|
من الفعاليات الختامية في منتدى دافوس 2000 الإعلان عن مبادرة التسامح الحضاري.. ويبدو أنها لم تكن "مبرمجة" مسبقًا كسواها، وقد أقدم عليها رؤساء الوفود المشاركة من 12 دولة، يرتفع عدد البلدان الإسلامية بينها إلى خمس، وهي: مصر، والأردن، والمغرب، وإندونيسيا، وماليزيا، وبقية الدول هي: ألمانيا، والنمسا، وفنلندا، والنرويج، وإسبانيا، وتشيكيا.
وتردَّد عند الإعلان عنها على لسان الرئيس الألماني "يوهانس راو" أن شعوب البلدان المشاركة في المبادرة هم من المسيحيين والمسلمين.. ولا تبدو هذه الإشارة دقيقة، ومستقبل المبادرة يبقى رهنًا ألا تكون بمضامين في اتجاه واحد، فالتسامح -لا سيما الديني- لا ينتقل من توجيه موجود من الأصل إلى تطبيق في حياة البشر إلا إذا كان متبادلاً.
الخلل موجود .. والحل مفقود
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156084077 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
|
وعلى أية حال فالواقع العالمي المعاصر كما عرضته أيام المنتدى الخمسة في حاجة كبيرة إلى التسامح الحضاري.. دون التركيز بالضرورة على الجانب الديني وحده، والأصل أن المؤتمر "اقتصادي"، ومن المؤكَّد أن التسامح الأكبر المطلوب في الوقت الحاضر، وتبعًا لحصيلة المؤتمر نفسه، هو في الجانب الاقتصادي والمالي، وتكفي بهذا الصدد الإشارة -على سبيل المثال- إلى أن "بيل جيتس" -مؤسس شركة مايكروسوفت- والذي كان موضوعه الرئيسي في الندوة التي شارك فيها يدور حول الثورة الشبكيةأو مستقبل شبكة العنكبوت: أراد الدعاية أيضًا لحملة تقوم بها مؤسسته الخيرية، وخصَّص لها مبلغ 750 مليـون دولار (وليس هذا قليلاً على الرغم من أن ثروته الخاصة تزيد على 100 مليار دولار)، وذلك لتأمين أمصال التطعيم ضد الأمراض الرئيسية لأكبر عدد ممكن من أطفال العالم، وذكرت المديرة العامة لمنظمة الصحة الدولية "هارليم بروندتلاند" أن التطعيم للوقاية من الإصابة بالأمراض الستة الرئيسية، وهي: السل، والجدري، والحصبة، والدفتريا، والسعال الديكي، وحمى الأطفال: يكلف الطفل الواحد 17 دولارًا .. وبزيادة بسيطة يمكن إضافة تطعيم وقائي من ثلاثة أمراض خطيرة أخرى هي" التهاب السحايا، والحمى الصفراء، والإصابة بالفيروس (B) الذي يعتبر من أسباب الوفاة بالتهابات دماغية، ولكن لا يتوفر التمويل الكافي لذلك.. ولهذا يموت سنويًّا ثلاثة ملايين طفل بأمراض يمكن الوقاية منها بالتطعيم وحده!..
هؤلاء وسواهم من فئات سكان العالم الأشدّ تضررًا من الخلل القائم في الميادين الاقتصادية والمالية وما ينجم عنه في الميادين المعيشية اليومية المختلفة لم يسفر منتدى دافوس عن خطوة عملية واحدة باتجاه تخفيف معاناتهم، وإن قيل: إن الأصل فيه هو تبادل الأفكار لا استصدار القرارات، فالواقع أنّه حتى في الميدان الفكري وطرح المبادرات المختلفة والمناقشات التي شملت فيما شملت هوة الثراء والفقر في العالم: لم تصدر إشارة ما بصدد استعداد صانعي القرار الاقتصادي والمالي، وصانعي القرار السياسي لاتخاذ القرارات أو الإجراءات أو الخطوات المناسبة العملية، بل كان تبادل الأفكار وما انعقد من مشاريع على هامش المنتدى في اتجاه آخر يزيد الهوة عمقًا واتساعًا.. ولا يخفِّف منها.
وهذا ما يسري على مستوى صناعة القرار السياسي، فنجد على سبيل المثال الرئيس الأمريكي "بيل كلينتون"، وهو في آخر سنوات رئاسته وعلى الرغم من أنه لن يشارك في انتخابات أخرى يراعي أصوات الناخبين فيها، يتحدَّث عن الأضرار التي أصابت الدول النامية الأفقر من سواها، ويقول بضرورة أن تشملها الميزات المتحققة من خلال تحرير التجارة (وهي متحققة حتى الآن للدول الصناعية فقط)، ولكنه عندما يطرح "الحلول" التي يراها لا تصدر عنه سوى مطالبة تلك الدول الأضعف تجاريًّا واقتصاديًّا بفتح أسواقها أمام المنتجات الصناعية وبحرية الاستثمار الأجنبي فيها، وكأنها لم تصنع ذلك حتى أصبحت في الحضيض بموازينها التجارية، وبقدرتها على منافسة بضائع مستوردة فضلاً عن انهيار قطاعات اقتصادية أساسية فيها كالزراعة والمنسوجات مثلاً.. أو كأن البلدان الصناعية التي يمثِّل كلينتون أكبرها ماليًّا واقتصاديًّا قد استكملت فتح أسواقها الاستهلاكية أمام منتجات تلك البلدان النامية.
وما يسري على الرئيس الأمريكي يسري على سواه من زعماء "الشمال" السياسيين وسواهم، مثل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي لا ينكر ما تثيره ظاهرة العولمة من مخاوف.. فهو يتفهمها، ويكفي تفهُّمه لها؛ إذ يبقى على التمسك بها كسواه من المسئولين في البلدان الصناعية المستفيدة منها.
هيمنة العولمة
لم يكن ينتظر من مؤتمر دافوس -رغم بعض العناوين الإيجابية لندواته- أن يطرح أفكارًا جديدة تتناقض من قريب أو بعيد مع مصالح الدول الصناعية، أو بتعبير أصحَّ مع هيمنتها العالمية الراهنة، ومع شركاتها الصناعية ومؤسساتها المالية الكبرى، فالواقع أن ممثليها وممثلي هذه الجهات هم "منتدى دافوس" بالصورة التي تطوّر إليها خلال السنوات الماضية، وقد يضيفون بين صفوفهم هذا المتحدث أو ذاك للتعبير عن مصالح الجهات المتضررة، ولكن داخل نطاق قنوات محددة، وبقيت قاعات المنتدى الاقتصادي العالمي مخصَّصة لمن يوصفون بالكبار، وبقيت أبوابها -وهذا مما أشارت إليه المظاهرات الاحتجاجية والمنظمات المعارضة - مغلقة في وجه الجهات التي يمكن أن تمثِّل الدول النامية بمعنى الكلمة تمثيلاً يتجاوز نطاق ما تستطيع قوله أو صنعه الحكومات بوجودها الرسمي المقيَّد داخل المؤتمر كما هو الحال في ساحة العلاقات الدولية.
ولهذا فإنّ المشكلة الحقيقية المطروحة في المنتدى وبعيدًا عن الدعاية الإعلامية لم تكن تتمثل في معالجة الخلل في العلاقات الدولية، كالخلل التجاري لصالح الدول الصناعية وشركاتها العملاقة، إنما كان محور الاهتمام متركزًا على القضايا التي تهمّ تلك الدول وتلك الشركات لضمان استمرار تطوُّر الأوضاع العالمية بما يتفق مع ما تتطلع إليه في ظاهرة العولمة من جهة و الثورة التقنية من جهة أخرى في ميدان المعلومات والاتصالات والعناصر الوراثية وغيرها.
المبادرات محدودة .. والسياسة مقيدة
صحيح أن منتدى دافوس أطلق مبادرات إيجابية على شكل مشاريع خيرية هنا وهناك من ساحة البلدان النامية، ولكنها -أو معظمها- لا تعدو أن تكون صورة طبق الأصل عن "سياسة القروض الإنمائية" التي اتبعتها الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية، وساهمت في إحكام قبضتها الاقتصادية والمالية عالميًّا، وقد تبقى بعض المبادرات "خيرية محضة"، إنّما لا يمكن أن تقوم علاقات دولية متوازنة بين الشمال والجنوب على أساس التصدق ببعض ما يحقِّقه الاستغلال من عائدات عبر علاقات جائرة.. جنبًا إلى جنب مع مشاريع كبرى وخطوات سريعة في اتجاه مزيد من الاستغلال.
وعند إعطاء تلك المبادرات الإيجابية حجمها الحقيقي يظهر منتدى دافوس بحصيلته، أشبه بشهادة إضافية على استمرار تحكُّم القوة المالية في عالمنا المعاصر بآليات صناعة القرار السياسي في خاتمة المطاف، سواء ارتدى ذلك رداءً ديمقراطيًّا ومنافسة رأسمالية مقنّنة داخل بعض دول العالم أم ارتدى الرداء الاستبدادي واستخدم أسلوب الإملاء والضغوط وفرض الشروط في إطار العلاقات الدولية.
ولا يُستهان بهذا الإطار الدولي العام عند النظر في بعض النشاطات والتحرُّكات ذات البعد الإقليمي والمضمون السياسي في المنتدى "الاقتصادي" العالمي لرؤية أبعادها الواقعية؛ إذ تبقى ضمن إطار حلقة لا تخرج منها..، فهي إما أن تنسجم مع الأهداف الأكبر منها من ساحة العولمة.. أو الهيمنة.. أو حرية التجارة والاستثمارات.. وغير ذلك من العناوين المستخدمة في وصف الميادين الحاسمة في العلاقات الدولية، أو تبقى خارج نطاق المنتدى أصلاً!..
هذا ما يسري على عملية إحلال السلام فيما يُسمَّى الشرق الأوسط بغضِّ النظر عن التفاصيل، وعن تجاوز "بيريز" حدود الأدب، ورد عمرو موسى عليه، أو ظهور الرئيس الفلسطيني في دور الشكوى من استمرار التعنت الإسرائيلي.. أو ما تكلم به الملك الأردني من سلام عادل.. بعد أن أُعطيت هذه الكلمة مفهومًا منحرفًا جديدًا منذ مؤتمر مدريد، أو سلام شامل.. مع أن الواقع القائم الظاهر للعيان حاليًا هو وجود سلام انفرادي مع بعض الدول في المنطقة.. واستمرار حالة الحرب مع دول أخرى.. وافتقاد التنسيق بينها جميعا!..
وهنا يمكن التمييز بدقة -وينبغي التمييز الدقيق- بين الكلام والعمل.. فالكلام يمكن أن يأخذ في دافوس صيغة مناسبة لوسائل الإعلام، وقد يصل إلى "شجار علني" ينفس قليلاً عن "كربة" المنزعجين من سلام أعرج وأمن أرعن، بل قد يمكن بالفعل طرح بعض القضايا الإقليمية في أنحاء العالم طرحًا إيجابيًّا، أو على الأقل أن ينفسح المجال لطرح متعدِّد الوجوه والتعبير.. كما كان مع إيران، وبشيء من التحفظ مع إندونيسيا..
جميع ذلك ممكـن.. ولكن الأهـم منه بطبيعـة الحال هو ما يجري تنفيذه من خطوات عملية ومشاريع تطبيقية في اتجاه أهداف موضوعة سلفًا من قبل طرحها العلني ومن قبل الخلاف حولها، فكأن ما يتمّ من مفاوضات ومشاجرات ومصالحات لا يعدو أن يكون مسرحية، وأن ما يراد تنفيذه ينفذ "وراء الكواليس" حتى يصبح حقيقة واقعة، فيتم إخراجها الأخير.. وليكن باحتفال ضخم في عاصمة دولية أو بحضور "الكبار".. وحتى يبدو للعامة كما لو أنّ الحصيلة لم تتحقق إلا بشق الأنفس، وفي حدود الممكن، وهذا ما ترغم عليه السياسة الواقعية والظروف الدولية.. إلى آخر ما هنالك مما يبرِّر ضمور الأهداف قبل بدء ما يوصف بمفاوضات عسيرة ووساطات نزيهة وغير نزيهة..
هل يمكن القبول بهذه "التكهنات"؟.. ليس سهلاً الوصول إلى جواب موضوعي قاطع لهذا السؤال.. ولكن يمكن النظر في المؤشرات من خلال مثال منتدى دافوس.. الذي يعود اهتمامه بقضية فلسطين إلى السبعينيات الميلادية، والذي يفسح المجال أمام الأطراف الفلسطينية والعربية (الماضية في عملية السلام فقط) أن تقول ما تريد.. والذي ساهم في عقد لقاءات أنهت أزمات سابقة، أو ساهم في تهيئة مؤتمرات كالمؤتمرات الاقتصادية للمنطقة، ولكنه هو عينه الذي يعمل بهدوء ومنذ زمن طويل.. وبمشاركة من يقولون: إنهم يفاوضون ويختلفون ويصطلحون على تنفيذ برنامج واسع النطاق لتحقيق التطبيع على أقصى مداه.. وبتحضير قيادات شابة جديدة لترسخه في حياة الجيل المقبل..
وتستمرّ المزاعم أن التطبيع موضع النقاش، وقد يأتي أو لا يأتي على حسب تطوُّر عملية إحلال السلام وتحرير الأرض المحتلة عام 1967م، بينما تدخل برامج "التطبيع" في أعماق البلدان العربية، لا سيما مصر والأردن.. من وراء كل ظرف من ظروف سلام بارد أو حار، ومن وراء كل حديث عن تنسيق ضروري مع أطراف عربية أخرى..
وتكتمل الصورة عند الإشارة إلى أن المنتدى لا يضع "قيادة" مثل هذه المشاريع أو إدارتها في يد أجهزة مشتركة، أو تحت إشراف مؤسسات من الطرفين، بل جميعها في يد "مؤسسة بيريز للسلام" فقط.. وهذا منذ سنوات عديدة وبما يشمل مشاريع إعداد "جيل المستقبل".. أي هي في يد الرجل الذي تقول وسائل الإعلام المصرية بعد اصطدامه الكلامي مع عمرو موسى في دافوس: إنه كشف في المنتدى عن حقيقة أنه "غراب تحت قناع حمامة سلام"!.. وبعد..
لا يعني ما سبق أن المشاركة في مؤتمرات من قبيل دافوس لا تنطوي إلا على الأضرار.. ولا يعني دعوة إلى مقاطعة مثل تلك المؤتمرات الدولية.. ولكن يعني أمرين رئيسيين نتمنى أن يتوفَّرا لبلادنا العربية والإسلامية:
أولهما: أن المشاركة الانفرادية ودون تنسيق حقيقي على امتداد العام ما بين مؤتمرين سنويين، في مؤسسة تشارك مشاركة حاسمة في رسم خارطة المستقبل، ويلتقي فيها أكبر التكتلات العالمية.. ما عدا التكتل العربي أو الإسلامي المنفرط عقده، المشاركة بهذه الصورة لن تعود بفائدة، ما لم تنشأ بين الدول العربية والإسلامية علاقات أخرى باتجاه التكتُّل، غير العلاقات القائمة الآن باتجاه مزيد من التمزُّق.. وهذه مهمة لا علاقة للمنتدى بها، بل قد يعرقلها، إنما هي مهمة ذاتية نحمل مسئولياتها في مختلف المواقع بدرجات متفاوتة.
والأمر الثاني: أن منتدى دافوس عبارة عن "فكرة" انسجمت من حيث نشأته.. وما زالت تنسجم الآن مع أرضية المعطيات التي ولدت فيها تلك الفكرة، وهي معطيات غربية محضة، مادية ومالية فقط إذا انفتحت على سواها.. ففي حدود اسـتمرار سريان مفعولها عالميًّا هي دون سواها، وفي حدود استمرار توجيهها هي دون سواها للتطور في مختلف ميادين الحياة البشرية.. فمن يشارك في هذا المنتدى مخيّر ما بين أن يضمحلّ ثقافيًّا وحضاريًّا وفكريًّا إلى الحد الذي يسمح بانسجامه مع الثقافة والحضارة والفكرة المسيطرة، أو أن يتمكن من التأثير فيها، ولن يؤثر ما لم تكن له ثقافته وحضارته وفكرته، وأن يتميز بها على صعيد الواقع وليس عبر أمجاد تاريخية أو تراث يريد الانفلات منه!
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|