|
في تقريرها رقم 218Q عن منطقة جنوب شرق آسيا أعلنت وحدة الاستعلامات EIU-التي تنشر دراسات متخصصة والشريكة مع مجلة "الإيكونوميست" البريطانية- أن المنطقة استعادت عافيتها بسرعة من الانكماش الحاد عام 1998م، وأدت السياسات المالية والنقدية المرنة لهذه الدول وضعف عملاتها المحلية إلى ظهور بوادر ارتفاع في معدل النمو بها.
ورغم الاعتقاد السائد بأن ضعف العملة المحلية يعني انخفاض معدلات النمو وضعف المركز الاقتصادي العام، إلا أن النسب المسجلة أكدت صحة التقرير الصادر في يونيو 1999م والذي يطرح بدوره التساؤل حول إمكانية أن يكون ضعف العملة في مصلحة الدولة، ولكي نعرف الإجابة يجب أن نلقي نظرة سريعة على التغيرات التي مرت بها المنطقة.
إن الإنجازات التي حققتها المنطقة في السنوات السابقة للأزمة الحالية ونمط النمو فيها كان سببًا في إطلاق اسم المعجزة على اقتصادياتها، فقد حققت دول جنوب شرق آسيا خلال الفترة من 1980م إلى 1996م معدلاً سنوياً للنمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نسبته 7,5% مقارنة بمعدل نمو سنوي نسبته 2,4% في كل من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ودول أمريكا اللاتينية، كما أن هذا الإنجاز في النمو قد تحقق دون أن يكون مصحوبًا بتصاعد الضغوط التضخمية، فقد تمكنت هذه الدول من احتواء معدل التضخم السنوي بها في نطاق مقبول؛ حيث بلغ في كوريا الجنوبية 7%، أما في ماليزيا فقد بلغ 4%، وفي تايلاند 5%، أما الفلبين فقد تراوح بين 10%: 11%، وبين 8%: 10% في إندونيسيا.
ومن ناحية أخرى فقد تغيرت جذرياً تركيبة الصادرات في مجموعة دول جنوب شرق آسيا، حيث زادت كثافتها الرأسمالية كما هو الحال في تركيبة إنتاج الدول الصناعية المتقدمة. ففي ماليزيا تساهم القطاعات كثيفة رأس المال في 61% من صادراتها مقارنة بنسبة 13,6% عام 1980م، أما في تايلاند فإن النسبة وصلت 43,3% مقارنة بنسبة 9,7% منذ 18 عاماً مضت.
كما حققت المجموعة معدلات للاستثمار (نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي) غير مسبوقة، ومعدلات عالية جدًا من الادخار المحلي مقارنة بالدول النامية الأخرى، وحتى ببعض الدول الصناعية المتقدمة. ففي خلال فترة 1990-1995م حققت كوريا الجنوبية معدلاً للاستثمار بلغ 37%، وبلغ في ماليزيا 36%، أما تايلاند فوصل إلى 40%، كذلك الأمر في معدلات الادخار؛ حيث حققت هذه الدول معدلات ادخار تقع ما بين 25%-35% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما أن هذه الدول تتسم بانضباط المالية العامة، فقد حققت هذه المعدلات المرتفعة من الاستثمار، وكذلك معدلات مرتفعة من الإنفاق العام بما فيها الإنفاق العام الاجتماعي (الصحة، التعليم،…) دون أن يصاحب ذلك زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة، فقد ظلت نسبة عجز الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي في الحدود المقبولة، والمتفق عليها دولياً، ولعل ذلك من العوامل التي ساعدت هذه الدول على تحقيق معدلات مرتفعة من النمو، دون أن يصاحبها معدلات مرتفعة من التضخم؛ فكان يتراوح متوسط العجز في الموازنة العامة في معظم هذه الدول خلال الفترة 1975-1995م بين 1%-3%.
الأزمة فجأة
وفي ظل هذا الازدهار الاقتصادي وقعت الأزمة الكبرى لهذه الدول فجأة ودون توقع من الكثيرين، والتي كان مصدرها المؤسسات المالية التي جعلت حتى من النقود سلعة تضارب بها في أسواق البورصة، لذلك فإن أفضل ما توصف به أنها أزمة مالية لا اقتصادية.
رصد المحللون الكثير من الأسباب والعوامل التي تسببت في إحداث هذه الأزمة بعضها أساسي وبعضها الآخر مساعد، إلا أن أهمها على الإطلاق كان العجز المستمر في ميزان المدفوعات وتصاعده، خاصة بعد عام 1995م؛ ففي تايلاند على سبيل المثال زاد العجز في ميزان المدفوعات من 5,6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1994م إلى 8,1% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1995م، ثم إلى 8,2% عام 1996م، أما في ماليزيا فقد وصل عجز ميزان المدفوعات إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1996م.
ويرجع ذلك التصاعد في العجز في ميزان المدفوعات إلى عدة أسباب منها:
تراجع الصادرات لدول جنوب شرق آسيا خلال عام 1996م، وزيادة معدل نمو الواردات، خاصة في السنوات الأخيرة، ومما ساعد على اتساع الفجوة في زيادة ميزان المدفوعات الجاري الزيادة في عجز كل من حساب الخدمات وحساب الاستثمار في موازين مدفوعات هذه الدول.
وكان استمرار هذا العجز هو السبب وراء تصاعد التوقعات بضرورة تخفيض سعر صرف العملة المحلية، وهو ما كان، وتبعه مجموعة من الإجراءات الفعالة للقضاء على عجز ميزان المدفوعات، ويأتي ذلك عن طريق سياسة مالية مقيدة، من شأنها ضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات؛ وهنا جاء الدور الإيجابي لخفض قيمة العملة وسعر الصرف، حيث ساعد ذلك على زيادة الصادرات، وبدأت تخف حدة الأزمة.
شروط التخفيض
ولكن هل معنى ذلك أن الحل السحري لأي دولة تعاني من عجز في ميزان المدفوعات هو أن تتبع نفس السياسة في تخفيض قيمة العملة المحلية للوصول لنسبة الصادرات المطلوبة؟
كي يكون ضعف العملة سببًا في زيادة الصادرات وزيادة معدل النمو الاقتصادي يجب أن تتوافر عدة شروط، هذه الشروط هي:
أولاً: أن تكون منتجات الدولة ذات جودة وتنوع مما يؤدي إلى زيادة الطلب عليها.
ثانيًا: أن تكون هناك مرونة في الطلب؛ أي أنه مع انخفاض السعر يزيد الطلب بما يتناسب مع هذا الانخفاض في السعر.
ثالثًا: أن يكون هناك طاقة غير مستغلة يمكن استغلالها في عملية الإنتاج.
ويظهر هنا سؤال آخر: هل هذه الشروط بديلة أم مكملة بعضها لبعض؟ أي: هل من الممكن أن يكفي وجود أحد هذه الشروط كي تتحقق هذه النتيجة، أم يجب أن تتوافر جميعها؟
وحتى نعرف الإجابة على هذا السؤال نضرب المثل الآتي: إذا قامت إحدى الدول العربية - والتي يتم تشغيل الصناعات بها بأقل من طاقاتها الاقتصادية- مثل: مصر والجزائر وتونس والعراق والأردن وسوريا والمغرب بخفض قيمة العملة، هل سيؤدي ذلك إلى زيادة الصادرات حتى مع وجود السلعة الجيدة؟ والإجابة: لا؛ حيث إن معظم صادرات هذه الدول تكون من المواد الخام، وهي ليست ذات مرونة في الطلب؛ أي أن الطلب عليها لا يتغير كثيرًا بتغير السعر، فعليها إذن أولا أن تستغل الإمكانات الصناعية الهائلة المعطلة؛ فمثلا البترول في هذه الدول يتم تصدير حوالي 90% منه خامًّا، مما يفقدها ثروات طائلة ويحرمها من تشغيل العمالة الزائدة، كما أن لديها مناجم من الحديد، خاصة في موريتانيا والجزائر يقدر الاحتياطي منه بحوالي 10 مليارات طن، ولم تُستغل هذه المناجم بعد، وما زالت هذه الدول تستورد معظم احتياجاتها من الحديد من الخارج.
وكذلك إذا ما توفرت المنتجات الجيدة ومرونة الطلب في دولة ما ليس عندها طاقة غير مستغلة فإن كل ما سيحدث لها من جراء خفض قيمة عملتها هو حالة من التضخم نتيجة زيادة الطلب على سلعة لا يوجد منها إنتاج كافٍ لسد هذا الطلب.
وبلا شك فإن غياب الشرط الأول، وهو (جودة السلع وتنوعها) يجعل من خفض قيمة العملة عملاً لا معنى له، حيث إنه لن يكون هناك من يرغب في شراء منتجاتها، وبذلك لن يتحقق شيء من وراء ذلك إلا المزيد من التدهور الاقتصادي، حيث إنه إذا قامت الدولة بخفض قيمة عملتها لتدعيم اقتصادها المحلي عن طريق زيادة الصادرات، ثم لم تزد هذه الصادرات نتيجة عدم جودة المنتج، فإذن ما ستحصل عليه هذه الدولة هو عملة ضعيفة وكساد إنتاج وزيادة العجز في ميزان مدفوعاتها؛ إذ ستزيد أسعار وارداتها، وتزيد نفقات الإنتاج الذي يستخدم فيه هذه الواردات.
لقد اضطرت دول جنوب شرق آسيا لهذا التخفيض في سعر الصرف، وجاء معها بالنتيجة المرجوة لتوافر هذه الشروط الثلاثة، وكذلك لأننا إذا نظرنا إلى أداء اقتصاديات هذه الدول ومعدلات النمو الحقيقي الذي كانت عليه قبل الأزمة سنجد أنه يؤهلها لتحقيق تلك النتائج، حيث إن هناك ثقة لدى السوق الدولي في قدرتها على العودة مرة أخرى إلى معدلات النمو المرتفعة، ولكن يجب أن يتم التعامل مع هذا الأمر بمنتهى الدقة والحذر؛ لأنه إذا زاد الانخفاض يمكن أن يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة في اقتصاد تلك الدول (خاصة المدينة منها)، وينعكس ذلك سلبيا على اقتصادها مما قد يعرضها إلى انتكاسة قد لا تتحملها في الوقت الحالي.
|