English

 

الخميس. يوليو. 26, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » بلاد الشام

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مياه الأردن.. احتياجات متزايدة ونقص حاد

ماجد توبة

الأردن تعاني من ندرة المياه
الأردن تعاني من ندرة المياه

إذا كانت العديد من الدول العربية تواجه تحديات مصيرية في قدرتها على توفير المياه لمواطنيها خلال السنوات القليلة المقبلة في ظل عجز مائي متصاعد وتزايد سكاني مرتفع، وهو ما قد يؤدي - كما يحذر بعض المحللين - لنشوب حروب، فإن المشكلة المائية بالنسبة للأردن تبدو الأكثر قسوة وحدية من بين كل دول المنطقة.

والمواطن الأردني، الذي لا يتوفر له حاليًا سوى حوالي 90 لترًا من مياه الشرب يوميًا مقارنة بما يصل إلى 300 لتر في دول الخليج و"إسرائيل"، سيكون معرضًا خلال السنوات المقبلة لتحمل تقشف مائي آخر حتى في ظل تنفيذ المملكة لمشاريع إستراتيجية طموحة كمشروع سد الوحدة مع سوريا، وجر مياه حوض الديسي إلى العاصمة عمّان.

ورغم تجنب المسؤولين الأردنيين وصف الوضع المائي خلال الصيف الحالي للمملكة التي تضم حوالي خمسة ملايين نسمة بـ "الأزمة"، فإنهم لا يترددون بالقول بأن الوضع المائي الصعب تفاقم العام الحالي ليصبح الأسوأ في العقد الأخير؛ جراء مواسم الجفاف التي تلاحقت على المنطقة منذ منتصف التسعينيات لتبلغ نسبة العجز المائي نسبًا مرتفعة غير مسبوقة، وهو ما اضطر الحكومة ووزارة المياه الأردنية لاتخاذ إجراءات قاسية لتقنين استخدام المياه للري بالدرجة الأولى والشرب في الثانية.

وارتفعت نسبة العجز في مياه الشرب المقدرة للعام الحالي إلى 27%، في حين بدت أكثر حدة في مياه الري التي وصلت فيها إلى 50%، وقد انخفض مخزون السدود الأردنية بصورة حادة إلى حوالي 20% من السعة التخزينية البالغة حوالي 160 مليون متر مكعب.

وتبدو المشكلة واضحة في أهم مصادر المياه السطحية للمملكة؛ حيث شهد منسوب مياه نهر اليرموك باتجاه قناة الملك عبد الله انخفاضًا ملموساً بما يعادل 80% مما كانت عليه في الأعوام السابقة، وقد أثّر شُح المياه بشكل كبير على مصادر المياه التي تغذي القناة وانخفضت بنسبة 20% من الحد الذي توقعته وزارة المياه في خطط الطوارئ الموضوعة.

ولم تتجاوز كمية الأمطار الهاطلة الموسم المنصرم ثلث معدلاتها السنوية المعتادة. وفي الوضع العام، يتميز الأردن كبلد صحراوي بقلة سقوط الأمطار وارتفاع معدلات التبخر؛ حيث إن حوالي 94% من مساحة المملكة تسقط عليها أمطار تقل عن 200 ملم سنويًا، وهو ما يؤدي إلى شُح المياه الجوفية وندرتها كون مياه الأمطار لا تعوض منها سوى 50%.

ويمكن تحديد أهم أسباب مشكلة المياه في الأردن فيما يلي:

  1. قلة سقوط الأمطار.
  2. ارتفاع نسبة التبخر.
  3. ارتفاع معدلات النمو السكاني.
  4. تزايد الطلب على المياه.
  5. التضارب الخارجي على المياه المشتركة.

وتُحذِّر الدراسات الفنية من أن النقص الشديد في المياه حاضرًا في الأردن سيتطور ويصبح أكثر شدة مع الزيادة السكانية وزيادة الطلب بما يفوق حدود التزويد المائي المتاح؛ حيث تغطي المصادر المتاحة حاليًا 75% فقط من الاحتياجات الفعلية للاستعمالات المنزلية والصناعة والزراعية، ويتوقع انخفاضها خلال عشر سنوات إلى 50%.

كما أن هناك تباينا كبيرا بين كمية المياه المتجددة والاحتياجات الحقيقية لمختلف الاستعمالات، ففي عام 1998 قُدِّر مجموع الاحتياجات المائية لمختلف الأغراض بالمملكة بحوالي 1119 مليون متر مكعب، ارتفعت عام 2000 إلى 1227 مليونًا، وسترتفع عام 2010 إلى 1450 مليونًا بعجز كلي مقداره 520 مليونًا وعام 2020 إلى 1658 مليونًا.

بينما تُقدَّر المياه المتجددة سنويًا في الأردن بحوالي 780 مليون متر مكعب منها حوالي 505 ملايين مياه سطحية و275 مليونًا جوفية، إضافة إلى مخزون مائي جوفي غير متجدد يمكن استغلاله بحدود140 مليون متر مكعب سنويًا.

وتنعكس المشكلة المائية واضحة في الأردن بالاضطرار للسحب الجائر والكبير للمياه الجوفية، وتؤكد وزارة المياه الأردنية أن السحب الجائر للمصادر الجوفية أدى لاستنزافها بصورة خطيرة إلى درجة وصل فيها السحب السنوي إلى ضعفي الكمية التي تصلها من الأمطار، مع العلم أن 70% من مياه الشرب في المملكة مصدرها جوفي.

وجرّاء الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية لسد رمق الأردنيين، دلّت القياسات الفنية في السنوات الأخيرة أن هناك هبوطًا حادًا في ستة أحواض جوفية من أصل 12 حوضًا كبيرًا تضمها الأردن، وهو ما أدى لارتفاع نسبة الملوحة في كثير منها وقد أُخرج حوضا الجفر (جنوب المملكة) والظليل (شرقها) من الخدمة.

خطة طوارئ للمياه

المشكلة المائية التي تفاقمت في السنوات القليلة الماضية جراء مواسم الجفاف وشح الأمطار اضطرت الحكومة الأردنية للجوء إلى خطط طوارئ في قطاع المياه، تعتمد الترشيد والتقنين في استهلاك المياه، وإيجاد مصادر ومشاريع جديدة لتغطية العجز المتزايد، وكان أقصاها خطة الطوارئ الأخيرة للصيف الحالي.

ويحصل سكان العاصمة عمّان والعديد من محافظات المملكة على حاجتهم من الماء مرة في الأسبوع على مدى يوم أو يومين فقط؛ حيث لا تزيد حصة الفرد السنوية عن 170 مترًا مكعبًا، وهو ما يُدخل الأردن ضمن أفقر عشر دول مائيًا في العالم.

وقد اضطرت الحكومة بصورة غير مسبوقة العام الحالي لإجراءات قاسية لتقنين مياه الري التي وصلت فيها نسبة العجز إلى 50% تقريبًا؛ حيث منعت الزراعات الصيفية في وادي الأردن وقيّدت بعض الزراعات بهدف توفير مياه نهر اليرموك لاستخدامها في مياه الشرب التي أُعطيت الأولوية، وهو قرار أثار احتجاج المزارعين إلا أن الحكومة بدت حاسمة في تطبيقه.

ودعّم الإجراءات الأردنية المذكورة قرار سوري بوقف الزراعات الصيفية على ضفاف نهر اليرموك في الجانب السوري، وهو ما زاد من منسوب نهر اليرموك ومياهه الواصلة للأردن؛ حيث قدر حجم الوفرة المتحقق للأردن من هذا القرار بـ 6-8 ملايين متر مكعب.

مياه سورية للأردن

التعاون الأردني السوري المشترك في مجال المياه الذي تعزز في ظل القيادتين الشابتين في البلدين توج الصيف الحالي بدعم سوريا للأردن بمليوني متر مكعب، بدأ بضخها عبر نهر اليرموك في منتصف تموز 2001 للمساهمة في توفير مياه الشرب للعاصمة عمّان.

ويشار إلى أن سوريا زوّدت الأردن العام الماضي بثلاثة ملايين متر مكعب من المياه، سبقتها ثمانية ملايين في العام 1999، ورغم أن الأردن كان يأمل بكمية أكبر من الدعم المائي من سوريا فإنه تفهم أوضاعها المائية التي تأثرت بمواسم الجفاف المتلاحقة، وهو ما اضطرها هي الأخرى لتقنين استخدام مياه الشرب في العاصمة دمشق قبل أسابيع.

ويسعى الأردن وسوريا لتعزيز تعاونهما المائي بتنفيذ مشروع إستراتيجي تأخر سنوات طويلة لأسباب عديدة ينفي المسؤولون الأردنيون أن تكون ممانعة "إسرائيل" أحدها، وهو مشروع سد الوحدة على نهر اليرموك، ومن المقرر طرح عطاء تنفيذ المشروع الذي تم تأمين تمويله البالغ 140 مليون دينار أردني من صناديق عربية وإسلامية قبل نهاية العام الجاري.

وتقدر سعة سد الوحدة التخزينية 225 مليون متر مكعب يخطط الأردن لتوفير 100 مليون متر مكعب فيه على أن تستفيد سوريا من الطاقة الكهربائية المتولدة عن السد.

وسد الوحدة أحد مشروعين إستراتيجيين يراهن الأردن على تنفيذهما خلال السنوات القليلة المقبلة لتأمين مصادر رئيسية للمياه، ويتمثل المشروع الثاني بجر مياه حوض الديسي الذي يقع جنوب الأردن إلى عمان العاصمة.

مشاريع داخلية لحل الأزمة

تواجه الحكومة الأردنية صعوبات في تأمين التحويل الضخم لمشروع الديسي المقدر بحوالي 620 مليون دولار، ويحد من العجز المائي المتزايد حيث يؤمن 100 مليون متر مكعب سنويًا على مدار 100 عام.

وسعى الأردن طويلاً للحصول على تمويل ليبي لمشروع الديسي على شكل منحة تمكنه من تقليل كلفة المشروع وعدم اللجوء إلى رفع أسعار المياه المدعومة على المواطنين، إلا أن العرض الليبي كان متواضعًا، وهو ما اضطر الحكومة الأردنية للجوء لاستقطاب عروض البنك الدولي والمؤسسات الدولية والعربية الإقراضية للمساهمة في تمويل المشروع.

ويتوقع أن يطرح العطاء الدولي للمشروع خلال النصف الأول من العام المقبل على نظام POT (بناء وتشغيل ونقل ملكية).

ورغم أن الأردن يؤكد على ضرورة إعطاء الأولوية للتعاون الإقليمي في مجال المياه كحل جذري لأزمة المياه في المنطقة خلال القرن الحالي، فإنه قد استبعد من خططه على المدى القريب وربما المتوسط التفكير ببعض المشاريع الإقليمية الكبرى.

كما طُرحت قبل سنوات فكرة جلب المياه من نهر الفرات في العراق إلى شمال الأردن، لكن الفكرة استبعدت لارتفاع الكلفة إلى حوالي ملياري دولار لجلب 160 مليون متر مكعب.

في حين أبدى الأردن اهتمامه قبل حوالي سنين بعرض تركي لتزويد الأردن و"إسرائيل" بالمياه (حوالي 180 مليون متر مكعب)، إلا أنه -أي الأردن- طالب أن يبحث هذا العرض ضمن إطار إقليمي يشمل دول المنطقة، وهو أمر مستبعد ضمن الظروف السياسية الحالية.

الأردن و"إسرائيل" والمياه

وعند الحديث عن البعد الإقليمي للمياه بالنسبة للأردن، تبرز العلاقة مع "إسرائيل" والاتفاقيات المائية بين الطرفين.

فاتفاقية السلام الموقعة مع "إسرائيل" لم تسهم في حل أزمة المياه في الأردن، وكانت الحكومة الأردنية قد روّجت أن اتفاقية السلام التي وقّعتها مع "إسرائيل" في وادي عربة عام 1994 ستوفر للأردن 235 مليون متر مكعب من المياه كل عام.

ورغم تأكيد الأردن على وضوح حقوقه المائية المنصوص عليها في معاهدة السلام مع "إسرائيل"، فإن الأخيرة لم تعدم استخدام تفسيرات لبعض نصوص المعاهدة وحجج أخرى لخفض حصة الأردن خاصة في مواسم الجفاف الأخيرة، الأمر الذي أدى لنشوب أزمات حول المياه بين الطرفين سعت الحكومة إلى عدم إظهارها لأغراض سياسية تتعلق بعداء الشارع الأردني لإسرائيل ومحاولتها إضفاء صور تجميلية على مستحقات عملية السلام.

وحسب اتفاقية السلام، تم تحديد حصة "إسرائيل" من نهر اليرموك بـ 25 مليون متر مكعب بواقع 12 مليونًا في الصيف و13 مليونًا في الشتاء، ويخزن الأردن في بحيرة طبريا 20 مليون متر مكعب من "اليرموك" شتاء، تضخها "إسرائيل" للأردن صيفًا من 15 مايو وحتى 15 تشرين أول.

ونتيجة لشح الأمطار الشتاء الماضي انخفضت كمية المياه الأردنية المخزنة في طبريا إلى 12 مليون متر مكعب، طالب الأردن "إسرائيل" بزيادتها إلى 20 مليونًا، وهو أمر لم توافق عليه "إسرائيل" حتى الآن خلافًا لمعاهدة السلام.

كما نصت معاهدة السلام على أن تزود "إسرائيل" الأردن بـ 50 مليون متر مكعب إضافية سنويًا على أن يتعاون الطرفان بتحديد مصدرها خلال عام من نفاذ المعاهدة، وهو أمر لم يتحقق أيضا حتى الآن!.

وقد أصر الأردن على حقه بالمياه الإضافية، وهو ما أثار خلافًا مع "إسرائيل" سُوّي باتفاق عام 1997 تقوم بموجبه "إسرائيل" بتزويد الأردن بما معدله 25-30 مليون متر مكعب سنويًا من أصل كمية المياه الإضافية إلى أن تقام محطة تحلية لم تر النور حتى الآن لاختلاف الطرفين على من يتحمل كلفتها.

هذا الخلاف حول المياه الإضافية تبعه خلاف آخر كاد أن يصل لأزمة بين الطرفين العام الماضي، عندما اعتبرت "إسرائيل" أن اتفاق 1997 ينتهي بعد ثلاثة أعوام، معلنة أنها ستوقف المياه الإضافية عن الأردن الذي أصر على حقه بتلك المياه حسب اتفاقية السلام، وقد حصل له ذلك.

وفي صيف العام ذاته وقعت أزمة خانقة في مياه الشرب في العاصمة عمّان جراء ضخ "إسرائيل" مياه شرب ملوثة (عادمة) إلى إحدى محطات المياه في الأردن من حصته في بحيرة طبريا، وأدت إلى وقوع حالات تسمم عديدة سجلتها المستشفيات قدرت بالمئات، فضلا عن نقص المياه وانقطاعها.

ورغم تورط "إسرائيل" المباشر في ضخ المياه الملوثة إلى عمّان فإن لجان التحقيق التي شكّلت للوقوف على الحقائق انتهت كما انتهت إليه العديد من اللجان، وهي ذهاب الأزمة طي النسيان مع مرور الوقت دون محاسبة المسؤولين أو أن تكون الضحية صغار الموظفين. وحرصت الحكومة هنا أيضا إلى عدم الإشارة بأصابع الاتهام إلى "إسرائيل" لعدم تعريض عملية السلام الهشة لأي هزة.

وتنص معاهدة السلام على حق "إسرائيل" باستغلال المياه الجوفية الأردنية بوادي عربة جنوب المملكة بكمية تصل إلى عشرة ملايين متر مكعب سنويًا، وتشير المعلومات إلى أن "إسرائيل" تقوم بشفط كميات إضافية فوق ما هو منصوص عليه في المعاهدة من المياه الأردنية في وادي عربة في الوقت ذاته الذي يحظر القانون الأردني على المواطنين حفر الآبار.

وبين المساعدات الإقليمية القائمة والعالمية المتوقعة وتغطية ما تسرقه إسرائيل أو ترفض تسليمه تستمر الأردن في محاولاتها لحل أزمة المياه المتفاقمة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم