English

 

الأربعاء. ديسمبر. 7, 2005

نماء » قضايا اقتصادية » بقية العالم الإسلامي

 

"المؤتمر الإسلامي".. أي مردود اقتصادي ينتظر؟

ممدوح الولي

Image

لم يلق خبر انعقاد القمة الإسلامية الاستثنائية بالسعودية المقررة الأربعاء 7 ديسمبر 2005 اهتماما واسعا في الأوساط العامة في غالبية الدول الإسلامية، في إشارة واضحة إلى محدودية توقعات الجمهور من حدوث نتائج ملموسة من تلك المؤتمرات التي تنظمها منظمة المؤتمر الإسلامي. رغم ما تردد عن مناقشة المؤتمر لمنح رجال الأعمال بالدول الإسلامية تأشيرة دخول تحت اسم تأشيرة مكة أسوة بما يتم بين دول الاتحاد الأوربي في إطار تأشيرة الشينجن.

فمع بلوغ عدد سكان الدول الإسلامية السبع والخمسين الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي نحو المليار والنصف نسمة، فإنه لا توجد روابط اقتصادية قوية بين بعض تلك الدول تضاهي ما تم بين دول الاتحاد الأوربي أو غيرها.

كما أنها لم تحقق النجاح المنشود منها، حيث تعاني معظم الدول الإسلامية من معدلات فقر عالية، ووطأة للمديونية الخارجية، وتدهور في مستوى المعيشة، خاصة في الدول الأفريقية السبعة والعشرين في المنظمة، والتي يرى الخبراء أن بغيتها الأساسية من الانضمام هو الحصول على منح ومعونات من الدول الإسلامية الكبرى.

ويظل السؤال: ماذا فعلت منظمة المؤتمر الإسلامي التي تأسست عام 1969 حتى تظل الأوضاع الاقتصادية في معظم البلدان الإسلامية بهذا التردي؟ خاصة أن هناك اتفاقية للتعاون الاقتصادي والفني والتجاري بين الدول الإسلامية منذ عام 1977 لتشجيع انتقال رءوس الأموال والاستثمارات وإنشاء المشروعات المشتركة والتعاون الفني.

بل إن هناك لجانا دائمة تابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي أبرزها اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري -كومسيك- منذ عام 1981، في تركيا، إلى جانب اللجنة الدائمة للتعاون العلمي والتكنولوجي ومقرها باكستان.

أسباب الضعف

ويمكن القول بأن هناك مشكلات أساسية تواجه تحقيق التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي وتصعّب من تحوله لمستويات تعاونية أخرى باتجاه السوق الإسلامية المشتركة التي ترنو إليها المنظمة، ومن أبرز المشكلات:

أولا: الفجوة الشاسعة بين اقتصاديات الدولة الإسلامية، وهي تبطئ أي خطوات تكاملية، ولعل هذه الفجوة نراها في بيانات البنك الدولي التي تشير إلى أن قائمة العشر الكبار إسلاميا في الناتج الإجمالي المحلى خلال 2004 هي: تركيا بنحو 310 مليارات دولار، تليها إندونيسيا 258 مليارا، والسعودية 251 مليارا، وإيران 162 مليارا، وماليزيا 118 مليارا، وباكستان 96 مليار دولار إلى جانب نيجيريا والجزائر والإمارات ومصر بالمركز العاشر.

في مقابل هذه الدول هناك محدودية في الناتج الإجمالي المحلي في غالبية البلدان الإسلامية، حتى أنه يصل إلى 1.1 مليار دولار في سيراليون و1.4 مليار في موريتانيا و2.1 مليار في توجو و3.1 مليارات في النيجر.

ثانيا: أزمة الديون، وهي من الأزمات الاقتصادية المستفحلة في الدول الإسلامية، وحسب مؤشرات بنك التنمية الإسلامي، فقد بلغت الديون الخارجية للدول الإسلامية نحو تسعمائة مليار دولار خلال عام 2004، وكانت أعلى الدول مديونية هي: تركيا بنحو 146 مليار دولار وإندونيسيا 134 مليارا وماليزيا 49 مليارا وباكستان 36 مليارا ونيجيريا 35 مليارا، وجاءت مصر بالمركز السادس بنحو 31 مليار دولار.

كما بلغ متوسط نسبة الديون الخارجية إلى الناتج المحلي الإجمالي 53% على مستوى العالم الإسلامي. وكانت أعلى نسب بالديون إلى الناتج خلال عام 2004 في السودان بنسبة 120% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها سوريا بنسبة 113% وكازاخستان 94%، وتوجو 91%، وكوت ديفوار 89%. كما بلغ متوسط خدمة الديون إلى صادرات السلع والخدمات بالدول الإسلامية 17.7%.

ثالثا: محدودية التجارة البينية بين الدول الإسلامية، فضلا عن تدني نصيب هذه الدول من التجارة العالمية وارتباط صادراتها بالدول الغربية، فتشير بيانات البنك الإسلامي للتنمية إلى بلوغ حصة الدول الإسلامية السبع والخمسين من الصادرات العالمية ‏8%، ومن الواردات الدولية ‏6%،‏ وبلوغ نسبة التجارة البينية بين الدول الإسلامية ‏13%‏ وذلك عام‏2003. وتستحوذ أكبر عشر دول إسلامية على نصيب 6.5%‏ من الصادرات العالمية ونسبة‏4.7%‏ من الواردات الدولية.

كما تضاءل حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجة من دول العالم الإسلامي، حيث بلغ رصيد أكبر عشر دول إسلامية 6.3 مليارات دولار فقط، بنسبة 1% من إجمالي الاستثمارات الخارجة من دول العالم خلال عام 2004، والبالغة 648 مليار دولار، حيث تقل الفوائض التي يمكن خروجها، حتى دول الخليج النفطية أصبحت مستقبلة للاستثمارات أكثر منها مصدرة لها.

رابعا: التبعية الاقتصادية في عدد من الدول الإسلامية للغرب، وأغلب هذه الدول ترغب في الاستفادة من مزايا التكتلات الدولية، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية فيها؛ ولذا تسعى كل دولة إسلامية لعقد اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوربي مثلا، وهو ما يؤثر على التزاماتها الاقتصادية في منظمة المؤتمر الإسلامي.

خامسا: التداعيات السلبية لبرامج الإصلاح الاقتصادي، فبعض جوانب وأهداف هذه البرامج المطبقة في الدول الإسلامية تسير في اتجاه مضاد للتكامل بين الدول الإسلامية، خاصة أنها ذات توجه وطني وتهدف لزيادة فورية في الصادرات، مما يؤدي لازدياد دافع المنافسة بين الدول الإسلامية التي تسعى لتعظيم صادراتها، وهو ما يؤثر سلبًا على جهود منظمة المؤتمر الإسلامي للتعاون.

كما أن برامج "الإصلاح الاقتصادي" المطبقة في البلدان الإسلامية تفتقر إلى قدر من الانسجام الإقليمي، فتحرير التجارة يفتح الباب أمام الواردات الرخيصة، وهو ما يضرّ بالصناعات الإسلامية. يضاف إلى ذلك أن تقليل الإنفاق العام -وهو أحد ملامح برامج "الإصلاح الاقتصادي"- يؤثر على الخطوط التنموية الإقليمية وعلى قدرة المواطنين الشرائية، ولا يسمح بتشجيع الواردات من الدول الإسلامية الشريكة في التكامل الاقتصادي.

سادسا: رغم وجود تكامل ملحوظ في مجال الزراعة بين عدد من الدول الإسلامية كما تشير دراسة للبنك الإسلامي، فإن ذلك الأمر غير موجود في قطاع الصناعات التحويلية أو التعدين. وتعود الأسباب إلى أن عددا كبيرا من الدول الإسلامية هم من منتجي السلع الأساسية والتقليدية التي تفتقر إلى التنوع وتقتصر على الموارد الطبيعية.

كما أن الإنتاج الصناعي ضعيف، وهناك سيطرة لإنتاج الصناعات الخفيفة وتشابه السلع الاستهلاكية المنتجة محليا، وتدني متوسط إنتاجية العامل في معظم البلاد مقارنة بالدول المتقدمة وعدم مواكبة التعليم والتدريب لاحتياجات الصناعة.

سابعا: هناك معوقات تتعلق بالقيود الجمركية والنقل، فثمة تعقيد في الإجراءات الجمركية والمواصفات القياسية للسلع والمعوقات الصحية التي تمنع في بعض الأحيان دخول السلع، وأيضا ارتفاع رسوم الخدمات والرسوم الأخرى التي تفرضها بعض الدول الإسلامية والتي تفوق أحيانا الرسوم الجمركية.

إيجابيات تنتظر التنفيذ

وتعرقل هذه الأسباب التعاون الاقتصادي بين دول منظمة المؤتمر الإسلامي، غير أن ثمة إنجازات حققتها المنظمة، ولكن تحتاج إلى تفعيل واهتمام من الدول الإسلامية التي تتباطأ في التصديق على اتفاقات المنظمة. ولعل أبرز الإنجازات هي قيام العديد من الهيئات المعنية بالشأن الاقتصادي بين الدول الإسلامية، ومنها البنك الإسلامي للتنمية الذي قام بعمليات لتمويل التجارة بالدول الإسلامية سواء تمويل الواردات أو تمويل الصادرات، وخفف بشكل مؤقت مشكلات نقص العملة الأجنبية لدى كثير من الدول الإسلامية.

كما تم إنشاء المركز الإسلامي لتنمية التجارة بالدار البيضاء بالمغرب ومركز التدريب والبحوث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية في أنقرة بتركيا، والغرفة التجارية والصناعية في كراتشي بباكستان. كذلك أنشئ الاتحاد الإسلامي للاتصالات السلكية واللاسلكية الذي تم إقرار نظامه الأساسي عام 1984 ووقعت عليه 13 دولة، إلا أن الاتفاقية لم تدخل بعد حيز التنفيذ حتى الآن نظرا لعدم توافر الحد الأدنى من تصديقات الدول والبالغ 15 دولة. حيث لم يصدق على النظام الأساسي سوى 11 دولة فقط.

أما المجلس الإسلامي للطيران المدني والذي تم إقرار نظامه الأساسي عام 1982 ووقعت عليه 16 دولة، فإنه لم يدخل أيضا حيز التنفيذ، نظرا لتوقيع 9 فقط على الاتفاقية حتى الآن. ونفس الأمر للنظام الأساسي لمعهد المعايير والمقاييس للدول الإسلامية، والذي تم إقرار نظامه الأساسي عام 1998 فلم توقع عليه سوى 6 دولة ولم يحظ إلا بتصديق 4 دول فقط ولهذا لم يبدأ تنفيذه بعد.

كما أن هناك بطئا في التعامل مع اتفاق التجارة التفضيلي بين الدول الإسلامية، الذي تمت الموافقة عليه عام 1990 وصادقت عليه 14 دولة إسلامية، هي: بنجلاديش والكاميرون ومصر وغنيا وإيران والأردن ولبنان وليبيا وماليزيا وباكستان والسنغال وتونس وتركيا وأوغندا.

وتم التصديق على معدلات التعريفات التفضيلية في مارس 2005. وتشمل خطة لخفض التعريفات الجمركية في إطار نظام التجارة التفضيلي لمنظمة المؤتمر الإسلامي على مراحل حتى تصل إلى نسبة 90% ليكون من حق الدول المشاركة استبعاد نسبة 10% من خطوط تعريفاتها كقائمة سلبية، غير أن ثمة شكوك ومخاوف من إمكانية التنفيذ.

وبناء على كل ما سبق، فإن الكثيرين ينظرون إلى مؤتمرات القمة الإسلامية على أنها مجرد منتديات للحوار وإصدار البيانات والقرارات التي لا يجد معظمها طريقه إلى التنفيذ العملي. بدليل أن قرارات القمة الإسلامية العاشرة بماليزيا في أكتوبر 2003 لتعزيز التجارة والاستثمار بين الدول الإسلامية والتعاون بين أسواق المال بالدول الإسلامية لم يتم تنفيذها بعد. كما أن الشق الاقتصادي لم يأخذ مكانة مميزة في جدول أعمال المؤتمر الاستثنائي الحالي للقمة الإسلامية.


صحفي اقتصادي، نائب رئيس تحرير صحيفة  الأهرام المصرية للشئون الاقتصادية،   ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة نماء namaa@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم