بعد الجدال الطويل حول موعد ومكان انعقاد المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية تم حسم هذا الجدل لصالح انعقاد المؤتمر في موعده ومكانه في الدوحة القطرية خلال الفترة من 9 إلى 13 نوفمبر 2001، وهذا المؤتمر يعقد في ظل ظروف في غاية الصعوبة والتعقيد؛ حيث يأتي في أعقاب فشل مؤتمر "سياتل"، وزيادة موجة العداء والاعتراض على مسيرة العولمة في المجالات الاقتصادية التي تقودها منظمة التجارة العالمية.
كما يأتي انعقاد هذا المؤتمر في ظروف دولية تخيم عليها أجواء الحرب والإرهاب، وينقسم فيها العالم حول أسلوب القضاء على الإرهاب، وكل هذه الظروف تزيد من فرص فشل مؤتمر الدوحة؛ ولأن منظمة التجارة العالمية تدرك مدى خطورة فشل هذا المؤتمر على مستقبل النظام الاقتصادي العالمي، وعلى مسيرة العولمة، وعلى مستقبل المنظمة نفسها؛ فإنها تعمل بكل ما لديها من أدوات وإمكانيات لتحقيق نجاح هذا المؤتمر في إطلاق جولة جديدة من المفاوضات حول تحرير التجارة العالمية، ولذلك كان حرص المنظمة على انعقاد المؤتمر في موعده دون تأجيل؛ لأنه في هذه الحالة قد يصعب اتفاق الدول الأعضاء على موعد جديد، كما حرصت المنظمة على انعقاد المؤتمر في نفس المكان المحدد له من قبل، وهي مدينة الدوحة؛ حتى لا يؤدي تغيير المكان إلى عدم حضور بعض الوفود.
وفي إطار حرص المنظمة على توفير كافة عوامل نجاح المؤتمر قامت بعمل دهائي؛ حيث قامت المنظمة بتوزيع مشروع البيان الختامي المقرر صدوره عن المؤتمر على الدول الأعضاء قبل الانعقاد بأكثر من شهر، وطلبت من الدول التعليق عليه والرد على المنظمة بالنقاط التي عليها خلاف أو تحفظ، وقد قامت المنظمة بذلك من أجل ضمان التغلب على الخلافات بين الدول الأعضاء قبل بدء أعمال المؤتمر؛ حتى لا يكون المؤتمر ساحة لاحتدام الخلاف بين الدول.
ورغم ما في هذا الإجراء من مصادرة على المطلوب من أعمال المؤتمر، وتضييق مساحة الحرية المتاحة أمام الدول الأعضاء لعرض قضاياها ومشاكلها الخاصة، فإن الأمر يحتاج القيام بقراءة في مشروع هذا البيان؛ لاستكشاف أبعاد العرض المطروح على الدول الأعضاء، وخاصة الدول النامية، وكذلك للتعرف على إمكانية الاتفاق أو الاختلاف بين الدول على هذه النقاط.
تجديد العهد
تضمنت البنود العشرة الأولى من مشروع البيان على تأكيدات وإقرارات من الدول الأعضاء بأنها تجدد ثقتها في النظام التجاري العالمي، وفي منظمة التجارة العالمية وأهدافها، مع محاولة واضحة لإرضاء الدول النامية تجنبًا للمعارضة التي يمكن أن تصدر عنها؛ حيث تمثلت هذه البنود العشرة في الآتي:
|
البند
|
النص
|
|
الإقرار بدعم النظام التجاري متعدد الأطراف والمتجسد في منظمة التجارة العالمية.
|
نحن مصممون في ضوء الركود الاقتصادي العالمي على الحفاظ على عمليات الإصلاح وتحرير السياسات التجارية؛ فهذا من شأنه ضمان لعب النظام دورًا كاملاً في دعم الانتعاش والنمو.
|
|
الإشارة إلى حرص الجميع على مصالح الدول النامية، والتغلب على مشاكلها، وخاصة الفقر.
|
تلعب التجارة الدولية دورًا أساسيًا في تخفيف حدة الفقر، ونحن نقر بأن التزامنا بكفالة ذلك لجميع شعوبنا قد يستفيد من الفرص المتزايدة، ومكاسب الرفاهية المتولدة من النظام التجاري متعدد الأطراف، وفي برنامج العمل الذي تبناه هذا الإعلان. ونحن نسعى إلى وضع مصالح واحتياجات الدول النامية والأقل نموًا في صدارة عمل منظمة التجارة العالمية.
|
|
التأكيد على عدم تعارض منظمة التجارة العالمية مع التكتلات الإقليمية.
|
نشدد على التزامنا بمنظمة التجارة العالمية كمنتدى متميز لصنع قواعد التجارة العالمية وتحريرها، وفي الوقت نفسه نقر أيضًا بأن اتفاقيات التجارة الإقليمية بإمكانها أن تلعب دورًا مهمًا في دعم تحرير وتوسيع التجارة.
|
|
التأكيد على تكامل جهود المنظمة مع البنك وصندوق النقد الدوليين.
|
نحن على دراية وعلم بأن التحديات التي تواجه الدول الأعضاء في ظل بيئة دولية تتسم بالتغير السريع، لا يمكن معالجتها من خلال إجراءات تُتخذ في مجال التجارة فقط؛ حيث يجب العمل مع مؤسسات "بريتون ودور" لخلق تجانس أكبر في صنع السياسة الاقتصادية العالمية.
|
|
التأكيد على الانفتاح الاقتصادي وحماية البيئة.
|
نقر بأن أهداف إقامة وصيانة نظام تجاري متعدد الأطراف يتم من خلال الانفتاح وعدم اتباع سياسات تمييزية، والعمل من أجل حماية البيئة ودعم التنمية المتواصلة؛ حيث يمكن بل يجب أن يدعم بعضهما البعض، ونحن نقر بحق الأعضاء بموجب القواعد المتعددة الأطراف واتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة لتقوية وتعزيز مستويات الصحة والأمان وحماية البيئة.
|
|
التأكيد على أهمية معايير العمل الدولية، مع عدم إغفال دور منظمة العمل الدولية في ذلك.
|
نعيد التأكيد على الإعلان الصادر عن المؤتمر الوزاري في سنغافورة فيما يتعلق بمعايير العمل الدولية، ونحن نلاحظ أن العمل يسير قُدُمًا في منظمة العمل الدولية حول البعد الاجتماعي للعولمة.
|
|
التنويه عن انضمام أعضاء جدد للمنظمة، وخاصة الصين.
|
نلاحظ مع شعورنا بالرضا أن هذا المؤتمر قد استكمل إجراءات انضمام الصين للمنظمة، ونرحب بانضمام كل من ألبانيا، وكرواتيا، وجورجيا، والأردن، وليتوانيا، وماليزيا، وعمان، كأعضاء جدد مع بدء 28 دولة للتفاوض من أجل الانضمام.
|
|
عدم إغفال المعارضين للمنظمة، وخاصة من الجمهور والمنظمات الأهلية "المجتمع المدني".
|
نحن سنستمر في العمل على دعم فهم أفضل لدى الجمهور حول منظمة التجارة العالمية، وتوصيل فوائد النظام التجاري المتعدد الأطراف القائم على القواعد والتعددية خاصة من خلال التوزيع الفعال للمعلومات، وتحسين الحوار مع الجمهور.
|
|
الموافقة على إطلاق جولة جديدة للمفاوضات.
|
نوافق على اتخاذ برنامج عمل متوازن ومتسع، ويمتد على أجندة تفاوضية متسعة والقرارات المهمة الأخرى الضرورية لمعالجة التحديات التي تواجه النظام التجاري المتعدد الأطراف.
|
|
الإشارة العابرة إلى مشاكل التطبيق.
|
نعلق أهمية قصوى على وسائل التنفيذ والاهتمامات ذات الصلة المثارة من الأعضاء، ونحن مصممون على حلها.
|
المستقبل وإغراء الدول النامية
أفرد مشروع البيان الختامي فقرة كاملة لما أُطلق عليه برنامج "العمل المستقبلي" دون أن يوضح المقصود بهذا البرنامج، وهل هو برنامج المؤتمر نفسه أم برنامج العمل بعد انطلاق الجولة الجديدة للمفاوضات متعددة الأطراف؛ حيث تشير هذه الفقرة إلى أنه سيتم تنقيح هذا النص (أي مشروع البيان الختامي) من خلال المزيد من المشاورات بناءً على مجموعة من العناصر أهمها:
1- الاهتمام بما وصلت إليه المفاوضات الجارية مع التأكيد على الدور الهام لمشاركة الدول النامية.
2- الاهتمام بالهدف طويل الأجل للإصلاحات في قطاع الزراعة.
3- التأكيد على أهمية اتجاه عمليات الإصلاح إلى مجال النفاذ للأسواق، وسياسات الدعم المحلي، والقدرة التنافسية للصادرات.
4- عدم إغفال أضرار السياسات التمييزية على تدفق التجارة الدولية.
5- الاهتمام بالنواحي غير التجارية التي يمكن أن تتعلق بالتجارة مثل البيئة والعمالة وغيرها.
6- الاتفاق على طريق وبرنامج التفاوض المستقبلي.
الخدمات والسلع غير الزراعية
تضمَّن مشروع البيان الختامي للمؤتمر جزءًا هامًا يتعلق بتجارة الخدمات ونفاذ السلع غير الزراعية للأسواق، والملاحظ أن هذا الجزء يركز على الموافقات المطلوب إقرارها من الدول الأعضاء بشأن المفاوضات المستقبلية ومجالاتها؛ حيث تضمَّن هذا الجزء التالي:
1- التأكيد على أهمية المفاوضات متعددة الأطراف الجارية منذ يناير 2001 حول تحرير تجارة الخدمات؛ حيث يرى مشروع البيان أنها أسلوب مهم لدعم النمو الاقتصادي لجميع الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية في الدول النامية، كما يؤكد مشروع البيان عن رضا الأعضاء عن تقدم هذه المفاوضات.
2- التأكيد على موافقة الدول الأعضاء صراحة على بدء مفاوضات جديدة في مجال نفاذ المنتجات غير الزراعية للأسواق، وأن يكون الهدف هو الخفض أو الإزالة الملائمة للتعريفات الجمركية، بما في ذلك إزالة أو خفض الحد الأقصى للتعريفة الجمركية، وكذلك القيود والحواجز غير الجمركية؛ حيث نصّ مشروع البيان على "نوافقُ على مفاوضات تهدف إلى الخفض أو الإزالة للتعريفات …".
3- التأكيد على ضرورة مراعاة مصالح الدول النامية والأقل نموًا أثناء هذه المفاوضات باعتبارها دولا أولى بمزيد من الرعاية.
التجارة وحركة رؤوس الأموال
اهتم مشروع البيان بالمجالات المرتبطة بالتجارة، وأهمها حركة رؤوس الأموال؛ حيث ينص على الآتي: "نوافق على إجراء مفاوضات تهدف إلى إرساء إطار عمل لقواعد متعددة الأطراف؛ لضمان ظروف مستقرة وشفافة وقابلة للتنبؤ بها، من أجل مصلحة الاستثمارات العابرة للحدود، خاصة الاستثمار الأجنبي المباشر طويل الأجل، وذلك بحيث يعكس إطار العمل بطريقة متوازنة اهتمامات ومصالح الدول المستضيفة للاستثمارات والدول المرسلة لها، ويأخذ في حسبانه المسئوليات التنظيمية للحكومات والأهداف التنموية والاقتصادية".
التجارة الدولية والملكية الفكرية
عالج مشروع البيان الختامي العلاقة بين التجارة وحقوق الملكية الفكرية في مساحة كبيرة، وقد بدأت الفقرة الخاصة بهذا الموضوع بطرح اقتراحات لمعالجة مسألة العلاقة بين الملكية الفكرية وضمان حصول المجتمع الدولي على الأدوية في بيان أو إعلان منفصل باعتبار قضية الأدوية تهم القاعدة العريضة من الأفراد، وتهم الدول النامية بالدرجة الأولى، وفيما عدا ذلك تضمن مشروع البيان الموافقة الصريحة من الدول الأعضاء بشأن الآتي:
1- الموافقة الصريحة على استكمال المفاوضات لتأسيس نظام متعدد الأطراف للإبلاغ والتسجيل فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية في مجال المشروبات الروحية والخمور.
2- الموافقة الصريحة على قيام مجلس حقوق الملكية الفكرية بالمنظمة بدراسة إمكانية إضافة مجالات إنتاجية جديدة لمفاوضات حقوق الملكية الفكرية إلى جانب المجالات المنصوص عليها سابقًا.
3- الموافقة على أن تقوم المنظمة بإعطاء تعليمات لمجلس "التربس" لمواصلة برنامج عمله، على أن يعطي الاهتمام الأكبر للعلاقة بين اتفاقية حقوق الملكية الفكرية ومعاهدة التنوع البيولوجي وحماية المعرفة التقليدية.
ملاحظات ختامية
بنظرة فاحصة لمشروع البيان الختامي الذي طُرح على الدول الأعضاء يلاحظ أن الأمور لم تتغير كثيرًا عن مؤتمر "سياتل"، من حيث الموضوعات، والمسار المستقبلي لتحرير التجارة والآليات المتعلقة بعمليات التطبيق؛ حيث يُلاحَظ الآتي:
1- الموضوعات التي تناولها مشروع البيان الختامي لمؤتمر الدوحة لا تختلف كثيرًا عن الموضوعات التي كانت محل الخلافات بين الدول الأعضاء في مؤتمر "سياتل"؛ وهو ما يؤكد إصرار المنظمة والدول الكبرى على المضي قدمًا في نفس مسار العولمة الاقتصادية، وخاصة في مجال تحرير التجارة مع اتباع نفس منهج التحرير.
2- هناك تغيير ملموس -وإن لم يكن كبيرا- في لهجة مشروع البيان الختامي؛ حيث يلاحظ التخفيف في استخدام عبارات، وألفاظ الإلزام للدول الأعضاء بمجالات المفاوضات التي سيعلن عنها المؤتمر.
3- المحاولات الواضحة والمتكررة في مشروع البيان الختامي لاسترضاء الدول النامية من خلال التأكيد المتكرر على حرص المنظمة والمفاوضات القادمة على حل مشاكل الدول النامية، ومراعاة مصالحها الاقتصادية، وإن كان مشروع البيان لم يوضح كيفية تحقيق هذه المصالح.
4- عدم إغفال مشروع البيان لكسب رضاء "المجتمع المدني"؛ حيث يؤكد مشروع البيان على جعل الجمهور أكثر تفهما لمنظمة التجارة العالمية، ودورها من خلال الشفافية والمعلومات، دون أن يدرك أن حقيقة المعارضة من جانب هذا المجتمع تنبع من الاعتراض على الأهداف، والأسلوب الذي تتبعه المنظمة في تحرير التجارة، وليس معارضة ناتجة عن عدم الفهم.
5- مشروع البيان الختامي أغفل تماما الآليات التي تضمن التزام الدول المتقدمة بتنفيذ تعهداتها السابقة أو المستقبلية أمام المنظمة؛ الأمر الذي تشكو منه الدول النامية؛ حيث لا فائدة من مجرد الالتزام دون تطبيق أمين ودقيق لهذه الالتزامات.
6- حاول مشروع البيان إرضاء الأطراف التي تعترض على تناول القواعد المنظمة للعمل في إطار منظمة التجارة العالمية، وتركها تماما لمنظمة العمل الدولية، ولكن الملاحظ أنه لم يعلن صراحة عن عدم إدخال هذه القواعد في المفاوضات، ولكنه أكد على أهمية هذه المعايير مع عدم إغفال دور منظمة العمل الدولية في ذلك؛ وهو ما يعني الإصرار على إدخال هذه المعايير في المفاوضات، واستخدامها في مجال التجارة، ويلاحظ نفس الأمر بالنسبة لمعايير البيئة والصحة والسلامة.
7- المحاولة الصريحة والواضحة لمشروع البيان الختامي لإعلان موافقة الدول الأعضاء صراحة على إطلاق جولة جديدة من المفاوضات متعددة الأطراف حول تحرير التجارة العالمية، دون الدخول في تفاصيل قد تثير الاعتراض من قِبل العديد من الدول خاصة الدول النامية؛ حيث إن المهم لدى المنظمة هو الإعلان عن هذه الجولة؛ لأن ذلك يعني نجاح المؤتمر، وهو ما تحرص عليه المنظمة والدول المتقدمة.
مشروع البيان الختامي لمؤتمر الدوحة، والذي طُرح قبل أكثر من شهر من فعاليات المؤتمر يؤكد على أمر هام، وهو أن "اليوم أشبه بالبارحة"، ولكن هل هذا يعني تكرار الفشل في الدوحة؟ أم أن أُفول شمس يوم الدوحة سيكون في سياق مختلف عن أفول شمس بارحة "سياتل"؟