English

 

الأربعاء. يناير. 2, 2002

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

اليورو.. مواقف وطرائف

علي الدين عبدالرحمن

Image

تابعت قصة العملة الأوروبية الموجودة منذ عام 1993 بعد أن توصلت الدول الأوروبية إلى اتفاقية ماسترخت التي حددت ملامح الوحدة النقدية الأوروبية وكيفية الوصول إليها، وخلال هذه الرحلة يلاحظ أن العمل الجاد والإصرار وتوافق الآراء هو أهم العناصر التي ساعدت على نجاح الدول الأوروبية في تحقيق هدفها بإصدار عملة موحدة وتحويل الحلم الأوروبي إلى حقيقة واقعة. هذا العمل يحسب للدول الأوروبية بأنه عمل عظيم وغير مسبوق من غيرهم، حتى من الذين بدءوا رحلة التكامل الاقتصادي قبلهم مثل الدول العربية.

وهذه الرحلة الجادة نحو اليورو لم تخل من مواقف طريفة، واحتوت على بعض الأرقام المثيرة للدهشة عند معرفتها، وهذه السطور تحاول التجول بين تلك المواقف ورصد تلك الأرقام..

الاندماج "الإجرامي"

من المعروف أن بداية تعامل الدول الأوروبية باليورو تعد تمهيدًا للاندماج الاقتصادي الكامل بين تلك الدول والاندماج السياسي في مرحلة لاحقة، إلى جانب ذلك فقد شجع اليورو على قيام إندماجات من نوع جديد، وهي الاندماجات بين العصابات والمافيا والجماعات الإجرامية في أوروبا وخارجها، وقد تم هذا النوع من الاندماجات بين جماعات الجريمة المنظمة؛ بغرض استغلال هذا الحدث الاقتصادي الهام لممارسة أنشطة إجرامية واسعة النطاق.

وتتمثل هذه الأنشطة الإجرامية في الآتي:

  • عمليات غسيل أموال واسعة النطاق في الدول الأوروبية التي ستستبدل عملاتها باليورو.
  • عمليات السطو المسلح على عملات اليورو أثناء نقلها وتوزيعها على المصارف الأوروبية والدولية.
  • عمليات تزييف أوراق البنكنوت لليورو وتوزيعها على الأفراد أو المؤسسات التي ما زالت لا تعرف الكثير عن اليورو.

وبسبب إدراك الدول الأوروبية لخطورة هذه الممارسات الإجرامية، فقد تم إنشاء بوليس أوروبي لليورو عرف باسم "أوروبول" أو "يوروبول" وهو بوليس يعد الأول من نوعه ويعمل لحماية عملة نقدية (اليورو) من العمليات الإجرامية، لذلك فإن صدور اليورو وطرحه في التداول اليومي قد صاحبه عمليات وإجراءات أمنية مشددة وصفت بأنها لم يسبق لها مثيل من قبل في التاريخ من حيث الضخامة والصرامة.

يثير الأعصاب ويسبب الحساسية!

أثارت الإجراءات الأمنية التي صاحبت توزيع اليورو أعصاب معظم سكان أوروبا بسبب ضخامة هذه الإجراءات وصرامتها، وهو ما دفع الكثيرين منهم لعرض أنفسهم على الأطباء. والطريف في موضوع تأثير اليورو على صحة الأوروبيين أن هناك دراسات طبية أجريت على العملات المعدنية لليورو وتأثيرها على الإنسان، وقد أفادت هذه الدراسات أن فئتين من عملات اليورو المعدنية (هي فئة 1 يورو، 2 يورو) تتركان آثارًا من النيكل تكفي لإصابة الأفراد الذين يعانون من حساسية بمرض "الإكزيما".

وقد أفادت الدراسة التي أعدتها إخصائية أمراض جلدية سويدية وخبير تحاليل معملية بريطاني أن لمس هذه العملات المعدنية لليورو لمدة خمس دقائق فقط يسبب أعراضًا منها التهاب الجلد أو الحكة، خاصة أن 15% من السيدات وحوالي 2% إلى 5% من الرجال في أوروبا عرضة للإصابة بالحساسية من النيكل الذي يُصنع منه اليورو.

وأجريت تجربة أخرى لمعرفة تأثير عَرَق الإنسان على "خطورة اليورو على الصحة" حيث غُمرت عملات معدنية من اليورو لمدة أسبوع في محلول يماثل عرق الإنسان، وقد لوحظ تضاعف كمية النيكل الناجمة عن العملة المعدنية بما يزيد عن 30 ضعفا، وهو ما يصفه المتخصصون بأنه يشكل بداية التركيز الذي يبدأ معه ظهور أعراض مرضية عند التعامل مرة واحدة مع قطع اليورو المعدنية، وخاصة الإصابة بإكزيما الالتهاب الجلدي الذي قد يدفع المصاب إلى طلب عطلة مرضية أو تغيير عمله إذا كان يتطلب التعامل مع هذه العملات لفترات طويلة.

ومن الجدير بالذكر أن هناك لوائح في الاتحاد الأوروبي تحدد كمية النيكل في منتجات مثل الحلي والساعات التي تلامس الجلد، ولكن العملات المعدنية مستثناة من هذه اللوائح، ولذلك فإن عملات اليورو المعدنية من فئة (1 يورو و2 يورو) تطلق كميات من النيكل تزيد 100 مرة عن الحد الأقصى الذي تسمح به هذه اللوائح.

معدل وراثيًا!

قيل العديد من العبارات الطريفة عن اليورو، كان أشهرها العبارة التي قالها وزير الخارجية الفرنسي عندما طلبت بريطانيا المشاركة في آلية سعر صرف رغم أنها لم تنضم لليورو بعد، حيث قال: "إن اليورو مثل الزواج، وإن هؤلاء الذين تزوجوا لا يريدون أحدًا غيرهم داخل غرفة النوم"، ومن هذه العبارات أيضا العبارة التي قالها وزير الداخلية الفرنسي السابق "شارل باسكوا" حيث قال: "إن اليورو معدل وراثيًا" وذلك في إشارة إلى صعوبة نجاح اليورو، ويدلل على ذلك بقوله: "إنه لَضَربٌ من التفكير النظري الاعتقاد بأننا سنستطيع صهر شعوب مختلفة في شعب واحد، كما أن اليورو لا يقارن بالدولار؛ لأنه لا يوجد شعب أوروبي واحد"، وبناءً على ذلك يطالب "باسكوا" كلا من "جاك شيراك" رئيس فرنسا، و"ليونيل جوسبان" أن يأمرا البنك المركزي الفرنسي بألا يدمر الفرنكات الفرنسية وأن يحتفظ بها حتى يمكن إعادتها عند فشل اليورو على حد اعتقاده.

ماكينات ومشروبات

كان هناك أكثر من 200 ألف ماكينة لصرف النقود في دول الاتحاد الأوروبي يجب استبدالها قبل يناير 2002، وذلك حتى تكون قادرة على التعامل مع اليورو، ولذلك فقد سارعت الشركات الدولية المنتجة لهذه الماكينات إلى إنتاج الماكينات الجديدة التي تلائم اليورو وبالأعداد المطلوبة قبل ذلك التاريخ حتى لا تحدث مشاكل، والجدير بالذكر أن المتوقع قيام ماكينات الصرافة بتقديم أكثر من 90% من مجموع كميات اليورو التي طُرحت في يناير الحالي.

وإلى جانب ماكينات الصرافة يوجد في الاتحاد الأوروبي أكثر من مليوني ماكينة لبيع المشروبات والأطعمة موزعة في دول الاتحاد الأوروبي احتاجت هي الأخرى إلى تعديل حتى تقبل التعامل مع عملات اليورو المعدنية والورقية، ويتكلف تعديل الماكينة الواحدة حوالي 10% من حجم مبيعاتها خلال سنة.

علاقته ببرج إيفل

ربما لا يبدو وجود أي علاقة مباشرة بين اليورو وبرج إيفل سوى أن برج إيفل يوجد في فرنسا إحدى دول اليورو، ولكن كمية العملة النقدية لليورو التي تم توزيعها في فرنسا - وهي حوالي 65 مليار يورو - منها 50 مليار يورو عملة معدنية، وهي تعادل وزن برج إيفل مرتين. ومن الجدير بالذكر أن البنك المركزي الأوروبي وزع حوالي 600 مليار يورو على 12 دولة أوروبية الأعضاء في اليورو قبل أول يناير 2002، وذلك ليبدأ حوالي 300 مليون أوروبي في تلك الدول التعامل بهذه العملة.

وفي نفس الوقت ستكون الدول الأوروبية مطالَبة بالتخلص من عملاتها الوطنية بعد استبدالها باليورو. وتقول الإحصائيات الطريفة في هذا المجال: إن أكثر دولة ستواجه مشكلة في التخلص من عملتها القديمة هي ألمانيا؛ حيث يوجد لديها عملات من فئة المارك وكسوره تصل قيمتها إلى حوالي 28.5 مليارا، وتزن 33 ألف طن، ولذلك فمن المتوقع أن يتسلم فرع البنك الواحد حوالي 40 طنًا من عملات المارك المعدنية والورقية لاستبدالها باليورو. من الجدير بالذكر أن سحب العملات الوطنية من التداول تم في رأس السنة 2002 في عملية أشرف عليها البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الوطنية، ولكن فعليًا تمت هذه العملية عن طريق الشرطة والجيش والأجهزة الأمنية في عملية غير مسبوقة من نوعها.

القطار يطوف أوروبا

حاولت فرنسا تعويد الأوروبيين على اليورو قبل بدء التعامل به؛ حيث طاف قطار أطلق عليه "قطار اليورو" أنحاء فرنسا، قاطعًا مسافة تزيد على 6 آلاف كيلومتر، زار خلالها 19 مدينة فرنسية وقام هذا القطار بالتوقف في كل مدينة، واستقبل في عرباته المجهزة التجار والحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمزارعين؛ وذلك لتقديم المعلومات والمحاضرات عن اليورو وكيفية التعامل معه واستبداله بالعملة الوطنية، وكذلك تحذير كل هذه الفئات من الوقوع ضحية لجماعات الجريمة المنظمة، وذلك بالحصول على عملات يورو مزورة أو جمع العملات القديمة منهم بأسعار غير حقيقية. وقد حرص كثير من الفرنسيين على الالتحاق بهذا القطار عند وصوله إلى المدن الفرنسية لمعرفة الكثير عن اليورو والاستفسار عن بعض القضايا.

بالشيكولاتة والأغاني

وظفت الدول الأوروبية كل الوسائل من أجل الترويج والإعلان عن استخدام اليورو، وذلك في إطار حملة إعلامية واسعة؛ حيث تم توزيع كتيبات وملصقات بجميع اللغات في الفنادق والمطاعم والطائرات، كما قامت بتصنيع نماذج بلاستيك ورسوم مبسطة لتعريف الأطفال باليورو، كما تم توزيع مجسمات خاصة للمكفوفين والصم والمعاقين ذهنيًا، وذلك في إطار حملة خاصة أطلق عليها "علّموا أطفالكم ما هو اليورو".

وأطرف أسلوب للتعريف باليورو في إطار هذه الحملة هو صناعة وتوزيع ألواح من الشيكولاتة والبسكويت مزينة باليورو، ومغلفة بأغلفة تحمل صور اليورو، كما تم كذلك إنتاج العديد من الأغاني عن اليورو، بعضها للأطفال وبعضها للكبار.

ومع كل هذه المواقف والأرقام الطريفة فإن الأمر الأكثر طرافة - وألمًا في نفس الوقت - هو أنه في الوقت الذي يغني الأوروبيون فيه لليورو كعملة موحدة لتجمعهم الاقتصادي بعد أن أصبح حقيقة واقعة، ما زال العرب يغنون للحلم العربي الملفوف بظلام الليل!!.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم