English

 

الثلاثاء. مايو. 28, 2002

نماء » فقه وسعي

 

الكرة تدور.. والأرباح تتدفق

نبيل شبيب

Image

ينتظر عشّاق الكرة في كل مكان من العالم انطلاق الصفارة لتعلن أول مباراة من البطولة العالمية كأس العالم يوم 31 مايو 2002م، وإن تحدّثوا عن ذلك دار حديثهم عن الأهداف المنتظرة، والتمريرات الفنية، وظهور نجوم وغياب آخرين، ثم التنبؤات عمن سيفوز بكأس البطولة ويحمل اللقب في السنوات الأربع التالية.

ولكن يوجد من يتحدث عن المباريات القادمة بلغة أخرى، ومن ذلك مجلة "بيزنس ستاندارد" الاقتصادية المرموقة في اليابان، وقد خصصت موضوع الغلاف في أحد أعدادها في شهر إبريل 2002 لتغطية الحدث بمنظور مختلف يعبّر عنه بوضوح ما جاء في عنوانها العريض: "دعونا نجنِ الأرباح من البطولة".

وكلمة "أرباح" هذه تعني في تقدير أسبوعية "نيكاي" الاقتصادية المالية أن المكاسب المالية لصالح اليابان من الحدث الرياضي الكبير سـتبلغ على الأرجح 26 مليار دولار، وفق التوقعات المحسوبة على أساس الخبرة العملية لا الأماني فحسب، وقد لا تحقق كوريا الجنوبية التي تشارك اليابان في استضافة المباريات مثل هذه المكاسب، ولكن لن ينخفض الرقم عن ذلك كثيرا.

والرقم المذكور "متواضع" نسبيا رغم ما يتردد بشأن "غلبة التفاؤل" على اليابانيين تجاه الحدث الرياضي الكبير، بعد أن طال الأمد بالركود الاقتصادي الذي تعاني بلادهم منه على امتداد عشرة أعوام تقريبا، كذلك فإن كوريا الجنوبية تعلق أهمية خاصة على المردود الاقتصادي من الدورة الرياضية العالمية، لحاجتها إلى دعم مسيرة الخروج من نفق الأزمة المالية التي عصفت بدول جنوب شرق آسيا عموما منذ عام 1998م، وكانت كوريا الجنوبية السباقة في تجاوزها نسبيا.

والمنتظر عادة هو المردود الاقتصادي الذي يتجاوز فترة المباريات نفسها، ويمتد لعدة سنوات تالية، وينعكس في ميادين عديدة مثل تنشيط الاستثمارات المالية، لا سيما من جانب الشركات التي اتخذت من المباريات مناسبة لتسويق بضائعها وخدماتها والدعاية لها، وهو ما يستهلك مئات الملايين أثناء المباريات.

هذا علاوة على الدخل المالي المباشر لصالح الدولتين المضيفتين نتيجة "السياحة الرياضية" إذا صح التعبير، فخلال ستة أسابيع من مطلع الأسبوع الأخير قبل المباريات حتى نهاية الأسبوع الذي يليها ينتظر أن تستقبل اليابان وكوريا الجنوبية أكثر من 450 ألف زائر من خارج الحدود، ينتهز كثير منهم الفرصة لزيارة البلدين، وهو ما لا يقتصر على المدن التي تشهد المباريات، وهي عشرون مدينة، تستقبل 32 فريقا رياضيا وطنيا، ويضم كل فريق المئات من المساعدين والمدربين والعاملين في قطاعات إدارية ومالية، فضلا عن ألوف الصحفيين الذين يتابعون كالجمهور 68 مباراة، تبدأ بعد مهرجان ضخم يوم الافتتاح، وتنتهي بمهرجان مشابه ليوم تسليم كأس البطولة، ولا أحد يستطيع الجزم مسبقا، أي الفرق سيبقى على ملعب الكرة حتى اليوم الأخير.

اللعبة الذهبية

أما اللاعبون فهم أيضا لهم نصيب من الكعكة الاقتصادية لكأس العالم، فرغم أن كل فريق يحرص مع جمهوره وأهل بلده للفوز بتلك "المكانة" الرياضية، وتحقيق المتعة المرتبطة بأن يحوز على كأس البطولة، فإن اللاعبين يحرصون أيضا على الوصول - كأي صاحب حرفة مهنية - إلى هدف آخر يتمثل في "الأجر المالي" المتحقق في نهاية المطاف، والذي يرتفع على قدر ما تبديه الأقدام والرؤوس من مهارات توصل الفريق إلى يوم المباراة النهائية الحاسمة.

وفي ألمانيا على سبيل المثال يتقاضى محترف كرة القدم مكافأة مالية إضافية تناهز 25 ألف دولار إذا ما تجاوز الفريق الدورة الافتتاحية الأولى، ويتقاضى 35 ألفا إذا وصل إلى مباريات التصفية بين الفرق الثمانية الأُوَل، ومبلغ 60 ألفا عند الوصول إلى الدوري الرباعي، و70 ألفا إذا ما تجاوزه إلى يوم الحسم في المباراة النهائية، وهنا يرتفع ثمن المشاركة في المباراة إلى 130 ألف دولار، مع علاوة إضافية تبلغ 90 ألفا في حال الفوز بالبطولة فعلا.

وبالمجموع يسدد الفريق الألماني مبلغًا يصل إلى حوالي مليوني دولار لكل لاعب، وهو مبلغ "وسطي" بالمقارنة مع الفرق الأخرى في أنحاء العالم؛ فالفريق الروسي يصل بهذا المبلغ إلى ما يناهز خمسة ملايين دولار.

ولا تقتصر استفادة اللاعبين الاقتصادية على احتمالات فوز فريقهم بالبطولة أو التقدم لأحد أدوار التصفيات، لكن كل لاعب يسعى إلى تسويق مهاراته في كأس العالم والحصول على عقد احتراف في ناد يدفع له ملايين الدولارات، فيسعى مدير أعمال كل لاعب -الذي يتفاوض باسمه- للحصول على "أفضل الشروط" المالية والتجارية، والاستفادة من الفرص السانحة، والتي قد تتمثل في "بيع البضاعة" بالملايين، وهي في هذه الحالة "مهارة قدمي اللاعب الرياضي ورأسه".

هذا فضلا عن المساومات المالية على "ثمن" تسجيل اسم هذه الشركة أو تلك على قمصان أعضاء الفريق ليملأ الشاشة الصغيرة في أنحاء العالم عندما تُسلّط عليهم العدسات، أو على مشاركة لاعب معروف في "فيلم دعائي" ربما بكلمة أو إيماءة.. أو بمجرد ظهور صورته وهو يمسك بمعجون للأسنان أو يبدي إعجابه بمسحوق غسيل.

والمصدر المالي المتحقق عبر الدعاية ليس بسيطا أيضا؛ فعالم الرياضة عموما ينفق أكثر من ثلاثة مليارات دولار في قطاع الدعاية، طبقا لتقديرات الفيفا، وهو مبلغ يزيد على دخل ثلاثة مليارات من البشر الأفقر من سواهم في الوقت الحاضر، كما يزيد أضعافا مضاعفة على ما ينفق في ميادين الدعاية لقطاعات قد تبدو ذات أهمية أكبر من "لعبة الكرة" مثل القطاعات الثقافية أو ميادين البحوث العلمية.

مخاطر المغريات

في هذه الأثناء أصبحت بعض وسائل الإعلام تعيش في الدرجة الأولى على إيراداتها من الإعلانات الدعائية أثناء فترة بث ما يُتابع من بطولات رياضية، وفي مقدمتها كرة القدم. وهذا ما حوّل المسؤولين الإداريين في النوادي الرياضية إلى "تجار ورجال أعمال" من الطراز الأول، وعلى قدر حجم "النادي" نفسه يرتفع حجم "المبالغ العملاقة" التي يقومون على استثمارها وتشغيلها، ويمتلك الاتحاد العالمي لكرة القدم "الفيفا" سائر الحقوق المتعلقة بمتابعة المباريات، وهنا يدور الحديث على "أرقام خيالية".. وكانت قيمة حقوق البث التليفزيوني المباشرة في حدود بضعة ملايين في الستينيات والسبعينيات الميلادية، فارتفعت حتى وصلت إلى المليارات في هذه الأثناء، وكانت شركة "كيرش" الإعلامية الألمانية العملاقة قد اشترت حقوق البث المباشر لدورة عام 2002م في اليابان وكوريا الجنوبية، ودورة عام 2006م في ألمانيا، ودورة البطولة في كرة القدم "النسائية".

ويتضمن الاتفاق مع الفيفا أن تقوم الشركة بتسديد المبلغ من أصل ما تحصل عليه ثمنا لبيع هذه الحقوق إلى محطات البث التليفزيوني في أنحاء العالم، شريطة ألا يكون ما يحصل الاتحاد عليه أقل من 750 مليون دولار، ثم تتعهد الشركة باقتسام ما يزيد على ذلك مناصفة مع الاتحاد. وفي هذه الأثناء كان ما حصلت عليه الشركة من بيع حقوق البث في المنطقة الأوروبية وحدها أكثر من مليار و300 مليون دولار، ولم يُكشف النقاب عن المبلغ الذي تم بصورة مماثلة مع شركة "آنتشاتس سوكر" الأمريكية للبث التليفزيوني في الولايات المتحدة الأمريكية.

والجدير بالذكر أن شركة "كيرش" سجّلت إفلاسها وكاد الأمر يصل لكارثة مالية بالنسبة للمصارف المرتبطة معها بقروض ضخمة، لولا ما تحصل عليه تلك المصارف من عائدات توفرها اتفاقات بث المباريات العالمية.

فساد ورشوة

المبالغ الخيالية المذكورة تعني في عالم المال المعاصر ارتفاع وتيرة ما تعنيه من مغريات يمكن أن تسبب الانزلاق في فضائح الفساد والرشوة على نطاق واسع، وقد أدى الكشف عن بعض ما أمكن كشفه إعلاميا من ذلك إلى اضطرار 13 عضوا في إدارة الاتحاد العالمي لكرة القدم إلى الاستقالة الجماعية في مطلع عام 2002م، ولكن رئيس الاتحاد جوزيف بلاتر بقي يعارض لفترة طويلة القبول بتشكيل لجنة تحقيق في خلفيات ما أثير بهذا الصدد، حتى اضطر إلى ذلك بشروط تحت تأثير الضغوط المتزايدة.

ولكن ما إن سنحت الفرصة الأولى حتى أقدم على حلّ اللجنة مجددا قبل موعد البطولة العالمية بأربعة أسابيع فقط، وهو ما يمكن أن يعود إلى الرغبة في استغلال أجواء الاستعداد للبطولة والانشغال بمبارياتها عن الجوانب المالية.

ويحاول الأوروبيون في إدارة الاتحاد الحصول على معلومات أوفى عن حقيقة الوضع المالي، لا سيما ما يتعلق بالتصرف بمبلغ 420 مليون دولار حصل عليها الاتحاد كمبلغ "احتياطي" للنفقات المرتبطة بمباريات البطولة عام 2006م في ألمانيا، والتي ينتظر أن تبلغ تكاليف الاستعدادات لها أكثر من مليار و500 مليون دولار.

قصارى القول إنه بينما تدور الكرة فإن الأرباح الاقتصادية ستتدفق من مونديال كأس العالم 2002 في كوريا واليابان.. وسط تصفيق الجماهير والإحساس بنشوة المتعة إلى درجة قريبة من الإدمان.


  كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم