|
من المتوقع في حال شن الحرب على العراق أن تتأثر معدلات النمو الاقتصادي في البلدان العربية -التي هي منخفضة بطبيعتها- وليس أدل على ذلك من البيانات التي أوردها أحدث تقرير للبنك الدولي الذي حمل عنوان "آفاق الاقتصاد العالمي والدول النامية لعام 2003"؛ حيث أشار التقرير إلى أن آفاق النمو في بلدان الشرق الأوسط ومنطقة الخليج باتت مرهونة باحتمالات نشوب حرب في المنطقة.
كما قد تؤدي تلك الحرب إلى زعزعة الثقة في أسواق المال (الضعيفة أصلاً)، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع في أسعار الفائدة، وتفاقم أعباء الديون الخارجية لدول المنطقة، فضلاً عن هروب رؤوس الأموال.
ومما قد يزيد الأمر سوءًا أن المخاطر التي قد تنجم عن وقوع هذه الحرب تأتي بعدما شهدت معظم دول المنطقة أوضاعاً اقتصادية متردية نتيجة لاستمرار تداعيات أحداث سبتمبر؛ ولذا فقد أشار خبراء البنك الدولي إلى أن احتمال أن ينخفض متوسط نسب نمو النواتج المحلية للمنطقة إلى 2.5% عام 2003، مقارنة بـ3.2% عام 2001، و4.2% عام 2000.
أبدى العديد من المستثمرين العرب مخاوفهم من التأثيرات السلبية المتوقعة لشن الحرب على العراق، خاصة على الاقتصاد العربي، وتحديدًا اقتصاديات منطقة الخليج.
وقد بدأت الخسائر بالفعل منذ إطلاق حملة التهديدات الأمريكية بضرب العراق خلال الأشهر الأخيرة، وتمثل أغلبها في هروب الاستثمارات الأجنبية ورحيل العمالة الأجنبية، فضلاً عن تراجع الإنفاق الاستهلاكي، ويقدر أن تتحمل الاقتصاديات الخليجية ما بين 7 إلى 10 مليارات دولار "علاوة حرب" على مدى عام إذا ما استمرت أجواء الحرب والقلق من وقوع عمليات إرهابية في المنطقة.
ويقدر حجم الفرص الاستثمارية في منطقة الخليج التي يمكن أن تتأثر نتيجة لوقوع الحرب بنحو 220 مليار دولار، من بينها 100 مليار في قطاع الطاقة السعودي فقط.
وقد زادت حدة المخاوف من هروب الاستثمارات الأجنبية بعد التحذيرات التي وجهتها حكومات الدول الغربية، وعلى رأسها لندن وواشنطن، إلى مواطنيها عند السفر لدول الخليج الست ومعها اليمن، وهذا من شأنه أن يخلق جوًا من عدم الثقة وهروب رؤوس الأموال المستثمرة خارج المنطقة، كما تشير الدلائل إلى قيام معظم الحكومات الأجنبية بوضع خطط طارئة لعمليات إجلاء رعاياها من المنطقة منذ الصيف الماضي 2002.
ولا يقتصر أثر التهديد بشن حرب ضد العراق على الاستثمارات الأجنبية في المنطقة فحسب، بل تمتد لتشمل المخاوف من ترحيل الأجانب العاملين فيها (خاصة الأمريكيين والبريطانيين)، وهو ما سيطرح آثاراً سلبية على القطاعات التي يعملون بها، خاصة قطاعات الطاقة والمصارف وشركات المعلومات والاتصالات وبعض شركات الماء والكهرباء وشركات المقاولات الكبرى، كما أن هناك المئات من ممثلي الشركات الأجنبية ووكلائها في المنطقة، هذا فضلاً عن حشد كبير من البريطانيين الذين يعملون في قطاع الطيران الخليجي.
وتزداد المخاوف من أن تؤدي كل هذه الظروف إلى إبعاد ما يسمي بـ"التدفق الاستثماري" الأجنبي أو حتى "توطين الاستثمارات الخليجية"؛ وهو ما قد يؤدي إلى هروب أكثر من 7 مليارات دولار جرى الحديث عن عودتها للمنطقة بعد أحداث 11 سبتمبر.
جاءت أولى ثمار التهديدات بشن حرب على العراق في قيام شركات التأمين الدولية برفع رسوم التأمين على السفن المبحرة إلى منطقة الخليج بنسبة 15%، وذلك في أعقاب الهجوم الذي وقع على ناقلة النفط الفرنسية "ليمبورج" في اليمن مطلع أكتوبر 2002. وهو من شأنه أن يؤدي إلى فرض أعباء جديدة على فاتورة الواردات الخليجية، وتحميل المنتجات الوطنية الخليجية مزيدًا من الأعباء نتيجة لارتفاع الأسعار، وكذلك أيضا ارتفاع قيمة الواردات القادمة من أوروبا بسبب ارتفاع قيمة اليورو مقابل الدولار، بنسبة بلغت 10% منذ يونيو 2002، وتتراوح العلاوات الإضافية المفروضة على أسعار الشحن الأساسية بين "رسوم مخاطر الحرب"، وهي رسوم قائمة منذ بدء التهديد الأمريكي بضرب العراق منذ شهور قليلة، ورسوم "علاوة الوقود" التي فرضت مع ارتفاع أسعار النفط في النصف الأول من 2002، إضافة إلى عامل تقلب أسعار العملات الرئيسية في العالم.
وليس أدل على ذلك من أن تكلفة شحن الحاوية الواحدة من أوروبا إلى الخليج قد حملت على الأقل بنسبة تتراوح ما بين 8 إلى 10% من التكاليف بواقع 100 دولار في المتوسط. وتزداد خطورة الموقف إذا علمنا أن الجزء الأكبر من احتياجات دول مجلس التعاون الخليجي يُلبَّى عن طريق الواردات التي تقدر بنحو 80 مليار دولا سنويًّا، يتجه منها ما قيمته نحو 32 مليار دولار لدولة الإمارات (يُعاد تصدير جزء كبير منها للأسواق المجاورة) ونحو 27 مليار دولار للسعودية.
وعلى صعيد قطاع السياحة والطيران، تشير الدلائل إلى أنه سيكون من أكثر القطاعات تضرراً؛ نتيجة لعاملين:
أحدهما يتعلق بتدهور القطاع بطبيعته منذ أحداث 11 سبتمبر؛ حيث تشير التقديرات إلى أن خسائر شركات الطيران قد وصلت 20 مليار دولار عقب وقوع تلك الأحداث، فضلاً عن فقدان نحو 200 ألف وظيفة في شركات الطيران والشركات المصنعة للطائرات.
أما العامل الثاني فيتعلق بالموسم السياحي الذي يبدأ في الشتاء في دول الخليج؛ وهو ما قد يدفع شركات السياحة والوكلاء الدوليين إلى إلغاء التعاقدات التي تم الاتفاق بشأنها، وليس خفيًا أن قطاع السياحة في منطقة الشرق الأوسط عموماً قد مُنيَ بخسائر فادحة منذ أحداث سبتمبر. وستزداد الخسائر إذا ما استمرت الحرب أو التهديد بها لفترة طويلة.
وفي الوقت الذي بلغت فيه خسائر قطاع السياحة عقب حرب الخليج الثانية نحو 14 مليار دولار على مدة 4 سنوات (1990-1994)، فمن المتوقع أن تتضاعف الخسائر هذه المرة. ولعل ذلك ما دفع شركات الطيران الدولية إلى التحذير باستمرار من احتمال وقوع كارثة مالية في ظل الحرب المتوقعة ضد العراق، هذا فضلاً عن احتمال أن تعلن العديد من الشركات عن إفلاسها؛ وهو ما قد يترتب عليه تسريح آلاف العاملين فيها.
كما تشير التوقعات إلى أن القطاع السياحي في كل من مصر والأردن والمغرب وتونس سيصاب بخسائر كبيرة إذا ما وقعت الحرب، وهو ما قد يدفع الحكومات العربية إلى التدخل ودفع مبالغ إضافية لدعم قطاع الطيران خاصة في مجال التأمين، هذا فضلاً عن تعويضات المتضررين من العاملين في القطاع ذاته.
أدت المخاوف من شن الحرب على العراق إلى تراجع ملحوظ في معظم أسواق الأسهم العربية خاصة في الربع الثالث من 2002، متزامنة بذلك مع زيادة حدة التصريحات، وذلك على الرغم من قرار مجلس الأمن الشهير 1441، الذي من المفترض أن يكون قد ساهم في تهدئة الأوضاع، وقد تراجعت أسواق الأسهم خاصة في منطقة الخليج، وذلك بعد أن حققت نتائج طيبة في النصف الأول من 2002.
فعلى سبيل المثال ارتفعت قيمة الأسهم السعودية بنحو 8.8% فقط منذ مطلع النصف الثاني من عام 2002 مقارنة بنحو 13.2% في النصف الأول منه، كما انخفضت مؤشرات الأسهم الكويتية بنسبة 3% في الربع الثالث من 2002 أيضاً، وانخفضت في البحرين بمقدار 2.1%، بينما في مصر انخفضت بمقدار 1.1% عما كانت عليه مطلع 2002، وتراجعت الأسهم المغربية للعام الرابع على التوالي، محققة هبوطًا قدره 17.6% في الربع الثالث عما كانت عليه في بداية العام.
خبير اقتصادي مصري
|