|
مع تحول قرع طبول الحرب الأمريكية ضد العراق، إلى هدير صاخب إثر الرفض الأمريكي لتقرير العراق حول أسلحته الذي قدمه للأمم المتحدة، راحت محطات التلفزة العالمية ومراكز البحوث في دراسة وتحليل الآثار السلبية والتداعيات الاقتصادية للحرب القادمة على دول المنطقة والعالم.
ويتفق المحللون الاقتصاديون على أن الانعكاسات الاقتصادية السلبية لن تنحصر في منطقة الصراع فقط، بل ستشمل مختلف دول العالم؛ فالحرب ستضر بمصالح 75 دولة تتعامل تجاريًا مع العراق وبمليارات الدولارات.
كما سيكون لهذه الحرب تأثيرات سلبية مباشرة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، خاصة أن بعض حلفاء واشنطن التقليديين أعلنوا رفضهم لهذه الحرب، أو المشاركة بتحمل تكاليفها الباهظة على عكس ما جرى في حرب الخليج عام 1991، حينما تحمل حلفاء واشنطن 80% من تكاليف تلك الحرب التي بلغت 60 مليار دولار.
تكاليف الحرب
تتباين التقديرات الأولية لتكاليف الحرب المزمع شنها على العراق بتباين الخطط والسيناريوهات العسكرية المحتمل تنفيذها، وبغض النظر عن التفاصيل يرى الخبراء أن التكاليف ستكون عالية؛ حيث قدرتها بعض المصادر الغربية بأنها ستتراوح ما بين 80 إلى 100 مليار دولار. وهو ما أكده "جوزيف بيدن" رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس الأمريكي بقوله: "إن تكاليف شن حرب ضد العراق ستتراوح ما بين 80 و100 مليار دولار، ستتحملها الولايات المتحدة بالكامل، بعكس حرب الخليج التي تحمل حلفاء واشنطن 80% من فاتورتها التي قاربت 60 مليار دولار".
كما أضاف الباحث "سكوت فيل" الضابط السابق المقرب من البنتاجون في جلسات استماع للكونجرس خلال عام 2002 مبلغ 16 مليار دولار للسنة الأولى تكلفة قوة دولية من 75 ألف رجل ضرورية للحفاظ على الاستقرار في البلاد بعد إسقاط النظام العراقي، على حد قوله.
وتشعر واشنطن بالقلق إزاء ارتفاع تكاليف الحملة العسكرية في ظل رفض جميع الدول التي شاركت في تمويل حرب الخليج الثانية عام 1991، أما الآن فإن أيًّا من تلك البلدان ليس مهيَّأً لتقديم دعم مالي لحملة عسكرية جديدة؛ فألمانيا أبرز حلفاء واشنطن التي شاركت في تكاليف الحرب السابقة ضد العراق حذر مستشارها "جيرهارد شرودر" من أي عمل عسكري سريع ضد العراق، مضيفًا: "ما عادت ألمانيا بلدًا يتبنى دبلوماسية الصكوك محل السياسة.. على الأقل في فترة حكمي".
حتى بريطانيا آخر حلفاء الولايات المتحدة؛ فإنها تشعر بالقلق من نصيبها من التكاليف؛ فقد حذر وزير الخزانة البريطاني "جوردون براون" من أن مشاركة بريطانيا في حرب ضد العراق ستكلف الخزينة العامة مبلغ 2.5 مليار دولار تقريبا، وقال: إن الحكومة ستواجه خيارًا صعبًا بين أن تقوم بإعادة بناء وتطوير قطاعات الخدمات العامة في بريطانيا من تعليم وصحة ومواصلات وغيرها أو تشارك في تدمير بغداد.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن عددًا من الدول تطالب بتعويضات أو حوافز مالية؛ بغية تقديم تسهيلات لوجستية للقوات الأمريكية، ومن هذه الدول تركيا التي تطالب واشنطن بإعفائها من ديون خارجية قيمتها 5 مليارات دولار.
التأثيرات السلبية للحرب
أولاً- الاقتصاد العالمي:
يعتقد الكثير من الخبراء والمحللين أن الحرب الجديدة على العراق سيكون لها تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي الذي يعاني من تراجع النمو؛ فالحرب ستضر مباشرة بمصالح 75 دولة على الأقل تتعامل تجاريًا مع العراق، وبموجب مذكرة التفاهم "النفط مقابل الغذاء" فإن تجارة العراق الخارجية تبلغ 54 مليار دولار. وفي ضوء ما تم الاتفاق عليه خلال السنوات القليلة الماضية بين العراق والعديد من الدول سواء اتفاقات اقتصادية أو للتعاون التجاري والنفطي، وخاصة فرنسا وروسيا والصين.. فإن التأثيرات السلبية ستكون أكبر. وتظهر المعلومات المتوفرة أن الضرر المباشر سيقع على العديد من الدول، منها: الأردن ومصر وتركيا وسوريا والهند وروسيا ودول أخرى، يصل معدل التعامل التجاري معها إلى مئات الملايين بل مليارات الدولارات.
وقد أكد هذه الآثار الدكتور سعيد حسون الخبير الاقتصادي في وزارة الصناعة العراقية بقوله: إن النفط سينقطع عن الأردن في حال قيام الحرب، وكذلك ستتوقف تجارتها مع العراق، وينطبق ذات الشيء على تركيا التي ما ينفك المسئولون فيها عن ترديد ما آلت إليه أمورها من تدهور جراء الحصار المفروض على العراق، وكذلك روسيا صاحبة العقود النفطية والصفقات التجارية الضخمة، وأغلب الدول العربية التي انفتح تعاملها مع العراق، وآخرها السعودية، خاصة بعد أن قام العراق بعقد اتفاقيات التجارة الحرة مع 10 دول عربية، مع الإشارة إلى أن حجم التبادل التجاري بين العراق والدول العربية بلغ 26 مليار دولار.
من جهة أخرى فإن التأثيرات السلبية المتوقعة للحرب على السوق النفطية، منها شح المعروض، وارتفاع أسعار عقود التأمين وزيادة أسعار النقل، وهذه العناصر مجتمعة ستؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط؛ الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع عام في تكلفة الإنتاج، ويلحق أضرارًا جسيمة بجميع دول العالم.
وإذا كانت الولايات المتحدة أكثر قدرة على تحمل تقلبات أسواق النفط من البلدان الغربية الأخرى نتيجة لقدرتها على استخدام الاحتياطي المتوفر لديها البالغ 50 مليار برميل؛ فإن دول العالم الأخرى بما فيها الدول الصناعية (أوروبا واليابان) ستجد نفسها أمام تحديات جدية تضر باقتصادياتها.
وجاء في دراسة لمصرف بنك "ناسيونال دو باري باريبا" الفرنسي خلال عام 2002 أن التدخل الأمريكي لمدة وجيزة سيؤدي إلى قفزة في سعر برميل النفط، تستمر عدة أشهر، يصل خلالها إلى 40 دولارًا مقابل 25 دولارًا حاليًا؛ وهو ما سيؤدي إلى تدني معدل النمو بنسبة 0.5% في السنة الأولى و0.3% في العام التالي.
وبالإضافة إلى ما سبق فقد ترسخت قناعة لدى الدول الغربية بأن غنائم الحرب ستكون من نصيب واشنطن فقط، بل وربما تستغل ما تحققه من نتائج إذا ما استحوذت على النفط العراقي في ابتزازهم وتهديدهم في المستقبل، خاصة أن العراق يمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، ويقدر بحوالي 100 مليار برميل، وتجربة حرب 1991 دليل على ذلك؛ حيث خرج أقرب حلفائها خاوي الوفاض من كل شيء، وكانت الكعكة بأكملها من حظ الشركات الأمريكية، وربما يكون هذا من دواعي تخوف الدول الأوروبية والآسيوية، وحتى الدول العربية؛ لأنها تعرف أن مزيدًا من الخسائر تنتظرها في حال تنفيذ التهديدات ضد العراق.
ثانيًا- الاقتصاد الأمريكي:
يعتقد الكثير من المسؤولين الحكوميين والدبلوماسيين والاقتصاديين في الولايات المتحدة أن أي هجوم على العراق ستكون له تأثيرات سلبية على الاقتصاد الأمريكي المهزوز حاليًا؛ حيث عليه أن يتحمل هذه المرة؛ لأن معظم النفقات الحربية، إضافة إلى ما قد يتعرض له من صدمة جراء ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الإنفاق العسكري.. ستقلل من فرص خروج الاقتصاد الأمريكي من حالة الكساد التي يعاني منها، كما أن خروج تكاليف الحرب عن نطاق السيطرة سيزيد الشكوك والتساؤلات حول جدواها.
ويعتقد المحللون أن تكلفة الحرب ليست في حدود استطاعة الولايات المتحدة، بعد التكاليف الباهظة التي تحملتها واشنطن في حربها ضد أفغانستان وفي الفليبين، ومناطق عديدة من العالم، وإذا كان البعض يعتقد أن الحرب ستنشط بعض قطاعات الإنتاج العسكري وبالتالي تعطي دفعة متواضعة للاقتصاد؛ فإن هذا النشاط سيكون قصير الأجل؛ حيث ستظهر التأثيرات السلبية على الاقتصاد في وقت غير بعيد. ومع الأخذ بعين الاعتبار الزيادة التي أقرتها لجنة الاعتمادات في مجلس النواب في ميزانية الدفاع بمقدار 7% في السنة المالية 2002 والبالغة 317 مليار دولار؛ فإن هذه الزيادة لن تكون كافية لمواجهة الزيادات التي ستطرأ على الإنفاق العسكري في مختلف أنحاء العالم. ويعتقد الخبراء أن ارتفاع تكاليف الحرب سيكون له تأثير سلبي على الاقتصاد الأمريكي من جهتين، هما:
1 - سيكون للحرب تأثير نفسي على الأسواق المالية، وعلى الإنفاق بالتجزئة والاستثمار في المشاريع التجارية، وعلى السفر وعناصر أخرى في الاقتصاد، وبالتالي استمرار اهتزاز الثقة في الاقتصاد؛ الأمر الذي سيزيد من حالة التراجع المستمر في الإنفاق الاستهلاكي الذي يمثل ثلثي الاقتصاد الأمريكي؛ فعلى سبيل المثال أدت حرب الخليج عام 1991 إلى تراجع الاستهلاك في الولايات المتحدة بنسبة 1.3% والاستثمار بنسبة 6.9%.
2 - إن فاتورة الحرب ستؤدي إلى اتساع العجز في الميزانية الفيدرالية، كما يمكن أن تؤدي إلى إجراء تقليص في النفقات على البرامج المحلية المختلفة، ويذكر أن العجز في الميزانية الاتحادية يتزايد شهراً بعد آخر، وأظهرت بيانات لوزارة الخزانة الأمريكية أن الموازنة الحكومية سجلت أول عجز مالي من نوعه خلال الأشهر السبعة الأولى من العام المالي الحالي 2002، وذلك بعد الفائض الذي تم تسجيله على مدى 4 سنوات متتالية.
وقد بلغت قيمة العجز 66.5 مليار دولار، وأرجعت الإدارة الأمريكية الأسباب وراء عجز الموازنة الحكومية إلى الأعباء المالية التي تم تخصيصها لتمويل الحرب في أفغانستان، فضلاً عن ظروف الركود التي واجهت الاقتصاد الأمريكي العام الماضي.
ثالثًا- الاقتصاد الروسي:
يلعب الموضوع الاقتصادي دورًا مؤثرًا في المواقف السياسية الروسية، ويعتبر العراق أحد أبرز شركاء موسكو التجاريين؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين العراق والاتحاد الروسي 7 مليارات دولار، فيما تدين بغداد لموسكو بمبلغ 8 مليارات دولار، ويجري الحديث خلال هذه الأيام عن صفقة اقتصادية ضخمة قيمتها 60 مليار دولار يعتزم الجانبان إبرامها تشمل تعاونًا اقتصاديًا مكثفًا خلال السنوات العشر القادمة، تتمركز حول صناعة النفط والغاز والنقل والاتصالات، وتشتمل الاتفاقيات على 67 عقدًا، لكن هذه العقود لن تصبح نافذة المفعول إلا بعد رفع العقوبات.
وكانت أزمة عراقية روسية قد وقعت منتصف شهر ديسمبر 2002، حينما ألغت بغداد عقودًا نفطية ضخمة مع شركة "لوك أويل" الروسية تبلغ قيمتها 3.7 مليارات دولار، وقد خرج بعدها مسئول روسي تحدث لوكالة الأنباء الفرنسية قائلا: "هذا القرار قد يزيل أحد الأسباب المهمة التي تدفع روسيا إلى معارضة شن الولايات المتحدة حربًا محتملة ضد العراق". مضيفا أن "شخصية صدام حسين ليست لطيفة إلى حد يدفعنا إلى الاكتفاء بمجرد حمايته دون مقابل".
انطلاقًا من هذه المعطيات؛ فإن تنفيذ الولايات المتحدة لتهديداتها بغزو العراق، وتغيير نظام الحكم فيه سيكون له تأثيرات اقتصادية خطيرة وعميقة على الاقتصاد الروسي؛ لأنه سيخسر أكبر شريك اقتصادي له، كما ستضيع ديونه هباء.
رابعًا- إعادة رسم الخرائط:
يعتقد العديد من الخبراء والمحللين أن الهدف الرئيسي للغزو الأمريكي المحتمل للعراق يتمثل في الوصول إلى حقول النفط العراقية، وهو ما أكده الكاتب والمحلل الاقتصادي "أنتوني سيمبسون" بقوله: "الوصول إلى حقول البترول العراقية يلعب دورًا كبيرًا في الحسابات الأمريكية حول خطط ضرب العراق أكثر من التحول الديمقراطي بإزاحة صدام حسين أو حقوق الإنسان".
ومن هنا فإن من شأن نجاح هدف واشنطن المعلن وهو "تغيير نظام الحكم" في العراق والسيطرة على آباره النفطية أن يعيد رسم خريطة النفط، ليس في المنطقة فحسب.. بل في العالم أيضًا؛ إذ ستتمكن الولايات المتحدة من التحكم في اتجاهات أسعار النفط العالمية بشكل كبير، خاصة أن العراق يمتلك ثاني أكبر احتياطيات نفطية في العالم.
ويقول المحللون: إن أكبر الخاسرين نتيجة لهذا التغيير هو الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) والدول الصناعية، ومن ثم الدول المستهلكة، فيما ينتظر أن تكون شركات النفط الأمريكية المتعطشة لاستغلال احتياطات النفط العراقية أكبر الفائزين.
بكلمة أخيرة: إن نتائج الحرب الأمريكية المزمع شنها على العراق ستكون كارثية على مختلف الصعُد السياسية والاقتصادية، ولن يكون لتأثيراتها حدود ثابتة؛ بل ستشمل تداعياتها العالم بأسره، وستغير كثيرًا من العلاقات الاقتصادية العالمية، بما في ذلك العلاقات بين الدول الغنية، كما ستربك الاقتصاد العالمي المتعثر، خاصة إذا ما أدركنا أن مثل هذه الحرب قد تكون لها بداية وليس لها نهاية.
وكالة انباء
باحث اقتصادي
|