأسلحة والمساعدات الاقتصادية والمالية.
وقد لقي القرار الأمريكي برفع العقوبات المفروضة على باكستان ترحيباً كبيراً من قبل المسؤولين الباكستانيين، حيث قال وزير الخارجية الباكستاني عبد الستار عزيز: "إن الحكومة الباكستانية ترحب بقرار الولايات المتحدة رفع العقوبات المفروضة عام 1990 وتلك المفروضة عام 1998 بعد التجارب النووية التي أجرتها الهند وباكستان".
المساعدات المباشرة
وبعد مضي نحو خمسة أيام فقط على قرار رفع العقوبات؛ ولتخفيف المعارضة الواسعة للرئيس لقرار الرئيس مشرف من قبل الشارع الباكستاني أعلن البيت الأبيض في 28/9/2001 أن الرئيس جورج بوش منح باكستان مساعدة قيمتها 50 مليون دولار لدعم الميزانية الباكستانية.
وقال بوش في مذكرة بعث بها إلى وزير الخارجية كولن باول: "أعتبر أن من المهم لمصلحة أمن الولايات المتحدة منح باكستان مساعدة تبلغ 50 مليون دولار"، ثم رُفعت فيما بعد إلى 100 مليون دولار. وقالت مصادر أمريكية: إن هذا المبلغ ليس سوى مبادرة أولية وبداية لسلسلة مساعدات سوف تقدمها الولايات المتحدة لباكستان، بالإضافة إلى تسهيلات ومساعدات ستساعد الولايات المتحدة، سواء من قبل المؤسسات المالية الدولية أو من الدول الحليفة، وهو ما أكده مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الاقتصاد والزراعة "ألان لارسون"، الذي قال: إن هذه المبادرة الأولى ستليها مبادرات أخرى، وإن واشنطن ستدعم طلب باكستان مساعدات من صندوق النقد الدولي، وكذلك مطالبتها بتخفيف ديونها الخارجية، حيث أعلنت الولايات المتحدة موافقتها على إعادة جدولة نحو 379 مليون دولار من الديون الباكستانية الخارجية.
وأضاف لارسون أن السوق الأمريكية ستفتح أبوابها للمنتجات النسيجية الباكستانية. وقال: "إننا نكن إعجاباً كبيراً لإدارة الشأن الاقتصادي في باكستان، وإننا معجبون أيضاً برد الحكومة الباكستانية على اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر).
وأضاف أن "الولايات المتحدة تأمل أن تكون شريكاً لباكستان على المدى الطويل". ومع تصاعد المعارضة لحكومة الرئيس مشرف واستمرار الولايات المتحدة في غاراتها على أفغانستان دون تحقيق نتائج كبيرة على الأرض؛ أعلنت الولايات المتحدة أنها تدرس تقديم مساعدات مالية لباكستان بقيمة 500 مليون دولار.
المساعدات غير المباشرة
وتشمل المساعدات غير المباشرة تقديم تسهيلات مالية وإعادة جدولة للديون الباكستانية الخارجية التي تزيد عن 40 مليار دولار وخدماتها السنوية التي تزيد أيضاً عن 5.5 مليارات دولار من قبل المؤسسات المالية الدولية، وخاصة صندوق النقد والبنك الدوليين، كما تشمل هذه المساعدات إلغاء بعض الديون كتلك التي بادرت اليابان إلى اتخاذها، مع الإشارة هنا إلى أن هذه القضايا جميعها تتم بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وفي هذا الإطار يمكن أن نسجل ما تم تقديمه وذلك على النحو التالي:
1 - قرض من البنك الدولي
أعلن البنك الدولي في 24 تشرين أول (أكتوبر) عن موافقته على تقديم قرض لباكستان بقيمة 300 مليون دولار لمساعدتها على تنفيذ خطة لخصخصة وإعادة هيكلة قطاعها المصرفي، وكان القرض مدرجاً في اتفاقية إقراض مع باكستان قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي على نيويورك وواشنطن، إلا أن البنك كان يضع بعض الاشتراطات لإتمام هذه القرض، لكن الآن وبعد التعاون الذي أبدته باكستان مع الولايات المتحدة فإن هذه الاشتراطات قد سقطت، وهو ما أكده رئيس البنك الدولي "جيمس ولفنسون" بقوله: "مع مواجهة البلاد حقبة من التحديات الصعبة فإننا الآن مستعدون لمساعدتها في الإبقاء على برنامج الإصلاح في مساره".
فيما أكد "شوكت عزيز" وزير المالية الباكستاني من جانبه لولفنسون التزام بلاده وتقيدها ببرنامج الإصلاح ونيتها تسريع خطا تنفيذه. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن البنك الدولي أقرض باكستان 374 مليون دولار في السنة المالية 2001 التي انتهت في الثلاثين من سبتمبر (أيلول). ومن المتوقع أن يزيد معوناته في السنة المالية الحالية.
2- صندوق النقد يفرج عن قروض سابقة
وعلى غرار ما فعله البنك سارع صندوق النقد الدولي هو الآخر للإفراج عن اعتماد مالي لباكستان بقيمة 135 مليون دولار في إطار اتفاق لمنحها اعتمادات إجمالية بقيمة 596 مليون دولار.
وجاء قرار الصندوق بالإفراج عن هذه الدفعة -وهي الثالثة- بعد دراسة وضع باكستان الاقتصادي منذ توقيع برنامج المساعدات الذي عُلّق قبل سنتين تقريباً بسبب "عدم تقيد الحكومة الباكستانية السابقة" ببعض المعايير التي حددها الصندوق في الاتفاق".
وأوضح الصندوق في بيان أصدره في 26 أيلول (سبتمبر) الماضي أنه منح استثناء لباكستان يسمح لها بعدم التقيد بأحد المعايير المحددة في البرنامج والخاص بسن قانون جديد بشأن ضريبة الدخل؛ إذ أجاز لها تأخير الموضوع لمدة ستة أسابيع.
وقال "إدواردو أنينا" المدير العام المساعد لصندوق النقد الدولي: إن "أداء باكستان في إطار البرنامج كان مميزاً. فرغم الظروف المناخية السيئة تحسن إجمالي الناتج المحلي للفرد، وكان التضخم أقل من المتوقع وارتفع الاحتياطي النقدي".
وأضاف أن "تطبيق الإصلاحات الهيكلية كان مطابقاً بشكل عام للتوقعات. ومع أن تحصيل الضرائب كان أقل مما هو متوقع فإن عجز الميزانية ظل ضمن الأهداف المحددة". لكنه لفت إلى أن السلطات الباكستانية يجب أن تواصل طريق الإصلاحات التي يشرف عليها الصندوق الذي كان قد ربط الإفراج عن القرض السابق قبل الهجمات بتحقيق الاقتصاد الباكستاني نمو اقتصادي معدله 4 في المائة في السنة المالية التي تنتهي في حزيران (يونيو)، وكانت هناك مخاوف من عدم تحقيق الدخل المذكور مرة أخرى، لكن هذا الربط ألغي الآن.
وفي السياق ذاته أعلن صندوق النقد الدولي أن وفداً باكستانياً أجرى مؤخراً محادثات مع مسؤولين بالصندوق بأن برنامجاً قد يحصل على دعم الصندوق، وينص على تقديم اعتمادات مالية لباكستان لمكافحة الفقر وتشجيع النمو.
وقال "توماس داوسون" المتحدث باسم صندوق النقد الدولي في بيان له: إن "أعضاء صندوق النقد الدولي يعربون عن ارتياحهم الشديد للتقدم الحاصل في تنفيذ برنامج الإصلاحات الهيكلية في الإطار الاقتصادي الحالي".
3 - اليابان تعيد جدولة ديون باكستانية
اليابان هي الأخرى واستجابة للتوجهات الأمريكية قررت إعادة جدولة نحو 550 مليون دولار من ديون باكستان الخارجية، وقال "سيكن سوجيورا" نائب وزير الخارجية الياباني: إن بلاده ستعيد جدولة 550 مليون دولار من ديون باكستان الخارجية في إطار دعمها لإسلام آباد في الأزمة الأفغانية الحالية.
وأضاف سوجيورا أن "اليابان ترى أن من الأهمية الشديدة دعم باكستان رغم صعوبات مختلفة". وكان سوجيورا أثناء وجوده في إسلام آباد قد اجتمع مع الرئيس الباكستاني وسلمه رسالة من رئيس الوزراء الياباني "جونيشيرو كويزومي"، وأعرب له فيها عن تأييد بلاده لباكستان في التعهد الذي قدمته بمساعدة الولايات المتحدة في "الحرب على الإرهاب". كما أعلن في وقت لاحق أن اليابان قد تقرض باكستان 100 مليار ين، أي نحو 814 مليون دولار؛ تقديرًا لمساندة الرئيس برويز مشرف للعمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد أفغانستان، برغم معارضة كثير من الأحزاب الباكستانية.
خسائر باكستان باهظة
حتى الآن لم تتحقق تحليلات وترويجات الخبراء بحصول باكستان على مساعدات سخية؛ فالمساعدات التي قُدّمت حتى الآن هي عبارة عن رفع العقوبات، وجدولة بعض الديون، وتقديم المزيد من القروض من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين والتي لن يكون لها أي انعكاسات اقتصادية على مستوى معيشة السكان، كما أنها لن تخفف من آثار الأزمة الاقتصادية المستحكمة التي تعاني منها البلاد على المدى القصير، وفي المقابل فإن الخسائر الأولية التي ستتكبدها باكستان جراء تأييدها للولايات المتحدة كبيرة بحيث يصعب على الاقتصاد الباكستاني تحملها، حيث تشير البيانات الرسمية والدولية المتوفرة إلى أنها ستكون أضعاف الأرباح، وهو ما أكده وزير المالية الباكستاني شوكت عزيز بقوله: إن الحرب في أفغانستان ستكبد إسلام آباد خسائر تتراوح بين مليار إلى 2.5 مليار دولار لهذه السنة.
وأوضح عزيز في مؤتمر صحفي عقده عقب اجتماعه بمساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الاقتصاد والزراعة "ألان لارسون" في 21 تشرين أول (أكتوبر) أن مقدار الخسارة المالية للبلاد مرهون بمدة العمليات العسكرية.
وقال عزيز: إن أحد الانعكاسات السلبية للنزاع على الاقتصاد الباكستاني يتمثل في ارتفاع بدلات التأمين في قطاع النقل البحري. وأضاف أنه إذا انتهت العمليات بسرعة "فإن الخسارة ستبقى ضمن الحد الأدنى من التوقعات، وإذا طالت فإنها ستبلغ حدها الأقصى، وبالتالي فإن الأمر يتعلق بخسائر فادحة".
تأثيرات الحرب السلبية على الاقتصاد الباكستاني أكدها أيضاً بيان للبنك الدولي أصدره في الحادي عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، ومما جاء فيه أن العمليات العسكرية الدائرة في أفغانستان الآن قد تكبد اقتصاد باكستان خسائر بقيمة مليار دولار، وأن الرقم قد يرتفع إذا استمرت تلك العمليات لمدة طويلة.
وقال بيان البنك: إن "الأحداث التي أعقبت الهجمات على نيويورك وواشنطن وجهت ضربة حادة إلى اقتصاد باكستان من المتوقع أن تكلف البلاد مليار دولار على الأقل.. وهذا الرقم قد يرتفع إذا لم يتم حل الأزمة في أفغانستان في الأجل القصير".
خسائر تعليق برنامج الخصخصة
وعلى الرغم من أنه لم يتم حصر جميع جوانب التأثير المختلفة جراء الحرب وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها باكستان، فإن هناك جوانب عديدة بدأت بالتضرر، وخاصة الصادرات والواردات الباكستانية. كما توقفت الاستثمارات الأجنبية ونسفت خطط الحكومة لإصلاح الاقتصاد.
وفي هذا الإطار أكد مسؤول باكستاني أن بلاده علقت تنفيذ 70 في المائة من برنامج الخصخصة الذي شمل بيع أصول حكومية بقيمة ثلاثة مليارات دولار وذلك بسبب الأزمة، وقال "ألطف سليم" وزير الخصخصة: إن بدء الهجوم الأمريكي على أفغانستان المجاورة دفع بمقدمي عروض الشراء الأجانب إلى وقف عروضهم لشراء أصول حكومية ضخمة، كان من المقرر بيعها بحلول نهاية كانون أول (ديسمبر) المقبل.
وقال سليم: "برنامجنا بأسره يشمل أصولاً قيمتها ثلاثة مليارات دولار، وكان من المقرر بيع ثلثها في الفترة من تشرين أول (أكتوبر) إلى كانون أول (ديسمبر) 2001. قد نصرف نسبة 30 في المائة، لكن نسبة 70 في المائة سيتعين أن تنتظر حتى تتضح الأمور".
ويشمل التأجيل بيع تسعة حقول للنفط والغاز، وحصة نسبتها 26 في المائة من أسهم شركة الاتصالات الوطنية. وقد أدت الهجمات إلى فرار الأجانب من باكستان وعدم ظهور مستثمرين جدد، خاصة مع إلغاء العديد من شركات الطيران رحلاتها لباكستان.
ويقول خبراء باكستانيون: إن تأجيل برنامج الخصخصة الذي كان من شأنه خفض الدين الخارجي المستحق على باكستان البالغ نحو 40 مليار دولار، فضلاً عن جذب استثمارات جديدة للصناعات الرئيسية يعد ضربة أخرى لاقتصاد باكستان بسبب الأزمة.
وقال مسؤول بارز في مكتب ترويج الصادرات: إن باكستان قد تخسر ما يصل إلى 1.5 مليار دولار من جراء إلغاء أو تأجيل طلبيات استيراد بسبب الأزمة.
بكلمة أخيرة: إن الانعكاسات السلبية للحرب الأمريكية على أفغانستان ستكون كبيرة على الاقتصاد الباكستاني، وهي حتى الآن أكبر بكثير من العوائد المتحققة نتيجة تعاون الحكومة مع واشنطن، وسترتفع فاتورة الخسائر في حالة استمرار الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع لفترة طويلة، وإذا ما أضيفت هذه الخسائر إلى المشكلات المستعصية التي يعاني منها الاقتصاد الباكستاني والتي منها المديونية والفقر والجفاف، فإن الاقتصاد الباكستاني سيواجه فترات عصيبة ربما لم يشهدها من قبل؛ وبالتالي فإن تعاون باكستان مع الولايات المتحدة في حربها ضد جارتها المسلمة أفغانستان سينقلب وبالاً ليس على الاقتصاد فحسب، وإنما على البلاد برمتها.
باحث اقتصادي
|