English

 

الخميس. فبراير. 9, 2006

نماء » قضايا اقتصادية » بقية العالم الإسلامي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

هل تصمد إيران أمام الحصار المتوقع؟

الرئيس أحمدي نجاد
الرئيس أحمدي نجاد

عقب صدور قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، وصف الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد القرار بأنه "مضحك". وقال الرئيس الإيراني في تصريحات بثتها وكالة الإنباء الإيرانية الرسمية خلال فبراير 2006: "لا نحتاج إليكم، بل أنتم (الغربيون) من تحتاجون إلى الشعب الإيراني".

فهل صحيح أن الغرب هو الذي يحتاج إلى إيران؟ أم العكس هو الصحيح، أم أن الطرفين بحاجة إلى بعضهما بنفس الدرجة؟ وهل يستطيع الاقتصاد الإيراني استيعاب صدمة الحصار المتوقع؟ وهل تستطيع الشركات الغربية الاستغناء عن إيران، أم سنشهد خروقات لقوانين الحظر المتوقعة كما حدث من قبل؟.

ملامح اقتصادية

بداية يجب التنويه إلى أن إيران تعتمد بشكل رئيسي على النفط الذي يمثل حوالي 85% من صادراتها، حيث تمتلك الجمهورية الإسلامية ثاني احتياطي نفطي في المنطقة بعد المملكة السعودية، وتنتج ما يقرب 4 ملايين برميل يوميا من النفط. وتصدر للخارج 2.4 مليون برميل، تذهب 60% منها لدول آسيا.

كما تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي غازي مكتشف في العالم، فضلا عن قاعدة صناعية معقولة خاصة في التصنيع العسكري وصناعة السيارات والبتروكيماويات، والسجاد والصناعات اليدوية والمواد المعدنية، كما تنتج بعض الحاصلات الزراعية التي تستهلك محليا إلى جانب التصدير.

وعلى صعيد المؤشرات الكلية للاقتصاد الإيراني، فتظهر بيانات البنك المركزي الإيراني أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بالسنة المالية المنتهية في مارس 2005 تراجع إلى 4.8%، بعد أن كان 6.7% عام 2004، في حين كانت الحكومة تستهدف الوصول إلى معدل 7.3% ويتوقع البنك المركزي أن يصل النمو إلى 5% في السنة المالية التي تنتهي في مارس 2006. وتعد أزمة البطالة من أبرز التحديات التي يواجهها الاقتصاد الإيراني؛ حيث يتعين على الحكومة توفير 800 ألف وظيفة كل عام؛ لإبقاء البطالة عند مستواها الحالي الذي يبلغ 11.2%.

أما ميزان المدفوعات فقد بلغ فائضه 3.9 مليارات دولار في مارس 2005، وفائض الميزان التجاري 7.7 مليارات دولار، بينما بلغ إجمالي قيمة الصادرات 44.4 مليار دولار. وفي الفترة نفسها تجاوزت الواردات التوقعات، فبلغت 36.6 مليار دولار.

وحسب بيانات دولية، فإن أبرز شركاء إيران التجاريين على صعيد الصادرات في عام 2004 هم: اليابان 18.4%، والصين 9.7%، وإيطاليا 6%، وجنوب إفريقيا 5.8%، وكوريا الجنوبية 5.4%، وتركيا 4.4%، وهولندا 4%. أما أبرز الشركاء الذين تستورد منهم إيران فهم: ألمانيا 12%، وفرنسا 8.3%، وإيطاليا 7.7%، والصين 7.2%، والإمارات 7.2%، وكوريا الجنوبية 6.1%، وروسيا 5.4%.

التداعيات بدأت

ورغم التلويح بفرض العقوبات الاقتصادية بقرار من مجلس الأمن، فإن هذا الأمر يبدو صعبا، خاصة أن هناك وسائل عقابية أخرى ينبغي أن تسبقه، كما أن دولا كثيرة صاحبة مصلحة سياسية أو اقتصادية ستحاول عرقلته، لكن إيران على أي حال يفترض أنها أعدت نفسها للتعامل مع هذا الحظر حال وقوعه فعلا.

وبدأت مخاوف الحظر تظهر في إيران على مجتمع الأعمال حيث سجلت البورصة التي تعد مقياسا لثقة القطاع الاقتصادي تراجعا كبيرا عقب صدور قرار الوكالة رغم تماسك القيادة السياسية خاصة في ظل تأييد شعبي.

فقد أشارت بعض الأخبار الواردة من طهران إلى حدوث حركة خروج رساميل من البلاد وتجميد قرارات الاستثمار قبل 3 أسابيع على الأقل، أي بإعلان إيران في العاشر من يناير 2006 استئناف النشاطات الحساسة المرتبطة بتخصيب اليورانيوم، وهو ما تسبب باندلاع الأزمة الحالية، كما أن التجار الكبار توقفوا عن تسديد شيكاتهم ويعمدون إلى سحب سيولتهم من المصارف، وأرجأ الزبائن الذين كانوا ينوون شراء منزل أو قطعة أرض قرارهم.

سلاح النفط

ويبدو سلاح النفط هو المهم بالنسبة لإيران في هذه المعركة، حيث تلوح طهران بقطع الإمدادات عن الدول المعادية لها، وهنا يمكن أن يبلغ سعر برميل النفط مائة دولار، وهو ما لا تحتمله الشركات والصناعات الغربية التي تستهلك كميات كبيرة من النفط، ما لا يحتمله المواطنون الغربيون الذين يستخدمون مشتقات النفط سواء كوقود تدفئة أو وقود سيارات، وسيؤثر ارتفاع النفط على بقية السلع والمنتجات التي تعتمد في إنتاجها عليه مما ينعكس سلبا على الاقتصاد العالمي عموما.

وتراهن طهران على مواقف بعض الدول الصديقة لها، والتي تستخدم كميات كبيرة من النفط الإيراني لا تستطيع الاستغناء عنه بسهولة والتي وقعت مع بعضها عقودا طويلة بمليارات الدولارات مثل الهند والصين.

وقد جاء رد الفعل الأولي من ألمانيا التي أعلن اتحاد غرف التجارة والصناعة فيها معارضته فرض عقوبات اقتصادية على إيران، معتبرا أنها ستؤدي إلى "نتائج عكسية". وقال رئيس الاتحاد لودفيغ جورج براون لصحيفة "دي فيلت" مؤخرا: "إن العقوبات الاقتصادية أداة تؤدي إلى نتائج عكسية فهي تجعل الشعب متضامنا مع الحكومة".

وتعد اليابان أكبر مستهلك لنفط إيران وتستورد 550 ألف برميل يوميا، تليها الصين وتستورد 300 ألف برميل يوميا من النفط الإيراني. ثم الهند وتستورد 150 ألف برميل يوميا وكوريا الجنوبية وتستورد 100 ألف برميل يوميا من النفط الإيراني. وفي قارة أوربا تستورد إيطاليا 225 ألف برميل يوميا، بينما تستورد فرنسا 175 ألف برميل يوميا. وتركيا 140 ألف برميل يوميا، فيما تستورد أسبانيا كمية قليلة من النفط الإيراني.

وتعتقد طهران أن بإمكانها الصمود في وجه أي عقوبات متوقعة حيث تمتلك قاعدة متنوعة للمنتجات الاستهلاكية الأساسية تغنيها عن الاستيراد من الخارج، كما تحتفظ بجبهة داخلية متماسكة إلى حد كبير ومؤمنة بحقها في امتلاك التقنية النووية السلمية ورافضة للضغوط الخارجية.

جدية تطبيق العقوبات

لكن هناك شكوكا قوية في طهران وعواصم عدة في جدية تنفيذ العقوبات حال فرضها، ويستند هذا الرأي إلى الخبرة السابقة في العقوبات التي فرضتها -ولا تزال- الحكومة الأمريكية ضد إيران منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في العام 1979، ولعل أبرز فصولها ما اصطلح على تسميته بـ"قانون داماتو" الذي شرع في عام 1996.

ويقضي القانون بحرمان الشركات التي تتعاون مع إيران من دخول السوق الأمريكية أو الحصول على ضمانات تزيد على 10 ملايين دولار في السنة من بنك الاستيراد والتصدير الأمريكي، وكذلك حظر الاشتراك بالعقود الحكومية أو الاتجار بالسندات التي تصدرها الخزانة الأمريكية. ورغم صدور هذا القانون منذ 10 سنوات فإنه لم ينجح في وقف تعاون الشركات الغربية ومنها الأمريكية مع إيران في المجال النفطي وغيره.

ونجحت طهران منذ عقد التسعينيات في الهروب من العقوبات الأمريكية من خلال تحسين علاقاتها الاقتصادية بالدول الآسيوية والعربية وأوربا، وكذلك تفعيل علاقاتها الاقتصادية مع السعودية، ووقعت مع الكويت وقطر معاهدات للتبادل التجاري. وتمكنت من استمالة كل من ألمانيا وفرنسا بالدخول في برامج تطوير إنمائي اقتصادي مشترك.

كما استطاعت كذلك تأمين أسواق آسيوية لاستيعاب كمية البترول التي كانت تستوردها الشركات الأمريكية والتي تبلغ 60 ألف برميل يوميا بعد توقف هذه الشركات عن استيرادها نتيجة الحظر المفروض عليها. وتحركت إيران صوب روسيا، حيث تم الاتفاق على إنشاء شركات مشتركة في مجال التنقيب عن البترول وإنتاجه. يضاف إلى ما سبق ظهور مشروع باسم "طريق الحرير"، وهو خط يصل الصين بأوربا، ويصل الشرق الأوسط والخليج العربي بالمحيط الهندي عبر إيران، كما يربط هذه الأخيرة بدول آسيا الوسطى.

تأثير متوقع للعقوبات

على الجانب الآخر، يعتقد الكثيرون في الغرب أن هناك الكثير من العقوبات التي يمكن أن تؤثر بشدة على إيران، كما يعتقدون أن النفط هو مصدر ضعف وليس مصدر قوة لإيران، فمنشآت الضخ والمعالجة في حالة مزرية إلى درجة أن الطلب المحلي على البنزين يزيد بنسبة 60% على قدرة البلاد على التصفية، ولمواكبة هذا الطلب تستورد إيران أكثر من 95000 برميل في اليوم.

ورغم أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي غازي مكتشف في العالم فإنها تستورد هذه المادة لاستخدامات شعبها، كما تحتاج طهران إلى التقنية الأجنبية ومئات المليارات من الدولارات على شكل استثمارات أجنبية، إذا ما أرادت تلبية الطلب المحلي على الطاقة.

وتعتمد إيران بشكل كبير على التمويل الخارجي لعدد من مشروعاتها، حيث ينمو قطاعا صناعة السيارات وبناء السفن الإيرانيان بوتيرة أسرع من قدرة البنوك المحلية على ملاحقتهما. ولكي يعمل هذان القطاعان فإنهما يعتمدان على القروض الأوربية. وتضم قائمة البنوك التي تقدم تلك القروض إتش إس بي سي، وبي إن بي باريبا، ودويتشه بنك، وكومرتسبنك، وستاندرد شارترد، ورويال بنك أوف سكوتلاند. لكن بعضها بدأ يبدي الحذر. وقال بنك يو بي إس السويسري مؤخرا إنه سيتوقف عن مزاولة أنشطة في إيران؛ لأن المناخ التجاري يبدو غير جاذب، فيما قال بنك كريديه سويس إنه لن يقدم قروضا لعملاء إيرانيين جدد.

كما أن صناعة السيارات التي يعمل فيها عشرات الآلاف من الإيرانيين قد تتلقى ضربة موجعة حال فرض حظر على مكونات السيارات، وفي ظل العقوبات المتوقعة قد تضطر صناعة السيارات للعودة إلى طرز قديمة، علما أن إيران تحولت مؤخرا إلى مركز إنتاج لشركات صناعة سيارات عالمية، مثل بيجو ورينو وهيونداي وفولكسفاجن.

يظل أن هناك نقاط قوة وضعف في الاقتصاد الإيراني الذي سيعتمد مدى تأثره بأي عقوبات محتملة على كيفية إدارة المواجهة نفسها مع الولايات المتحدة، والمنافذ المتاحة لحكومة طهران للتحرك دوليا، فضلا عن طبيعة العقوبات نفسها، وهل ستشمل النفط أم سيتم استثناؤه كما حدث في الحالة الليبية إبان أزمة لوكيربي، مما قد يخفف من وطأة أي حصار متوقع؟.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم