English

 

الأحد. ديسمبر. 1, 2002

نماء » قضايا اقتصادية » بلاد الشام

 

نقمة المساعدات الأمريكية

Image

بلغت المساعدات الأمريكية للأردن خلال السنوات الأخيرة 225 مليون دولار سنويًّا: 75 مليونًا منها كمساعدات عسكرية، و150 مليونًا يفترض أنها مساعدات اقتصادية، حسب موقع السفارة الأمريكية في الأردن على الإنترنت. ويضيف هذا الموقع أن 300 مليون دولار إضافية تم تخصيصها للأردن من قبل الكونجرس الأمريكي خلال العامين 1999 و2000 كجزء من صفقة "واي ريفر"، منها 200 مليون دولار تم تخصيصها كمساعدة عسكرية، و100 مليون أخرى كمساعدة اقتصادية.

ويقول تقرير آخر للخارجية الأمريكية صادر في فبراير 2002: إن إجمالي المساعدات الأمريكية للأردن (الأساسية والإضافية) بلغ 313 مليون دولار عام 2000، و479 مليون دولار عام 2001، و256 مليون دولار عام 2002 (*).

والحقيقة هي أن من ينظر إلى هذه الأرقام قد ينتابه للوهلة الأولى شعور مزيف كالسراب بأن حكومة الولايات المتحدة، ومن خلفها حكومات بعض الدول الغنية في شمال الكرة الأرضية، قد اعترتها ثورة من الكرم، فقررت أن تغدق العطايا على الأردن لوجه الله؛ طمعًا في إغاثة الملهوف، وأملاً في نشر الخير والمعروف.

ولكن الواقع أبعد ما يكون عن هذه الأوهام التي لا تعلق إلا بأذهان من لا ينظرون في ثنايا الأمور وشياطين التفاصيل؛ فالمجتمع الأمريكي والمجتمعات القائمة في دول الشمال الغنية هي بالأساس مجتمعات رأسمالية تقوم في عقيدتها وآليات عملها على مبدأ تعظيم الربح الذي تضعه فوق كل مبدأ، ولو أدى ذلك إلى استخدام العنف وأسلحة الدمار الشامل لسحق كل مقاومة في وجه تحقيق مصالحها الكونية والاقتصادية والسياسية وغيرها.

من هذا المنطلق فقط نستطيع أن نفهم المساعدات الأمريكية بشكل عام، وخاصة للكيان الإسرائيلي، ثم مصر والأردن وباقي دول العالم؛ حيث إن الجزء الأساسي من هذه المساعدات يذهب إلى حفنة من الدول التي تخدم المصالح الأمريكية والصهيونية في بقاع إستراتيجية من العالم.  

يدعمون إسرائيل

 المساعدات الأمريكية لمصر والأردن هي في جوهرها مساعدات للكيان الإسرائيلي؛ لأنها ترتبط بشكل مباشر بعقد الاتفاقات السياسية بين الدول العربية وإسرائيل، كما رأينا أعلاه في حالة مساعدات اتفاق "واي ريفر". وقد تم إعفاء الأردن من 700 مليون دولار من الديون عام 1994 بعد اتفاق وادي عربة، وتحصل مصر على ملياري دولار سنويًّا لقاء صفقة كامب ديفيد.

ويصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جورج شولتز برنامج المعونات الأمريكية في مقدمة تقريرٍ خاص صدر عن الخارجية الأمريكية عام 1983 على أنه "أداة أساسية من أدوات سياسة أمريكا الخارجية، وأنه يرتبط ارتباطًا مباشرًا بأمن أمريكا القومي وازدهارها الاقتصادي".

ويضيف الرئيس الأسبق رونالد ريجان في رسالته السنوية أمام الكونجرس الأمريكي عام 1986 في هذا السياق: "إن كل دولار ينفق على المساعدات الأمنية يساهم في الأمن العالمي بالمساهمة نفسها لذلك الدولار في بناء قوة الدفاع الأمريكية"… وهلمّ جرًا.

وحتى لو نحينا جانبًا الاعتبارات السياسية والإستراتيجية -وهي الأساس-؛ فإن الولايات المتحدة حتى الآن تربح اقتصاديًّا في الأردن أكثر مما تخسر.. فلنتحدث بالأرقام: إن عجز الأردن في ميزانه التجاري مع الولايات المتحدة (أي الفرق ما بين صادرات الأردن ووارداته من وإلى الولايات المتحدة سنويًّا) كان خلال السنوات الثلاث الأخيرة -حسب تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في فبراير 2002- ما يلي: 352 مليون دولار عام 2000، 391 مليون دولار عام 2001، و172 مليون دولار عام 2002.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة ربحت في الأردن أكثر من 900 مليون دولار خلال العامين والنصف الماضيين، وهي كمية تقل قليلاً فقط عن المساعدات الأمريكية للأردن خلال الفترة نفسها.

 لكن هذه المساعدات تهدف بالأساس إلى فتح الأسواق أمام المنتجات الأمريكية، وخلق شريحة من رجال الأعمال المحليين الذين ترتبط مصالحهم السياسية بالاستيراد والتصدير من وإلى أمريكا.

ولنلاحظ هنا أن تقديرات أرباح أمريكا السنوية من الأردن في عام 2002 أقل بكثير من العامين السابقين، ويعود ذلك برأيي إلى عاملين:

1) ازدياد الصادرات من المناطق الصناعية المؤهلةQIZ  من الأنسجة والألبسة إلى الولايات المتحدة، وتسمّى هذه زورًا صادرات أردنية، وهي في الواقع صادرات من الأردن إلى الولايات المتحدة من قبل شركات غير أردنية، جنوب شرق آسيوية وإسرائيلية وغيرها؛ ففوائد الأردنيين منها قليلة جدًّا.

2) انخفاض الواردات الأمريكية إلى الأردن نتيجة اشتداد حملة المقاطعة الشعبية على المنتجات الأمريكية؛ ردًّا على السياسية الأمريكية العدوانية في بلادنا في خضم الانتفاضة في فلسطين.

وإذا أردنا أن نفهم أحد أهم أسباب تفاقم الحملة القمعية على أنصار مقاطعة المنتجات الأمريكية في الأردن؛ فإن علينا أن نتمعن في الأرقام التي تظهر انخفاض أرباح التجارة الأمريكية مع الأردن أكثر من النصف خلال عام 2002، وما يعنيه ذلك بالنسبة للشركات الأمريكية ووكلائها المحليين.

فيما يتعلق بالمساعدات الخارجية الأمريكية والموازين التجارية الأمريكية مع الدول المتلقية لهذه المساعدات، نلاحظ على سبيل المقارنة أن الولايات المتحدة تعطي مصر ملياري دولار في العام مثلاً، ولكن فائض أمريكا في ميزانها التجاري مع مصر خلال عام 2001 كان 2.9 مليار دولار؛ أي أن الولايات المتحدة أخذت من مصر 900 مليون دولار أكثر ما أعطتها خلال العام الماضي.

بالمقابل نجد خلال العام نفسه (أي 2001) أن تجارة الولايات المتحدة مع الكيان الإسرائيلي نتج عنها حوالي 5.8 مليارات دولار كفائض لمصلحة هذا الكيان، وهو ما يماثل مساعدات أمريكا لإسرائيل، وتبلغ 5.8 مليارات دولار، وهي أكثر من أي مساعدات تعطيها الولايات المتحدة لأي دولة أخرى في العالم.

أقساط الديون

وبالنسبة لرؤوس الأموال التي يدفعها الأردن كأقساط وفوائد على ديونه الخارجية (أي إذا نظرنا إلى كمية المدخرات الأردنية التي تذهب للمؤسسات الدولية والدول الدائنة) فإننا نجدها تبلغ بأدنى التقديرات ما بين 14 و15% من دخله الإجمالي سنويًّا؛ أي أكثر من حوالي 500 مليون دولار سنويًّا كمعدل.

وهذا يعني أن دفعات أقساط وفوائد الديون السنوية وحدها تقارب في حجمها كل المساعدات الأمريكية وغير الأمريكية مجتمعة (إذا استثنينا مساعدات واي ريفر). هذا مع العلم أننا نقصر دومًا عن أداء الدفعات المطلوبة؛ فيصبح ما ندفعه فعلاً كخدمة للدين العام (الأساس النقدي) أقل بصورة دائمة من اللازم (أساس المستحقات)؛ مما يدفعنا للمطالبة بإعادة الجدولة؛ وهو ما يعني فعليًّا زيادة حجم الديون، وبالتالي الأقساط والفوائد المترتبة عليها، فلا بأس بعد ذلك أن تزداد المساعدات قليلاً إذا كانت المستحقات ستتحول إلى جزء من الأصل، وكان دفع الأقساط سيذهب أدراج الرياح!.

فالمساعدات هنا هي الحل المؤقت دائمًا الذي يشدنا باستمرار إلى نظام العلاقات الاقتصادية الدولية غير المتكافئة الذي يخلق الحاجة إلى المساعدات الخارجية في المقام الأول. وهي تصبح بذلك عائقًا أمام التنمية الاقتصادية الحقيقية والحلول الطويلة المدى التي يحتاجها الأردن والوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم الثالث، والتي تعارضها دول الشمال بكل ما أوتيت من عزم.

وحتى الآن كان الافتراض المتضمن أعلاه هو أن المساعدات الخارجية الأمريكية وغيرها هي مساعدات لدعم الأردن أو غيره، والحقيقة أن هذا الافتراض غير دقيق على الإطلاق؛ فالمساعدة العسكرية الأمريكية مثلاً هي في واقع الأمر مساعدة للشركات العسكرية الأمريكية أو لوزارة الدفاع الأمريكية، أما المساعدات الاقتصادية الأمريكية فالجزء الأساسي منها مشروط بشراء المنتجات الأمريكية؛ فهي كمن ينقل ماله من جيبه الأيمن إلى جيبه الأيسر. وكذلك الأمر في مصر؛ حيث تشكل المساعدات العسكرية 1،2 مليار دولار من أصل مليارين، بينما يذهب أكثر من 70% من الـ800 مليون المتبقية كمساعدة عينية لشراء المنتجات الأمريكية مباشرة، مثل مساعدة القمح الأمريكية للأردن، أو كرواتب إجبارية للمستشارين الأمريكيين. أما القليل المتبقي بعد ذلك فينفق بالطريقة التي يراها هؤلاء المستشارون!.

صياغة منظومة إقليمية

في الوقت نفسه، فإن المساعدات الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية تذهب فعليًّا لصيانة المنظومة الإقليمية التي تحافظ على المصالح الأمريكية والغربية والصهيونية في هذا الجزء من العالم، وتمنع بالتالي تطوره الاقتصادي والسياسي الحقيقي، مع العلم أن أكثر من نصف المساعدات الخارجية الأمريكية في العالم يذهب تقليديًّا للشقين الأمني والعسكري.

وقد أجمل الدكتور محمد عبد العزيز ربيع أهداف برنامج المساعدات الأمريكية في المنطقة، في دراسته الموثقة عن الموضوع (*)، بما يلي:

  • تقوية أمن أمريكا ودورها الدولي.
  • مساعدة أمريكا على الوصول إلى الأسواق العالمية ومصادر الطاقة والمعادن الإستراتيجية.
  • احتواء الأنظمة والحركات السياسية المعادية لأمريكا.
  • الحفاظ على التفوق العسكري والسياسي الصهيوني على العرب.

ويمكن أن نضيف إلى هدف ربط الدول المتلقية للمساعدات اقتصاديًّا وسياسيًّا بالدول المانحة هدفًا آخر تتعاون حكومة الولايات المتحدة في تحقيقه مع المنظمات غير الحكومية الممولة أجنبيًّا، وهو هدف إعادة هندسة المجتمع وصنع شريحة من المثقفين الليبراليين الذين ترتبط عقولهم، وليس فقط مصالحهم، بأمريكا والغرب والصهيونية. فيصبح منطقيًّا بعد ذلك أن تستخدم الولايات المتحدة ورقة المساعدات الأمريكية لمصر من أجل الضغط عليها لترويج نموذج سعد الدين إبراهيم.

الخلاصة هي أن المساعدات الخارجية تشكّل على المدى البعيد خسارة إستراتيجية صافية لشعوب العالم الثالث، على الرغم من سراب الفوائد التي يبدو أنها تأتي بها على المدى القريب. أما بديلها المنطقي فهو العمل لإيجاد حلول اقتصادية حقيقية لمشكلة التنمية.

ويأتي على رأس هذه الحلول التخلص من استنزاف الموارد النابع من الاستغلال الذي تمارسه دول الغرب الرأسمالي والبنى الديكتاتورية التابعة لها في العالم الثالث، التي تشكل بدورها مرتعًا خصبًا لهدر الموارد والفساد، والسعي لتشكيل تكامل اقتصادي وتكتلات إقليمية محلية مستقلة عن دول الشمال قد تكون السوق العربية المشتركة من بينها المفتاح الأهم للخلاص الاقتصادي بالنسبة للأردن وغيره من الدول العربية.


(*) تقدر مصادر السفارة الأمريكية في عمان أن المساعدات الأمريكية للأردن ستصبح حوالي 300 مليون دولار سنويًّا مع مجيء العام 2003، مع العلم أن الرئيس الأمريكي بوش طلب من الكونجرس الأمريكي أن يخصص للأردن 198 مليون دولار كمساعدة عسكرية، بدلاً من 75 مليونًا، و250 مليون دولار كمساعدة اقتصادية، بدلاً من 150 مليونًا.

ويقول تقرير للخارجية الأمريكية صادر في فبراير 2002 إن المساعدات التي تلقاها الأردن خلال من مصادر أخرى غير أمريكية: 230 مليون دولار عام 2000، و288 مليون دولار عام 2001، و291 مليونًا عام 2002.

(*) د. محمد عبد العزيز ربيع، "المعونات الأمريكية لإسرائيل"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم