|
عمان- لا يحفل المواطن الأردني كثيرًا برقم المليار ونصف المليار من الدولارات الذي قدرته الحكومة الأردنية لخسائرها المحتملة إذا وقعت الحرب، بقدر ما يهتم بالتداعيات المباشرة التي تصل له في تعاملاته اليومية؛ فأسعار السلع الرئيسية مثل السكر والأرز والدقيق والحليب ارتفعت تدريجيًا بنسب تراوحت بين 15 و25% مع اقتراب موعد الضربة الأمريكية المتوقعة للعراق.
وقد دفع ذلك المواطنين إلى البدء بحملة تكديس للسلع الرئيسية اتسمت بالفوضوية رغم طمأنات الحكومة بأن المخزون الإستراتيجي من هذه السلع يكفي لمدة 6 أشهر، وأن ارتفاع الأسعار ناتج عن صعود اليورو مقابل الدينار الأردني.
لكن "أبو حسن العملة" تاجر جملة في السوق المركزية بالعاصمة عمان يلقي باللائمة على الحكومة، ويعتبر أنها سبب لحملة التكديس "بالحديث المتكرر عن حجم الخسائر الكبيرة التي ستلحق بالأردن حال ضرب العراق".
فيما يعتبر المواطن "أسعد الهربيشي" أن عملية تكديس السلع مسألة طبيعية، قائلاً: "إن من لا يفعل ذلك لا يتحلى بروح المسئولية في أوقات الحروب".
ولا ينكر وزير المالية الأردني "ميشيل مارتو" أن الأسعار ترتفع كلما اقترب شبح الحرب، لكنه قال: إنها ترتفع بنسبة بسيطة قد تصل إلى 3%، معتبرًا أنها نسبة معقولة.
شركات الطيران هي الأخرى استغلت أجواء الحرب واقتراب الأردن من مسرح العمليات، وفرضت في مطلع شهر مارس 2003 ضريبة جديدة على تذاكر السفر بمعدل يتراوح ما بين 10 و20 دولارًا (الدولار يعادل 0.71 دينار أردني)؛ وهو ما أدى إلى رفع أسعار تذاكر السفر إلى كافة الاتجاهات.
واعتبرت هذه الشركات أن هذه الخطوة ضرورية لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود عالميًا، فيما عزا آخرون هذا الارتفاع للتغيرات التي طرأت على أسعار التأمين جراء حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة في ظل الاستعدادات الأمريكية لتوجيه ضربة للعراق.
في الوقت نفسه ارتفعت أسعار الذهب كمخزن مهم للقيمة لدى الأردنيين مع تزايد أنباء الحرب من 280 إلى 388.50 دولارًا للأوقية.
أسعار المحروقات
أسعار المحروقات هي الأخرى يخشى الأردنيون من ارتفاعها، خاصة بعد تصريحات حكومية تؤكد العزم على رفع الدعم الحكومي عن بعض السلع، خاصة المحروقات والمشتقات النفطية واستحداث أو تعديل بعض الضرائب؛ لمواجهة آثار الحرب القادمة.
فالحكومة ترى أن تكلفة برميل النفط سترتفع حال الحرب إلى 26 دولارًا؛ الأمر الذي يعني أن الموازنة الحكومية ستتكلف 20 مليون دينار عن كل دولار زيادة في أسعار النفط عالميًا. ويتوقع اقتصاديون ارتفاع أسعار مواد الجاز والبنزين والغاز بشكل مباشر، وبنسبة لا تقل عن 30%.
غير أن الأردن عزز من احتياطياته النفطية من أجل مواجهة أي نقص محتمل في الإمدادات في حال نشوب حرب، وذلك عبر استئجار باخرة تخزين ثانية سعتها 150 ألف طن رست في شهر مارس 2003 في ميناء العقبة، وانضمت إلى باخرة أخرى اشتراها تبلغ سعتها 300 ألف طن؛ وهو ما يرفع المخزون النفطي الأردني إلى 450 ألف طن، باستثناء مخزون مصفاة البترول الأردنية في الزرقاء.
لكن هذه التأمينات النفطية لا تعني عدم قيام الحكومة برفع أسعار مشتقات النفط لتعويض خسارتها من فقدان النفط العراقي الذي كان يقدمه للأردن سنويًّا بشكل مجاني تقريبًا.
وتشير أرقام صادرة عن وزارة الطاقة عام 2003 إلى أن حجم الاستهلاك الأردني من النفط الخام والمشتقات النفطية التي يستوردها حاليا بالكامل من العراق تبلغ 5 ملايين طن، منها 4 ملايين نفط خام، ومليون طن مشتقات نفطية، حيث تبلغ قيمة هذه الفاتورة بحسب البروتوكول التجاري الموقع بين الأردن والعراق وبالأسعار التفضيلية ما بين 600 إلى 700 مليون دولار، يتم اقتطاع 300 مليون دولار منها كهدية من القيادة العراقية للشعب الأردني، تتعامل الحكومة معها على أنها "منحة للخزينة"، وبالتالي فإن مجموع ما يدفعه الأردن للعراق بدلاً من التزود بالنفط يبلغ متوسطه 350 مليون دولار.
وحال نشوب الحرب فإن احتمالات توقف تصدير النفط العراقي إلى الأردن واردة، وهو ما يعني أنه سيلجأ إلى السوق العالمية لشراء النفط، وسيفقد ميزة الأسعار التفضيلية التي يتعامل بها مع العراق، وتشير وزارة الطاقة إلى أن تكلفة الواردات الأردنية من النفط ستبلغ مليار دولار إذا كان سعر النفط 31 دولارًا. أما إذا ارتفع السعر إلى 40 دولارًا إذا طالت الحرب فذلك يعني كلفة إضافية، كما أن الأردن سيتكلف عملة صعبة، خاصة أنه كان يدفع للعراق مقابل النفط بضائع وخدمات.
لكن "حاتم عرابي" نقيب أصحاب محطات المحروقات في الأردن يرى أن الحكومة تبالغ في مسألة أزمة النفط المحتملة، ويقول: "الإمدادات النفطية بوضعها الراهن تزيد على حاجة السوق، ولا أتوقع نقصًا في المحروقات أو الغاز في حال اندلاع حرب في المنطقة".
قطاعا النقل والتأمين
قطاع النقل سيتأثر بدوره من أي حرب مقبلة على العراق، لا سيما مع وجود 600 شاحنة تنقل يوميا النفط بين الأردن والعراق؛ وهو ما يعني أن ما يقرب من 3 آلاف أسرة ستتضرر من الحرب. ويرى مراقبون اقتصاديون أن الضرر سيلحق كذلك بميناء العقبة الذي يقوم العراق باستيراد بضائع ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء عبره سنويًا.
ويقدر "محمد الدلابيح" المدير التنفيذي لنقابة وكلاء الملاحة البحرية في الأردن حجم الخسائر التي سيتعرض لها قطاع النقل البحري الأردني بحوالي 50 مليون دولار، فيما يؤكد "ماهر الحسين" الأمين العام لاتحاد شركات التأمين في الأردن أن ذلك سيؤثر بطبيعة الحال على قطاع التأمين باعتباره واحدًا من أهم القطاعات الاقتصادية إلى جانب قطاع الصناعة والتجارة والخدمات والنقل وغيرها. كما أن هناك خسائر أخرى؛ فالسوق العراقية تستقبل صادرات أردنية بقيمة 306.7 ملايين دينار، كما قد يتوقف العراق عن سداد أقساط من مديونيته المستحقة للأردن، والتي تبلغ 1280 مليون دولار.
المنح الخارجية
المراقبون يتوقعون أن يكون تعويض الخسائر الأردنية المتوقعة إذا نشبت الحرب من الخارج، وذلك بزيادة المعونات الخارجية وخاصة من الولايات المتحدة، ويرى المحلل الاقتصادي خالد الزبيدي أن "الخيارات أمام الأردن للتعويض ستكون محدودة، وتتراوح بين زيادة المنح الخارجية للأردن، أو التوجه نحو مزيد من الاقتراض، أو توجه الحكومة نحو فرض مزيد من الضرائب".
وينوه الزبيدي إلى أن هناك ترجيحًا بأن تضطر الحكومة للتعامل مع الخيارات الثلاثة للتخفيف من حجم العبء المتوقع على الخزينة العامة. وطبقًا لوزارة الخارجية الأمريكية فإن إجمالي المساعدات الأمريكية للأردن (الأساسية والإضافية) بلغ 313 مليون دولار عام 2000، و479 مليون دولار عام 2001، و256 ملايين دولار عام 2002.
لكن هذه التعويضات خاصة المتمثلة في صورة منح لن تتم إلا إذا اتفق على الدور الذي يلعبه الأردن في الحرب، وهو الأمر الذي نفته الحكومة أكثر من مرة حينما قالت إنها لن تقدم تسهيلات للأمريكيين تتعلق بالحرب.
على أي الأحوال فإن جيب المواطن الأردني سيكون هو الخاسر الوحيد من هذه الأزمة؛ حيث يتوقع أن تتدنى قدرته الشرائية وينخفض دخله في ظل ارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب بشكل تدريجي.
|