|
حكومات تتغير، وجهود تُبذل.. وتبقى معظم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والمالية في سوريا كما هي؛ تدور من سنة إلى أخرى دون حلول ناجعة، فالجهود التي بذلتها حكومة الدكتور محمد مصطفى ميرو التي أُعلنت في آذار (مارس) 2000 وأُعيد تشكيلها مؤخراً لتفعيل النشاط الاقتصادي وتحقيق معدلات نمو مقبولة تكون قادرة على التصدي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية المزمنة التي تعاني منها سوريا -لم تكلل بالنجاح، والنتائج الاقتصادية التي تحققت خلال هذه الفترة كانت متواضعة ودون التوقعات، على الرغم من حزمة الإجراءات والقوانين الاقتصادية التي تم اتخاذها في هذا الصدد.
ولعل مشكلة البطالة التي تبلغ حسب الإحصاءات غير الرسمية نحو 30% هي الأخطر في هذا السياق، بالإضافة إلى ضعف معدلات النمو الاقتصادي في الناتج المحلي الإجمالي.
ويستغرب العديد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين عدم خروج الاقتصاد السوري من دائرة الركود الاقتصادي التي دخل فيها منذ أكثر من خمس سنوات، رغم تحسن الظروف الاقتصادية التي سادت خلال العامين الماضيين 2000 و2001؛ فقد ارتفعت أسعار النفط التي تشكل 50% من ورادات الخزينة السورية إلى معدلات قياسية، وانتهت موجة الجفاف التي ضربت سوريا لأكثر من ثلاث سنوات متتالية وتسببت في خسائر كبيرة في القطاع الزراعي الذي يشكل نحو 33% من الناتج الإجمالي المحلي ويستوعب نحو 30% من القوى العاملة في البلاد، ومع ذلك كانت معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي التي حققها الاقتصاد السوري حسب التقديرات المستقلة تتراوح بين 1 و2% فقط، وهو ما يعني أن النمو الاقتصادي سجل بعض التحسن إلا أنه لم يستطع أن يخرج من حالة الكساد التي يعاني منها، ذلك أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 2.5% أو أقل من ذلك يعني أن الاقتصاد ما زال في دائرة الكساد.
وللفشل أسباب كثيرة..
خبراء آخرون يرجعون عدم تحسن الأداء الاقتصادي، وبالتالي عدم ظهور نتائج إيجابية للإصلاحات الاقتصادية أو الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المستقيلة -إلى أسباب تتعلق ببنية الاقتصاد السوري الذي يرزح تحت وطأة قوانين قديمة لا تتناسب وروح العصر، وبيروقراطية خانقة، وفساد مالي وإداري مزمن، وغياب كامل للشفافية، وضعف كبير في قطاع المعلومات والتكنولوجيا الحديثة، واعتماد الاقتصاد السوري على عدد محدود من السلع جعل بنيانه هشًا وعرضة لتقلبات أسعار هذه السلع؛ وهو ما أدى إلى نمو غير دائم، فمرة يعتمد النمو الاقتصادي على المساعدات الخارجية، وأخرى على أسعار النفط المتقلبة، وثالثة على موسم الأمطار.
وهكذا.. في حين أن النمو الاقتصادي يحتاج إلى سياسات فاعلة وقوانين واضحة، وموارد متعددة، ووضوح في الرؤية الاقتصادية، فإن ضبابية الرؤية حول الإصلاحات وعملية الانتقال من القرار المركزي إلى قرار اقتصاد السوق أدى إلى لجم الاستثمارات السورية للمغتربين السوريين الذين تقدر مدخراتهم بين 60 و70 مليار دولار، ناهيك عن الاستثمارات العربية الأجنبية التي ما زالت محدودة، رغم مرور أكثر من عقد من الزمان على صدور قانون الاستثمار رقم 10. علاوة على ضرورة ترافق عملية الإصلاح الاقتصادي مع الإصلاح السياسي والإداري، بالإضافة إلى عدم توفير مصادر مالية واضحة لهذه الإصلاحات باستثناء الحديث عن رؤوس أموال ضخمة للاستثمار طويل الأجل في مشاريع إنتاجية توفر معدلات نمو في الناتج الإجمالي المحلي، مع غياب آلية واضحة في توجه الحكومة وغياب محركات السوق التي تسهم بحماية المستثمر، مثل المناطق الحرة وتوفير البنية الأساسية والتنظيمية للمستثمرين، علاوة على المعوقات التشريعية الأخرى.
ولعل من أوضح الأدلة على ذلك أن الموازنة العامة للدولة لعام 2002 والبالغة نحو 7.6 مليارات دولار بزيادة إنفاق مقدارها 10% على إنفاق العام السابق لا تتضمن رصد أموال لإجراء إصلاحات اقتصادية، كما أن الاحتفاظ بالقطاع العام ورفض عمليات الخصخصة لضرورات إستراتيجية وأمنية -كما أفاد بذلك وزير التخطيط السوري السابق عصام الزعيم- سيحرم الموازنة من أموال كان يمكن أن تُستخدم في تمويل عمليات الإصلاح الاقتصادي.
أما بالنسبة لفشل الحكومة في التصدي للمشكلات المزمنة التي حاولت التعاطي معها، فعلى الرغم من بعض التقدم الذي سجل على طريق معالجة بعضها مثل مشكلة الديون، وكذلك تشخيص بعضها مثل مشكلة البطالة -فإن عقبات مالية كانت السبب الرئيسي في هذا الفشل.
كما لعبت العقبات الإدارية والبيروقراطية دورًا رئيسيًا في عدم تنفيذ العديد من الإجراءات والقوانين الملحة، مثل إنشاء مصارف خاصة أو تحديث الجهاز المصرفي السوري الذي لا يزال يعمل في ظروف بدائية ولا يقدم خدمات تذكر، وبينما تتحدث وسائل الإعلام الرسمية عن إنجازات تحققت يصعب رصد أي تغيير فعلي، حتى أن القانون الذي يسمح بتأسيس مصارف خاصة لا يزال ينتظر الهيئة المنظمة لمتابعة ومراقبة القطاع المصرفي.
الأحداث العالمية تلقي بظلالها
قلق شديد من مستقبل الأوضاع الاقتصادية يشعر به العديد من المسؤولين والخبراء في سوريا بسبب الأحداث الدولية واحتمال تفاقم الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة وانعكاس ذلك على الاقتصاد، وهو ما يمثل عقبات إضافية أمام الحكومة الجديدة للمضي قدمًا في عملية الإصلاح الاقتصادي، ويرصد الخبراء مجموعة من التأثيرات المتوقعة في هذا السياق، منها:
- تراجع أسعار النفط العالمية بنسب تصل حتى الآن إلى نحو 30% منذ 11 أيلول (سبتمبر)، واحتمال استمرار هذا التراجع لفترة طويلة في ظل الظروف الدولية السائدة، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع عجز الموازنة التي تشكل الإيرادات النفطية منها للعام القادم نحو 50.2%، كما تمثل الإيرادات النفطية نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي وثلاثة أرباع الصادرات، ويقول تقرير دولي: إن عائدات النفط السوري بلغت عام 2000 نحو 3.6 مليارات دولار مُشكِّلة نحو 60% من واردات الخزينة السورية من العملات الأجنبية، مقابل 2.4 مليار دولار عام 1999.
- احتمالات توقف النفط العراقي المتدفق على سوريا خلال العام القادم والذي يوجه للاستهلاك الداخلي؛ باعتباره الأرخص ثمنًا، فيما يصدر مقابله كميات مماثلة من النفط السوري إلى الأسواق الدولية، وتقدر مصادر مطلعة هذه الكمية بنحو 150 ألف برميل يوميًا، تتدفق عبر خط النفط الذي يصل بين حقول كركوك ومرفأ بانياس السوري، والذي أعيد فتحه في تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي.
- تكبد الاقتصاد السوري -كغيره من الاقتصاديات الدولية والعربية- خسائر بسبب الهجمات على الولايات المتحدة والحرب الأمريكية على الإرهاب، وتشمل القطاعات التي تأثرت بالأحداث قطاع السياحة وشركات الطيران، بالإضافة إلى العديد من النشاطات الاقتصادية، سواء ما يتصل بعمليات التصدير أو الإنتاج، بالإضافة إلى فعاليات القطاع الخاص والعام، وقد ترتفع فاتورة الخسائر خلال العام المقبل في حالة استهداف دول عربية في المنطقة.
- زيادة أعباء خدمة الدين الخارجي نتيجة القروض الجديدة التي ستلجأ الحكومة إليها لتغطية العجز في الموازنة العامة، فعلى سبيل المثال تضمنت الموازنة الجديدة لعام 2002 اعتمادات بقيمة 40.5 مليار ليرة سورية (نحو 800 مليون دولار) لخدمة أعباء الدين الخارجي، ومع احتمال تراجع إيرادات النفط فإن الحكومة قد تلجأ مجددًا إلى الاقتراض؛ وهو ما سيزيد من قيمة الديون الخارجية ويزيد الضغط على الموازنة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إجمالي الديون الخارجية بلغ عام 2000 نحو 22.3 مليار دولار بنسبة 134.1% من الناتج المحلي الإجمالي، انخفضت عام 2001 إلى نحو 130.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي ظل الظروف الجديدة فمن المتوقع أن ترتفع مرة أخرى.
- فقدان الاستثمارات الأجنبية التي كانت الحكومة تحاول استدراجها إلى سوريا؛ بهدف رفع معدلات النمو الاقتصادي إلى مستويات تسمح بالتصدي للمشكلات المزمنة التي يعاني منها الاقتصاد؛ وبالتالي توفير بعض مصادر التمويل لخطة التنمية الاقتصادية الخمسية 2001 -2005 التي وضعتها الحكومة السابقة، بتكاليف إجمالية تبلغ نحو 25 مليار دولار. وكانت الحكومة السورية السابقة قد عقدت مع مؤسسة "يورو موني" مؤتمرًا كبيرًا في العاصمة البريطانية لندن في تموز (يوليو) الماضي لتشجيع الاستثمار الأجنبي في سوريا، وحضره مئات من رجال الأعمال السوريين والبريطانيين.
أخطر التحديات
تمثل العناصر السابقة عوامل ضغط إضافية على الاقتصاد السوري وموارده؛ وبالتالي ستترك انعكاسات اقتصادية واجتماعية خطيرة إذا لم يتم التعامل معها بشكل مناسب، ولعل أخطرها يتمثل في تراجع معدلات النمو، واحتمال تعرض الاقتصاد إلى حالة انكماش، وكذلك تفاقم مشكلة البطالة وما قد ينتج عنها من تفاعلات اجتماعية ليست بالحسبان.
على صعيد تأثر معدل النمو الاقتصادي فقد جاء في موازنة العام القادم التي تم إقرارها مؤخراً أن النمو المستهدف في عام 2002 هو 3%، على أن يصل عام 2005 - وضمن إطار الخطة الخمسية التي تم وضعها العام الماضي - إلى نحو 4%، لكن في ضوء النمو الحقيقي المتحقق خلال العامين الماضيين، ونتيجة للظروف الاقتصادية الجديدة فإن من العسير تحقيق معدل نمو إيجابي، وهو ما يعني انكماش الاقتصاد؛ وبالتالي توقف خطط الإصلاح.
أما التحدي الآخر -وهو تفاقم مشكلة البطالة التي تمثل أخطر التحديات الاجتماعية التي تواجه سوريا- فتتمثل الخطورة في البعد التراكمي لهذه المشكلة؛ حيث يدخل سوق العمل كل عام نحو 300 ألف شخص ينضمون إلى جيش العاطلين السابق الذي تتباين التقديرات حول عدده؛ ففي حين تقدر المصادر الرسمية معدل البطالة بنحو 9.5%، يقدرها باحثون اقتصاديون بنحو 30%.
ويقدر الخبراء المجموع التراكمي للعجز في فرص العمل بما يزيد عن مليوني فرصة عمل في العقدين الماضيين، كما أن العجز السنوي في فرص العمل يتراوح بين 60 و90 ألف فرصة عمل في الثمانينيات، وبين 100 و150 ألف فرصة عمل سنوية في التسعينيات.
ومع استشعار الحكومة لخطورة هذه القضية فقد تم في 8 كانون أول (ديسمبر) الجاري إقرار قانون البرنامج (البرنامج الوطني لمكافحة البطالة) الذي من المفترض أن يؤمّن فرص عمل لنحو 440 ألف شخص خلال السنوات الخمس المقبلة، ويقضي القانون بإحداث هيئة عامة للبرنامج لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، وترتبط بوزير الدولة لشؤون التخطيط، ويهدف البرنامج إلى درس وتمويل وتنفيذ مجموعة من الأنشطة الإنتاجية والخدمية التي من شأنها المساهمة في توليد الدخل وفرص العمل، واستيعاب قوة العمل المتوفرة والداخلة إلى السوق.
بكلمة أخيرة فإن عملية الإصلاح الاقتصادي لم تحقق إلا تقدمًا بسيطًا؛ حيث بقي الكثير من القوانين والإجراءات الإصلاحية ينتظر الأطر التنظيمية لتنفيذها؛ لذلك وفي ظل الانعكاسات السلبية المتوقعة للأحداث العالمية على الاقتصاد السوري، فإن فرص الحكومة الجديدة في إنقاذ الاقتصاد السوري تبدو صعبة للغاية، خاصة إذا تعرضت المنطقة إلى هزات سياسية وأمنية ناتجة عن الحرب الأمريكية على ما يسمى بـ"الإرهاب"، أو عن العدوان الإسرائيلي.
وكالة انباء
باحث اقتصادي
|