|
آلت نهاية مؤتمر الدوحة التجاري إلى النتيجة المتوقعة، وهي تمهيد الطريق إلى دورة جديدة من المفاوضات في سبيل الوصول إلى تحرير الأسواق العالمية، وإزالة المعوقات أمام حرية التجارة العالمية. ولا شك أنها كانت نتيجة مهمة من حيث تحديد مصير منظمة التجارة العالمية، كما أنها تحقق فائدة كبيرة لصالح الدول العظمى الأعضاء في المنظمة ولصالح الدول الصاعدة اقتصاديًا على السواء. محور هذه الفائدة أن هذه الدول كانت ولا تزال تحت ضغوط اقتصادية وسياسية مختلفة، فأرادت بتأثير هذه الضغوط الوصول إلى النتيجة التي تمخّض عنها المؤتمر فعلا، وهي فتح الباب أمام حلّ بعض المشاكل العالقة.
وقبل الدخول في طبيعة الأجواء التي سادت قبل المؤتمر وأثناء انعقاده، يطرح السؤال نفسه: ماذا قدمت الدول الصناعية والكبرى الأعضاء في المنظمة لإغراء الدول النامية وإقناعها بضرورة الاستمرار في "تحرير التجارة العالمية" عبر دورة جديدة من المفاوضات؟ وهل بذلت هذه الدول محاولات جدية لإيجاد حلول لمواطن الخلل العديدة في بنية النظام الاقتصادي العالمي بحيث يكون أكثر عدالة ويراعي مصالح الدول النامية في العالم؟
هذا ما تحاول السطور التالية الإجابة عليه، دون الدخول في التفاصيل؛ نظرًا إلى أن النتيجة الحاسمة في نهابة المؤتمر تقتصر على متابعة التفاوض في جولة تالية...
ضرورة النجاح
رغم الأجواء الدولية الراهنة بسبب الحملة الجارية ضد ما يسمّى "معاقل الإرهاب" فقد انعقد المؤتمر الاقتصادي الدولي في مكانه وموعده المحددين من قبل، في ظل إجراءات أمنية مشدَّدة، وهو ما أبرز الرغبة في تحقيق الأهداف المطلوبة منه كإشارة إلى أهميته وضرورة نجاحه، وكتعبير من جانب هذه الدول عن حرصها على مواصلة طريق "تحرير التجارة" وتجاوز سائر العوائق التي قد تعترضها في تحقيق أهدافها، بما في ذلك تجاوز مخاطر هجمات إرهابية محتملة.
علاوة على ذلك كان من أسباب الحرص على المؤتمر ونجاحه إدراك ضرورة مواجهة مشكلة الكساد الاقتصادي العالمي الحالية، وعدم تكرار الفشل الذي آل إليه المؤتمر الوزاري السابق لمنظمة التجارة الدولية، في مدينة سياتل الأمريكية.
المؤتمر تحت الضغط!
كانت الضغوط الاقتصادية على الدول الكبرى التي تعتمد على التجارة في اقتصادياتها اعتمادا كبيرا، ظاهرة للعيان من خلال الركود الاقتصادي الحالي، ومثال ذلك ألمانيا التي تحتل المرتبة الثانية تجاريا في العالم؛ إذ يعتمد ثلث الناتج القومي الإجمالي على الوارد من الصادرات التجاربة، كما أنّ حوالي ثلث أماكن العمل (9 ملايين) يعتمد على قطاع التجارة الخارجية.
وتقول التوقعات الجديدة لدى منظمة التجارة العالمية حول نموّ التبادل التجاري العالمي في العام القادم، وفق تقريرها السنوي الأخير والصادر قبيل مؤتمر الدوحة: إن نسبة هذا النمو ستكون حوالي 2% فقط، وليس 7%، كما كانت التوقعات السابقة في آيار/مايو الماضي، فإذا صحّ ذلك فسيكون ضربة كبيرة موجهة إلى الدول الصناعية الكبرى مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان.
ومن الملاحظ أن هذا المستوى المتدني لمعدّلات نمو التجارة العالمية حسب أرقام المنظمة، هو الأسوأ عالميا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، باستثناء عام 1982 عندما انخفض التبادل التجاري بشدّة مقابل الارتفاع الهائل لأسعار النفط آنذاك.
ومن هنا يتضح مغزى إصرار الاتحاد الأوروبي ودول صناعية أخرى على فتح دورة جديدة من المفاوضات، بهدف تحريك دورة الاقتصاد العالمي وتنشيطها.
كما يُظهر ما ورد على لسان المدير العام للمنظمة بصدد مخاطر الفشل المحتمل كما وقع في سياتل عام 1999 ضغطا آخر عليها، فقد أكّد أن الفشل يعني "تهميش المنظمة وتعطيل دورها في إدارة وتنظيم حركة التجارة الدولية" على وجه الاحتمال. ولهذا بذل المسئولون في المنظمة جهودا ضخمة لوضع حلول مناسبة، ولتنسيق المواقف والمصالح المختلفة بين الأعضاء أثناء السنوات الماضية لضمان نجاح هذا المؤتمر.
تحرير التجارة.. مكافحة للإرهاب
لم يكن قد بدأ المؤتمر بعد عندما سعت بعض الدول لاستغلال شعار ما تسميه "مكافحة الإرهاب" لفرض تصوّراتها ووجهة نظرها على الدول الأخرى المجتمعة في الدوحة، من ذلك ما جاء على لسان المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي "لامي"، أو ما أشار إليه وزير التجارة الأمريكي "تسوليك"، أنه يجب إعطاء إشارة واضحة للإرهابيين الذين يهدفون على حد أقوالهما إلى "زعزعة نظام التجارة الحرة"؛ ولذا يجب بذل جهود أكبر لتطوير التجارة الحرّة ودعمها وتحقيق الاستقرار والأمن. وتلاقى هذا الموقف مع موقف ممثلي أعضاء منظمة "أبيك" الذين أشاروا في مؤتمرهم المنعقد في الصين إلى ضرورة الدفاع عن قيَم حرية التجارة وانفتاحها والعولمة.
إن وجهة النظر هذه التي تبنّتها الدول المذكورة وغيرها من الدول التي تدعو إلى "مكافحة الإرهاب" عن طريق التجارة والعولمة وفتح الأسواق، تقابلها رؤية معاكسة تماما، تجد طريقها إلى أفكار عدد من المفكرين والمحللين الغربيين ومعارضي العولمة، وتستند إلى أن الإرهاب قد يكون في بعض أشكاله إحدى نتائج السلبيات الأساسية في ظاهرة العولمة وتحرير الأسواق، أو بعبارة أخرى: نتيجة غياب نظام اقتصادي عالمي عادل ومتّزن.
ويعزّز ذلك وجود أرقام عديدة تعبر عن مواطن الخلل الخطيرة في النظام الاقتصادي الدولي، كالفجوة المتوسعة بين الأغنياء والفقراء، وفق آخر تقارير الأمم المتحدة؛ حيث أصبح 20% من أثرى سكان العالم يملكون 70% من ثرواته ، بينما لا يملك 20% من أفقر سكان الكرة الأرضية سوى 4, 1% من الأرزاق العالمية. وفي قطاع التجارة بالذات تستفيد الدول الصناعية الأكبر الفائدة الأعظم، فحسب أرقام الأمم المتحدة في تقريرها حول التنمية البشرية يسيطر 20% من الدول على 82% من حركة الصادرات العالمية في نطاق التبادل التجاري الدولي، مقابل 1% فقط بالنسبة إلى 20% من دول العالم الأفقر من سواها.
لف ودوران.. ومصالح ذاتية
رغم معرفة مواطن الخلل القائمة بقيت الدول الكبرى المسيطرة عالميا متمسكة بأفكارها وتوجهاتها القديمة، ومنها أن تحرير التجارة فيه الحلّ لكثير من مشاكل العالم بما في ذلك "مشكلة الإرهاب" نفسها، كما بقيت متمسكة بإستراتيجيتها الاقتصادية المعتمدة على "الرأسمالية الجديدة" دون أي مراجعة ذاتية أو مجرّد التفكير مجددا في مدى صحة منظومة الأفكار والقيم هذه وصلاحيتها، وواقع أثرها السلبي على المجتمعات الأخرى، بل مضت هذه الدول قدماً في تطبيق رؤاها دون الالتفات إلى الوراء، أي إلى حيث بقيت مصالح المجتمعات الأخرى مهددة بالسياسات الاقتصادية التي تنتهجها هذه الدول، وهو ما اتضح تماما خلال المفاوضات التي جرت في مؤتمر الدوحة؛ فلضمان وصول المؤتمر إلى أهدافه التي تريدها منه، انتهجت الدول الكبرى قبيل انعقاده وأثناء اجتماعاته سياسات التفافية؛ منها الاعتراف من جهة بمشكلات الدول النامية الأضعف اقتصاديا وهيكليا وبالمصاعب التي تواجهها في إطار الاقتصاد العالمي، مع التأكيد لهذه الدول أنها ستسعى إلى مساعدتها ودعمها لتحقيق استفادة أكبر من النظام التجاري العالمي، وهذا ما أضيف فعلا إلى مقدمة البيان الختامي للمؤتمر.
ولكن من جهة أخرى تبين أثناء مجرى فعاليات المؤتمر والمناقشات الجارية أن الدول النامية "أُجبرت" واقعيا على التخلي عن مطالبها وشروطها التي كانت تؤكّد عليها قبل انعقاد المؤتمر، واضطرت –رغم محاولاتها وجهودها الكبيرة لتحقيق ما سعت إليه - إلى القبول بأقلّ من الحدّ الأدنى من تلك الشروط التي حاولت انتزاعها من الدول الكبرى.
انعقد مؤتمر الدوحة وانتهى وصدر البيان الختامي وبدا من النتائج التي تمخّض عنها أنها هي ذات الأهداف التي سعت الدول التجارية الكبرى إلى تحقيقها من خلاله. ورغم أن البيان الختامي أشار إشارات عابرة إلى سعي الدول الصناعية لحل مشكلات الدول النامية، فإن ما جنته الدول التجارية الكبرى يشكل انتصارا واضحا لسياساتها التجارية، كما أظهر البيان الختامي مدى عجز الدول النامية وفشلها في فرض ولو جزءا محدودا من مصالحها على الدول الأخرى.
ورغم أن هذا يعود إلى السلبية في مواقف الدول النامية حاليا، فإن جوهر المشكلة الحقيقي يكمن في الخلل أو انعدام التوازن بصورة خطيرة في الأسس التي قامت عليها بنية النظام الاقتصادي والتجاري الدولي ومنظمة التجارة العالمية، بحيث تضيع مصالح الدول النامية، وتتحول إلى نقاط إيجابية لصالح الدول الكبرى.
معالجة هذا الخلل توجب على الدول النامية تنظيم نفسها لمراجعة الأسس والمبادئ للنظام الاقتصادي والتجاري الدولي، فعليها وكذلك على الدول الأخرى الساعية للانضمام إلى المنظمة إجراء دراسات متعمقة تحدد بوضوح الإيجابيات والسلبيات المترتبة على الانضمام وبالتالي على هذا النوع من الانفتاح العالمي وتحرير الأسواق، وذلك بمنظور مصالحها ومصالح شعوبها الحقيقية، والسعي لتحقيقها دون انتظار تأثير الدول الكبرى عليها.
|