|
| إذا تحمل الخليج تكلفة الحرب فذلك يعني كارثة
|
أثناء حرب عام 1973 ارتفعت أسعار النفط حوالي 4 أضعاف، وسجلت وقتها أعلى سعر منذ بداية اكتشاف وإنتاج النفط، ونتج عن ذلك زيادة هائلة في إيرادات الدول المنتجة وارتفاع غير مسبوق في معدل دخل الفرد في دول الخليج العربي من أقل من ألف دولار في بداية السبعينيات إلى أكثر من 12 ألف دولار في منتصف نفس العقد.
هذا السيناريو تكرر بصورة أخرى عند بداية حرب الخليج الثانية حينما ارتفع سعر برميل النفط لنحو أربعين دولارًا، وحققت دول الخليج فائضًا ماليًّا كبيرًا سرعان ما التهمته فاتورة الحرب التي تكلفتها مرغمة.
أمام هذه الصورة ينقسم المتابعون لتأثيرات الحرب الأمريكية المحتملة ضد العراق بين متفائل ينظر إلى التدفقات المالية التي ستجنيها دول الخليج جرّاء زيادة سعر النفط مع قصر مدة الحرب، ومتشائم يرى في الحرب نهبًا لثروات الخليج أو أنها القشة التي ستقصم ظهر هذه البلدان التي ولّى فيها زمن الطفرة.
وتتزايد نبرة التشاؤم عند هؤلاء حينما ينصرف الحديث إلى إمكانية إجبار دول الخليج على تحمل جزء من تكلفة الحرب، وإعادة إعمار العراق، فالتأثيرات المباشرة على مناحي الاقتصاد الأخرى لن ترقى لمستوى ما سوف تُرغم هذه الدول على سداده من فاتورة الحرب.
يستند المتفائلون في دول الخليج إلى أن أسعار النفط سترتفع خلال الحرب إلى أكثر من 40 دولارا للبرميل، وكما حدث أثناء حرب الخليج الثانية التي ارتفع فيها سعر البرميل إلى 39 دولارًا ستجمع دول الخليج ثروة طائلة نتيجة زيادة السعر، وربما زيادة الإنتاج حال توقف إنتاج العراق والتزمت بالمحافظة على معدلات النفط التي يحتاجها السوق العالمي.
ويراهن أولئك المتفائلون على أن قصر فترة الحرب ستجنب دول الخليج الآثار السلبية الأخرى المترتبة على حالة حرب طويلة في المنطقة والتي تحرمها من تدفقات الاستثمار الأجنبي المرجوة، وتهز الثقة في سوقها، وبالتالي فإن حربًا أمريكية خاطفة في العراق ستترك أثرًا محدودًا على دول الخليج التي تعتمد بالدرجة الأولى على عائداتها من النفط والغاز، ولا تشكل بقية الأنشطة الاقتصادية فيها وزنًا كبيرًا في الدخل القومي.
قطاعات مهددة
في حقيقة الأمر فإن اقتصاديات دول الخليج تتشابه إلى حد كبير باعتمادها على النفط كمصدر رئيسي للدخل والعملات الأجنبية، لكن هذه الحقيقة لا تمنع أن هناك أنشطة تسعى هذه الدول من خلالها إلى تنويع مصادر دخلها، وهي أنشطة وليدة ومهددة في الوقت نفسه بالموت تحت عجلة الحرب الأمريكية على العراق.
وإذن ما هي القطاعات الأكثر تضررًا من تلك الضربة؟
1 - عندما ارتفعت نسبة نشوب الحرب أعلنت شركات التأمين العالمية أن منطقة الخليج منطقة خطر من الدرجة الأولى، ورفعت مقابل ذلك رسوم بوليصة التأمين على البواخر التجارية المحملة بالبضائع إلى هذه المنطقة بنسبة 15%، وبالتالي فقد ارتفعت بصورة ملفتة تكلفة الشحن وزادت بصورة ملحوظة أسعار السلع والبضائع التي يتم استيرادها من الخارج، وحيث إن دول الخليج تعتمد بصورة شبه كلية على استيراد غالبية احتياجاتها فقد ارتفعت قيمة استيراد السلع الاستهلاكية والمواد التموينية المعلبة والمحفوظة والملبوسات والإكسسوارات والسيارات وقطع الغيار والأجهزة الكهربائية والإلكترونية والأثاث والمفروشات.
هذا الارتفاع مرشح لمزيد إذا ما اندلعت الحرب، حيث تشير كل التوقعات إلى إمكانية زيادة رسوم التأمين مرة أخرى، وبالتالي زيادة في تكلفة استيراد احتياجات المنطقة من السلع، ومن ثَم أسعارها.
2 - إن اندلاع الحرب في منطقة الخليج سيدفع المستثمرين الأجانب الذين تترجاهم دول المنطقة للاستثمار فيها إلى تأجيل أية خطط للاستثمار في وقت هي في أمس الحاجة فيه إلى استثمارات أجنبية لتمويل مشاريع تنموية كبيرة ومتنوعة، خاصة في ظل عجز موازناتها المالية ومحدودية قاعدتها الاقتصادية التي تعتمد بشكل رئيسي على سلعة واحدة هي النفط.
هذا بالإضافة إلى التأثيرات البالغة التي سيتعرض لها القطاع المصرفي، حيث تشير التقديرات المبدئية إلى أنه سيتحمل نحو 30 مليار دولار من تكلفة الحرب الإجمالية التي ستتحملها دول الخليج نتيجة الركود الاقتصادي، وفقدان ثقة المودعين التي سترتب عليها حركة سحب نقدي كبيرة.
وكما أن النفط الذي يعتقد البعض أنه سيحقق لدول الخليج تدفقات مالية ضخمة خلال فترة الحرب مرشح لأن يكون أداة تدمير للبيئة الخليجية برمتها إذا ما تم تدمير المنشآت النفطية العراقية، حيث إن ذلك سيؤدي إلى كارثة بيئية عامة تشمل كل دول الخليج بلا استثناء، وتضع سكانها أمام مصير بيئي وصحي شديد الخطورة.
3 - لن تقتصر تأثيرات الحرب على النشاط الاقتصادي العادي، بل إن أسواق المال الخليجية الوليدة ستشهد انتكاسة كبرى خلال وبعد الحرب، وكما يقول الخبير المالي في الإمارات "زياد الدباس": فإنه وقبل أن تندلع الحرب تدفع أسواق المال الخليجية ضريبة حالة الضبابية السياسية والعسكرية التي أفرزتها أنباء الحرب المحتملة ضد العراق، فقد جمدت قرارات معظم المستثمرين في الأسواق المالية والبورصات وأصبحت تتحرك ارتفاعًا وانخفاضًا على وتيرة نغمات الحرب وعلى أخبار تحرك الجيوش.
وأضاف "في منطقة الخليج نلاحظ انقسام المستثمرين والمتعاملين في الأسواق المالية إلى ثلاث شرائح.. شريحة متفائلة تحركها توقعات قصر فترة الحرب وما سيتبعها استقرار سياسي وعسكري، وبالتالي انتعاش في سوق الأسهم وارتفاع أسعار أسهم الشركات المتداولة وهي الشريحة التي تساهم في استمرار نشاط بعض الشركات في السوق المالي، أما الشريحة الثانية فهي الشريحة المترددة والمتخوفة في بعض الأحيان والتي ترى أن فترة الحرب إذا ما اندلعت ستكون طويلة وتأثيراتها السلبية متعددة ومتنوعة وتشمل قطاعات مختلفة، حيث سارعت الشركات الممثلة لهذه الشريحة إلى تصفية جزء من استثماراتها في أسواق الأسهم وتنويع أدواتها الاستثمارية، وانسحبت من بعض القطاعات في سوق الأسهم، والشريحة الثالثة والتي تمثل النسبة الكبيرة من المستثمرين تقف موقف المتفرج نتيجة صعوبة اتخاذ قرارات الاستثمار سواء بالبيع أو الشراء في هذه الظروف وتفضل عدم المخاطرة".
وأوضح حينما تنشب الحرب فإن انعكاساتها المباشرة على أسواق الأسهم الخليجية ستتجلى في محدودية الاستثمار الأجنبي في السوق؛ مما سيؤدي إلى محدودية الأموال الساخنة المتداولة والتي تعودت أن تخرج بسرعة من أي سوق عند حدوث أي أزمة اقتصادية أو عسكرية أو سياسية، مشيرًا إلى قرارات المستثمرين تتأثر غالبًا بالشائعات، وبالتالي يمكن التغلب على قدر من تأثيرات الحرب ببثّ الطمأنينة في نفوس المستثمرين.
فاتورة الحرب.. الدمار الأكبر
كل هذه التأثيرات لا تبدو ذات بال بالنظر إلى تأثيرات إجبار دول الخليج على تحمل قدر من تكلفة الحرب وإعادة إعمار العراق بعد تدميره وبحسب مسئول مصرفي بحريني فإن آثار الحرب على العراق ستكون مدمرة في حال إرغام دول الخليج على المشاركة في تمويلها كما فعلت أثناء حرب الخليج الثانية.
ويشير تقرير للمؤسسة المصرفية العربية عام 2003 إلى أن الحرب على العراق يمكن أن تكلف منطقة الخليج أعباء تقترب من 60 مليار دولار نصفها على الأقل سيتحملها القطاع المصرفي.
وبحسب نفس التقرير فإن الخسائر التي ستمنى بها منطقة الخليج بسبب هذه الحرب ستكون أكبر بكثير من تلك التي تكبدتها خلال حرب الخليج عام 1991، حيث سينكمش اقتصاد دول الخليج بقوة خلال وبعد الحرب ويؤكد أن تأثير الحرب على معدلات الإنتاج هو تأثير لا مفر منه، فإذا كانت التوقعات تشير إلى أن الدول العربية ستفقد معدلات بين 1 إلى 1.5% من مستويات النمو الاقتصادي المتوقعة خلال السنوات العشر التالية للحرب، فإن دول الخليج التي موَّلت حرب الخليج الثانية بنسب تتراوح بين 58 إلى 60%، والتكلفة الإجمالية للحرب ستفقد معدلات نمو مضاعفة، وستواجه أزمات اقتصادية قد يزيد مداها على 10 سنوات، خاصة أنها تعاني من عجز كبير في موازينها العامة وستأتيها الحرب المحتملة قبل أن تفيق من معاناتها.
وإذا كان حجم الخسائر الناتجة عن حرب الخليج الثانية في تقدير كثير من المراقبين يتراوح بين 200 و450 مليار دولار، تحملت معظمها دول الخليج العربي في شكل نفقات نقدية مباشرة، فإن نفقات الحرب المحتملة يمكن أن تفوق هذا الرقم عدة مرات بالنظر إلى السيناريو الذي ترسمه لها الولايات المتحدة الأمريكية، فالتكلفة التي تقدرها الولايات المتحدة للحرب تصل إلى حوالي 300 مليار دولار بخلاف إعادة إعمار العراق بكلفة مبدئية مقدارها حوالي 75 مليار دولار، وتكاليف نشر قوات أمريكية في العراق قوامها بين 75 ألفا إلى مائتي ألف جندي والتي تتراوح بين 15 مليارا و45 مليار دولار سنويًّا، ستؤدي إلى تفاقم العجز في الميزانية الأمريكية، وبالتالي فمن المنطقي ألا تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية تلك الفاتورة وحدها، ومن ثَم فدول الخليج هي الوحيدة المرشحة اختيارًا أو إجبارًا على تحمل جزء من تكلفة الحرب وإعادة الإعمار.
ولنا أن نقيس بنفس درجة الخطورة النفقات والتبعات التي يمكن أن تنطوي على هذه الحرب الثالثة والتي سيدخلها العرب وفي مقدمتهم الخليجيون شاءوا أم أبوا، ويتقاسمون وحدهم تبعاتها آنيًّا ومستقبلاً، فإذا كانت النفقات الخليجية قد جاءت في صورة مباشرة في حرب تحرير الكويت، فإنهم سينفقون أيضًا بشكل مباشر وغير مباشر في إعادة تعمير العراق الذي تعتزم الولايات المتحدة نسف كل ما تبقى من بناه التحتية.
هذا القلق عبَّر عنه العضو المنتدب لبنك البحرين الوطني "حسن جمعة" بالقول: "ستكون تأثيرات الحرب مدمرة في حال إجبار دول الخليج على المشاركة في تمويلها، وقال في تصريح بثته وكالة "رويتر" السبت 22-2-2002: "لا شك أن الحرب تشكل هدرًا للموارد، وبالتالي تنتج عنها آثار سلبية على الاقتصاد بالنسبة لدول الخليج، خصوصًا في الظروف الحالية لا شك أن تأثيراتها ستكون سلبية بشكل كبير بالأخص إذا انهارت أسعار النفط".
وأضاف "أما إذا أُجبرت دول الخليج على تمويل الحرب ستكون كارثة أكبر، لا سيما أن دول الخليج تعاني من عجز في ميزانياتها، وبالتالي سيتفاقم هذا العجز وسيتدهور الأداء الاقتصادي في هذه الدول بصورة لا يمكن مواجهتها".
مراسل موقع إسلام أون لاين.نت في الإمارات
|