English

 

الأحد. يونيو. 18, 2000

  صباح نماء :
 

نماء » مفاهيم ومصطلحات

 

الإيدز.. محرقة الصحة والأموال!!

علي عبد العزيز

Image

33,7 مليون مريض  بالإيدز في العالم يمثلون حرب استنزاف مستمرة ضد الاقتصاد الدولي، حيث لا تتوقف آثار المرض عند من أصابه، بل تتعدى ذلك لتصيب الاقتصاد القومي في مقتل؛ لتوجيه المزيد من الموارد لقطاع الصحة على حساب قطاعات أخرى أهم كالتعليم والتنمية فضلاً عن انخفاض حجم القوى العاملة وساعات العمل بسبب تزايد حالات الوفاة. وكما تشير الإحصاءات فإنه من المتوقع أن يشهد العالم 120 مليون حالة وفاة بسبب المرض حتى عام 2025م. ويا ليت الأمر يتوقف عن أبعاده الاقتصادية، بل يتعدى ذلك إلى البعد الاجتماعي مخلفًا وراءه الأحزان وتدنِّي مستوى الرفاة للأسرة كلها، وانخفاض نفقات تعليم الأطفال، ولعل هذا ما دعا المؤسسات الدولية للتكاتف من أجل مكافحة هذا المرض المُدمِّر للاقتصاد والصحة والأخلاق. بل إن بعض الدول اعتبرته تهديدًا لأمنها القومي، ولعل مكافحة هذا المرض في ظل عدم اكتشاف العلاج الشافي له تَكْمُن أساسًا في الوقاية من أسباب الإصابة به.

- أولاً: اقتصاديًّا.. محرقة الأموال والعمال

- ثانيًا: اجتماعيًّا.. تدمير الأسرة والأطفال

- ثالثًا: صحيًّا.. الوقاية والعلاج

- رابعًا: عالميًّا.. تهديد الأمن القومي

***

أولاً: اقتصاديًّا.. محرقة الأموال والعمال

 تشير مصادر منظمة الصحة العالمية إلى أن أعداد المصابين بفيروس الإيدز استمرت في الارتفاع منذ اكتشاف المرض، حيث أصيب ما يقدر بـ (5,6) مليون شخص على مستوى العالم خلال 1999م منهم (570) ألف طفل تحت سن الخامسة عشر أي بمعدل (15) ألف مصاب يوميًّا على مدار السنة تقريبًا، كما قُدِّر عدد الوفيات الناجمة عن المرض منذ اكتشافه وحتى نهاية 1999م بحوالي (16,3) مليون شخص منهم حوالي (2,6) مليون خلال عام 1999م فقط، ويعيش حوالي (3,8) مليون شخص من بين الـ (5,6) مليون مصاب في دول جنوب الصحراء الإفريقية والتي منيت بحوالي 85% من حالات الوفاة لنفس العام، رغم أنها تؤوي 15% فقط من سكان العالم، وبالتالي فهي أشد مناطق العالم إصابة وتضررًا من المرض.

- توزيع مرضى الإيدز حول العالم حتى نهاية 1999م

مسلسل

المنطقة

عدد المرضى

% من الإجمالي

1

أفريقيا جنوب الصحراء

23,3 مليون

69,1 %

2

جنوب آسيا

6 ملايين

17,8%

3

أمريكا اللاتينية والكاريبي

1,7 مليون

5,04%

4

أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية

1,5 مليون

4,4 %

5

شرق آسيا

530 ألفا

1,6 %

6

أوروبا الشرقية

360 ألفا

1,1 %

7

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

320 ألفا

95,%

8

أستراليا

12 ألفا

004, %

الإجمـــالي العالمــي

33,722 مليون

100%

ويوضح الجدول السابق ما يلي:

- يقدر عدد المصابين بالفيروس في جنوب شرق آسيا بـ (6) ملايين شخص أما في شرق آسيا فيقدر عدد المصابين بحوالي (530) ألف.

- في أمريكا اللاتينية والكاريبي قدر عدد المصابين بحوالي (1,7) مليون شخص بما فيهم الأطفال المصابين.

- في دول جنوب الصحراء الإفريقية قدر عدد المصابين (23,3) مليون منهم مليون طفل مصاب.

- في أوروبا الشرقية شهد العدد ارتفاعًا ملحوظًا، حيث وصل إلى (360) ألف شخص.

- في شمال إفريقيا والشرق الأوسط والتي تضم الدول العربية باستثناء دول الخليج العربي وصل العدد إلى (320) ألف مصاب، وهو أقل عدد بعدد أستراليا التي وصل عدد المصابين بها إلى (12) ألف مصاب.

- في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية قدر العدد بـ (1,5) مليون مصاب.

وتخلص منظمة الصحة العالمية إلى أن مرض الإيدز يستمر في الانتشار في جميع مناطق العالم ولكن بمعدلات مختلفة، وأن البرامج المُكَرَّسة لتخفيض الإصابة بالمرض في الدول الصناعية تعاني من انخفاض واضح رغم توفر الإمكانيات لديها ورغم نجاحها في إطالة سنوات العافية التي يتمتع بها المصاب. 

1- زيادة نفقات الصحة على حساب التعليم:

يرى بعض المحللين أن مرض الإيدز ليس له تأثير سلبي كبير على الاقتصاد المحلي بحجة أن انخفاض معدل النمو السكاني الذي تسببه حالات الوفاة الناجمة عن المرض، يتم تعويضه من فائض العَرْض في عنصر العمل الذي تتمتع به الكثير من الدول، وعليه فإن الناتج المحلي الإجمالي لن يتأثر، وتستخدم وجهة النظر هذه حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي كمقياس وحيد لحساب الأثر الاقتصادي للمرض وهي طريقة قاصرة؛ لأنه في مثل هذه الحالة تكون الحاجة مُلِحَّة إلى نظرة شمولية تتضمن تأثيرات المرض على مستوى الرفاة، وانخفاض متوسط الأعمار في الاقتصاد، وضياع الاستثمارات المُنْفَقَة في مجال رأس المال السنوي وهي استثمارات تراكمية على مدى سنوات طويلة، كما أن هذا التحليل لا يهتم بالأثر الطويل الأمد للمرض، إذ إنه حتى إذا لم يتأثر النمو الاقتصادي والدخل القومي في الأمد القصير، فإن التوقعات المستقبلية سيئة للغاية إذا ما استمرت معدلات الإصابة بنفس المستوى.

إن أهم سِمَة لهذا التحليل هو أنه ينظر إلى العنصر البشري كأنه وسيلة من وسائل النمو الاقتصادي وليس هدفًا للنمو في حَدِّ ذاته، وهي نظرة مادية صرفة لا تنطوي على فلسفة النشاط الاقتصادي المعتبرة لدينا، وهي أن غاية النمو الاقتصادي هي رفع مستوى رفاة المجتمع ككل، وأن الاقتصاد في خدمة الإنسان خليفة الله في الأرض التي سَخَّر له كل ما فيها وليس العكس، ويمكننا تلخيص الآثار الاقتصادية الحقيقية للمرض على النحو التالي:

2 - تكلفة علاج المريض = 207 أضعاف نصيبه من الناتج:< /U >

يتراوح ثمن الأدوية التي يتعاطها مريض الإيدز من (10) إلى (20) ألف دولار سنويًّا، وتصل هذه التكلفة إلى (155) ألف دولار سنويًّا في مراحل متقدمة من المرض، وتفرض هذه التكاليف أعباء إضافية مرهقة على ميزانية الدولة، وتعجز الدولة في كثير من الأحيان عن الوفاء بها. حتى في الدول المتقدمة التي بها أنظمة تأمين صحي متطورة، فإن هذه الأنظمة قد لا تغطي كل التكاليف بالكامل، وعلى سبيل المثال خلال النصف الأول من 1996م في واشنطن وحدها تضاعف عدد المرضى المنتمين إلى برنامج المساعدة الدوائية لمرضى الإيدز(APAPS)، كما ازدادت تكاليف البرنامج إلى ثلاثة أضعاف، مما أدى إلى قيام عدد من الولايات الأمريكية بفرض قيود على الانضمام إلى هذه البرامج مثل:

-  تخفيض مستوى سقف الدخل الذي يسمح للمصاب بالانضمام للبرنامج.

-  إنشاء قوائم انتظار للراغبين في الانضمام.

-  صرف بعض الأدوية بمقابل.

وإذا ما سلمنا بمحدودية الموارد المالية للدولة، فإن ازدياد نفقات قطاع الصحة بسبب المرض سيكون على حساب تخفيض النفقات على قطاعات أخرى كالتعليم مثلاً، كما أن ارتفاع نفقات الرعاية الطبية الإيدز في قطاع الصحة نفسه سيكون على حساب مستوى الرعاية الطبية لبنود أخرى في قطاع الصحة كالأطفال أو المعاقين على سبيل المثال. ففي دراسة أجراها البنك الدولي عام 1997م تبين أن تكلفة الرعاية الطبية لمريض الإيدز خلال عام واحد تساوي 207 مرة من نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي، كما أن تكلفة الرعاية الطبية لمريض الإيدز خلال عام واحد تفوق تكلفة تعليم عشرة تلاميذ في المرحلة الابتدائية وبفارق كبير في العديد من الدول مثل اليونان – كينيا – البرازيل – زائير – تنزانيا – كوستاريكا، وفي أفضل الأحوال فإن التكلفتين تتساويان تقريبًا في دول متقدمة مثل اليابان - الولايات المتحدة الأمريكية، ولنا أن نتصور كيف ستكون هذه الإحصائيات إذا ما علمنا أنها أجريت قبل ظهور بعض العقاقير الجديدة الباهظة الثمن المضادة للفيروس.

يؤثر المرض أيضًا على الطاقة الاستيعابية للمستشفيات والأطقم الطبية، حيث يعاني الأطباء والممرضون في نصف الدول الإفريقية المصابة من ضغط ساحق من مرضى الإيدز، وعلى سبيل المثال يحتل مرض الإيدز في زيمبابوي وحدها حوالي نصف عدد الأَسِرَّة المتاحة في المستشفيات بالدولة ككل.

إن قضية ارتفاع التكلفة تفرض على صانعي القرار خيارات صعبة في المفاضلة بين الإنفاق على علاج مرض الإيدز المكلف والإنفاق على القطاعات الأخرى، فما هي أولويات السياسة العامة في هذا المضمار؟! وكيف يوازن صانعو القرار بين الإنفاق على علاج مرض الإيدز والأمراض الأخرى وبين الإنفاق على قطاع الصحة والقطاعات الأخرى ؟! ولكي نعلم صعوبة هذه المفاضلة علينا أن نُذَكِّر بأن كل أنواع العلاج المستعمل لمرض الإيدز لا يؤدي إلى الشفاء الكامل حتى الآن وإنما يحاول إعاقة تقدم المرض أطول فترة ممكنة، وحتى مع وجود عقار (ZDV) الذي يستعمل لمنع انتقال الفيروس من الأم المرضعة إلى وليدها فإن الكثير من الأمهات – وحتى الحكومات - تعجز عن تمويل هذا العقار.

3 - الإيدز الثاني في قائمة أخطر الأمراض المعدية:

لا شك أن حالات الوفاة والعجز البدني التي يسببها المرض تؤدي إلى فَقْد في القوى العاملة وأيام العمل الأمر الذي يضر بالاقتصاد، ويزداد هذا الضرر كلما ازدادت أيام العمل المفقودة وكلما ازدادت حالات الوفاة ضمن القوى العاملة اقتصاديًّا.

وفي هذا الصدد صنفت منظمة الصحة العالمية ضحايا مرض الإيدز بين ضحايا (6) ستة أمراض معدية أخرى عام 1998م فجاء الإيدز في المرتبة الثانية بعد أمراض الجهاز التنفسي الحادة، كما قدرت المنظمة أن معدل الأعمال في جمهورية بوتوسوانا قد انخفض من 70 عامًا إلى 50 عامًا، ويتأثر الاقتصاد بشدة من جرَّاء فَقْد فئات معينة تؤدي دورًا هامًّا فيه، فقد أغلقت في جمهورية إفريقيا الوسطى (10) مدارس خلال الفترة من 96 - 1998 بسبب وفاة المدرسين الناجمة عن مرض الإيدز. ولنا أن نتخيل حجم الضرر الذي يحدثه هذا المرض على مستوى التنمية بشكل عام وعلى مستوى التعليم بشكل خاص، وفي زامبيا يحصد المرض ما بين 4 - 5 أشخاص يوميًّا وهو ما يعادل حوالي 4% من مجمل حالات الوفيات في البلد.

4 - 120 مليون حالة وفاة بسبب الإيدز حتى عام 2025م:

خَلُصَت مجموعة من الدراسات التي تناولت تأثير المرض على معدل الأعمار ومعدل الوفاة إلى أن المرض سوف يرفع من معدلات الوفاة في مجموعة من الدول النامية سوف يستمر في ذلك خلال العشر سنوات القادمة، وقد قدرت الأمم المتحدة أن سكان الدول الأكثر إصابة بالمرض سوف يتناقص بمقدار (13) مليون نسمة في عام 2005م وبمقدار (30) مليون نسمة في عام 2025م، كما أن معدل الأعمار في هذه الدول سوف يتناقص بمقدار 27%، وفي نفس الوقت يقدر مكتب الإحصاء السكاني الأمريكي مقدار النقص في عدد سكان هذه الدول بحوالي أربعة أضعاف تقديرات الأمم المتحدة تقريبًا أي (59) مليون نسمة في 2005م و(120) مليون نسمة في 2025م، ويُرْجِع الخبراء الاختلاف في التقديرات إلى اختلاف الطرق الإحصائية المستخدمة في التقدير، ولكن وبشكل عام فإن كلا التقديرين يعكس الآثار السلبية للمرض على الموارد البشرية.

5 - ضياع 71 مليون سنة عمل في عام واحد:

ولتقدير العبء الاقتصادي الناتج عن المرض قدمت منظمة الصحة العالمية مقياسًا لذلك، يتمثل في عدد سنوات العافية التي يفقدها مرضى الإيدز في جميع الأعمار على مستوى العالم وقدَّرت ذلك بحوالي (71) مليون سنة لعام 1998م فقط، ولكي نقدر حجم الخسارة المتكبدة خلال هذه السنوات نجمع تكلفة الإنتاج والخدمات المفقودة بسبب المرض مع تكلفة العناية الطبية المنفقة على المريض خلال هذه السنوات.

وهنا نضيف مقياسًا آخر وهو ما يمكن أن نطلق عليه "تكلفة الإزاحة" وهو مقدار السلع والخدمات التي يفقدها الاقتصاد من جراء إزاحة أي عامل اقتصادي فيه دون سن التقاعد "الإحالة على المعاش" بسبب الوفاة الناجمة عن المرض، فإذا كان سن التقاعد (60) عامًا - على سبيل المثال - فإن وفاة أحد أفراد القوى العاملة في الاقتصاد عند سن (40) عامًا يعني فقدان ما قيمته (20) عامًا من العمل تحسب على أساس متوسط إنتاجية الفرد في الاقتصاد المعني خلال هذه الفترة.

***

ثانيًا: اجتماعيًّا.. تدمير الأسرة والأطفال

إن الأعباء المالية التي يفرضها مرض الإيدز على المرضى وعائلاتهم وأقاربهم بشكل خاص - وعلى المجتمع ككل - يعيق برامج مكافحة الفقر والتخلف في الدول النامية، وبالتالي يزيد من تدهور مستوى الرفاة المتدني – أصلاً - في كثير من الدول، فالعائلات التي تعتني بأحد أفرادها المريض بالإيدز غالبًا ما تستنزف الموارد المالية التي تحتاج إليها لتغطية نفقات حاجاتها الأساسية الأخرى.

وفي دراسة أجراها برنامج الأمم المتحدة المشترك للإيدز UN AIDS على المناطق الحضرية في دولة ساحل العاج، تبين أن العائلات التي لديها مصاب بالإيدز تضطر لتخفيض إنفاقها على تعليم أطفالها بنسبة 50% وتضطر أيضًا لتخفيض استهلاكها من الغذاء بنسبة 40%، وذلك في محاولاتها لتغطية نفقات الرعاية الطبية لمريضها، وتزداد هذه المعاناة مع مرور الوقت بسبب تقدم مراحل المرض وارتفاع أسعار الأدوية والعقاقير.

إن ما يميز الكثير من المجتمعات الإفريقية والعربية والإسلامية هو الترابط الأسري والاجتماعي، وهو ما يفرض في كثير من الأحيان التزامًا بِمَدِّ يد العون والمساعدة للأسر المنكوبة في دفع مصاريف العلاج، وفي مثل هذه الحالات فإن المرض لا يؤثر على مستوى رفاة الأسر المنكوبة فقط، بل يتعداها إلى من تربطهم بهم علاقة، وهي تكاليف يصعب رصدها؛ لأنها لا تدخل في الإحصاءات الرسمية ولا في حسابات الحكومة، ورغم أن البعض قد ينظر إلى هذه المصاريف كعنصر مُخَفِّض للضغط على ميزانية الحكومة إلا أنها في الحقيقة تعني التضحية بسلعة من السلع والخدمات كان يمكن أن يستفيد منها أسر المرضى ومن تربطهم بهم علاقة لولا المرض.

حرمان الأيتام من التعليم والغذاء:

إن المرض الذي يصيب البالغين من أرباب الأسر ويؤدي بهم إلى الوفاة يثير موضوع إعالة الأيتام، إذ إنه حتى في المجتمعات المترابطة التي يتولى فيها الأقارب كفالة اليتيم يعاني الأطفال اليتامى من انخفاض الفرص في مواصلة التعليم وانخفاض كمية الغذاء مقارنة بالأطفال الآخرين، ولمعالجة هذا الوضع تتجه بعض البلدان كزيمبابوي – مثلاً - إلى تقديم خدمات رفاة خاصة للأطفال اليتامى تتمثل في حرف بدل رسوم دراسية وأزياء مدرسية وغيرها للأسر التي تعتني باليتيم، ولكن مع نسبة إصابة تصل إلى 26% من البالغين وما يقدر بـ(60) ألف يتيم خلال عام (2000م)، فهل يمكن لزيمبابوي تمويل هذا الدعم ؟!

في دراسة عملية لتكاليف العلاج التي تعطي لمريض الإيدز مقارنة بالمرضى الآخرين غير المصابين بالإيدز - أجريت عام 1995م - تبين أن هذه التكلفة استمرت منذ عام 1992م وحتى يناير 2000م في الارتفاع، وفي دراسة عملية أخرى نجد أن مقدار الفقد في الرفاة محسوبًا بتكاليف العلاج الشخصية التي يدفعها المريض من جيبه الخاص هو 40% من مجمل تكلفة العلاج تتمثل في رسوم الرعاية الطبية المنزلية التي يتحملها المريض، وبالتالي نلاحظ أن الدراسات التي تركز فقط على التكلفة المعروفة من خلال التعامل مع المستشفيات أو من خلال ما تنفقه الحكومة لا تعبر بالفعل عن التكاليف الإجمالية لمرض الإيدز وما يتسبب فيه من انخفاض في مستوى الرفاة له وللمُعِيلِيْن له.

من ناحية أخرى يعتبر الطلب على الدواء والعلاج بشكل عام من الناحية الاقتصادية طلبًا ضعيف المرونة، أي أن الشخص يضطر لشرائه مهما كان سعره. وإذا ما علمنا أن  أسعار الأدوية والعقاقير في ارتفاع مستمر وأنها قد تضاعفت خلال الفترة من 1990 - 1999 فقط نجد أن مريض الإيدز ومن يعولونه يعانون من تدهور مستمر في مستوى الرفاة. كما أورد البنك الدولي بأن منطقة الكاريبي قد خسرت بالفعل 6% من ثروتها بسبب ارتفاع الإنفاق على الصحة وانخفاض الادخار وزيادة الاعتماد على الأشخاص العاملين اقتصاديًّا وفقدان قوى العمل بسبب المرض، الأمر الذي يعني انخفاضًا في مستوى الرفاة لتلك المنطقة.

***

ثالثًا: صحيًّا.. الوقاية والعلاج

إن مواجهة مرض الإيدز كأي مرض بشكل عام تتلخص في محورين  أساسيين هما: الوقاية والعلاج. فما هي الفرص والآمال في مواجهة المرض عبر هذين المحورين ؟ وهل هناك أي علاج ثانٍ للمرض ؟ وما هو التقدم المُحْرَز على صعيد الوقاية منه ؟ وما هو أفضل مدخل للوقاية ؟‍

إنه لمن المؤسف حقًّا - وبعد كل هذه السنوات ومع كل الجهود العلمية والبحوث التي بذلها ولا زال يبذلها علماء الأوبئة والجراثيم - ألا يظهر علاج ناجح لمرض الإيدز، فكل ما هو متوفر الآن هو عقاقير تحاول زيادة عدد سنوات العافية في عمر المريض عبر مقاومة التطورات السلبية التي يحدثها الفيروس، وقد أحرزت الدول المتقدمة بعض التحسن في هذا المجال، ومع ذلك فإن هذه الأدوية باهظة وليست متاحة لمعظم المرضى خاصة في إفريقيا ودول العالم الثالث. إن أهم عقبة تواجه تطوير مثل هذه الأدوية والعقاقير هي تكاليف البحث والتطوير الباهظة، حيث إن تمويل هذه التكاليف يتم من قبل شركات الأدوية العالمية بناء على دراسات السوق المحتملة لمثل هذه الأدوية، فإذا كانت هذه السوق هي دول العالم الثالث التي يَقِلُّ فيها دخل ثلث السكان عن دولار واحد في اليوم، فإن الحوافز التجارية لتمويل هذه البحوث ودعمها تصبح  ضعيفة جدًّا، ويبقى العبء الأساسي في تمويل هذه الأبحاث على المؤسسات البحثية والحكومات المهتمة. 

1 - ثلاثة أسباب رئيسة لانتقال المرض:

تبقى الوقاية أكثر تفاؤلاً وأقل كلفة من علاج المرض، إذ إنه حتى إذا قامت شركات الأدوية بتخفيض سعر الأدوية بنسبة 90% فإن السعر سيظل مرتفعًا وغير ملائم لملايين الأفارقة محدودي الدخل، وتتلخص الوقاية في تفادي الوسائل الناقلة للمرض وتجنب أسباب حدوثه، وإذا ما تم استثناء انتقال المرض عن طريق الدم والمخدرات والأدوات الطبية الملوثة.
- الأسباب الرئيسية لانتشار الإيدز حسب المناطق

المنطقة

وســـيلة الانتــقال

 

الاتصال الجنسي المتعدد بين الرجال والنساء

الشذوذ الجنسي واللواط

الاستعمال المشترك للحقن الطبية

1- الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

-

 

-

2- أوروبا الغربية

 

-

-

3- أمريكا الشمالية

-

-

-

4- الجنوب وجنوب شرق آسيا

-

 

 

5- شرق آسيا والباسفيكي

 

 

 

6- شرق أوروبا ووسط آسيا

 

-

-

7- أمريكا اللاتينية

-

-

-

8- الكاريبي

-

-

 

9- أستراليا ونيوزلندا

 

-

-

ونتيجة لعدم توفر اللقاحات والتطعيمات ضد المرض وعدم وجود علاج شافٍ له يوصي الخبراء الدوليِّيْن ومنظمة الصحة العالمية باستعمال الوسائل المتاحة والرخيصة لمنع حدوث ملايين الإصابات الجديدة مثل:

1 - توفير العازل المطاطي لممارسة الجنس وأدوات الحقن الطبي.

2 -  توفير أساليب وطرق آمنة للحقن الطبي.

3 - نشر التوعية وتعليم الجنس في المدارس.

4 - توعية الأمهات المصابات بالبدائل الآمنة للرضاعة من الثدي، ورغم قلة تكلفة هذه البدائل وقدرة الدول المتقدمة على الاستفادة القصوى منها؛ نظرًا لارتفاع مستوى الدخل فيها، فإن عدد المصابين الجدد في هذه الدول ظل ثابتًا نسبيًّا ولم ينخفض، وهو ما يطرح تساؤلاً حول دور الأنماط السلوكية والقيم والعقائد السائدة في المجتمع وعلاقتها بانتشار المرض، إذ إن توفر وسائل الحماية الرخيصة وحدها لا يكفي، وتنعدم فائدتها في ظل وجود أنماط سلوكية تنطوي على الكثير من مخاطر الإصابة بالمرض.

ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية على دُوْر الخمر والمخدرات في السلوكيات ذات المخاطر العالية المتعلقة بالإصابة بمرض الإيدز ضمن صفوف الطلبة، تبين أن 28% من العينة التي أجريت عليها الدراسة يتعاطون الخمر والمخدرات قبل الاتصال الجنسي، وأن 50% من هؤلاء أقروا بعدم استعمال العازل المطاطي في آخر اتصال جنسي قاموا به، وتَخْلُص الدراسة إلى نتيجة هامة هي أن توفير وسائل الحماية وحده لا يكفي لتخفيض أعداد الإصابات الجديدة، بل يجب أن تُوَجَّه برامج الوقاية الشاملة لتستهدف الخمور والمخدرات نظرًا لدورها في تكوين السلوك الخطر الذي يؤدي إلى الإصابة بالمرض.

2 - معتقدات باطلة للشفاء من المرض:

في مناطق إفريقيا التي يسود فيها الجهل والشعوذة يعتقد الكثيرون أن الاتصال الجنسي مع الفتاة العذراء يشفى من الإيدز، بينما يعتقد آخرون أن هذا النوع من الاتصال يعتبر أقل خطرًا في نقل المرض إليه، والنتيجة هي نقل المرض إلى أعداد كبيرة من النساء الإفريقيات، في نفس الوقت يعتقد المسلم الأفريقي الملتزم أن الاتصال الجنسي الآمن هو مع زوجته التي أَحَلَّها الله له شرعًا، وكذلك الأمر بالنسبة للمسلمة الإفريقية والنتيجة هي حماية ذاتية فاعلة.

تستخدم تعبيرات الممارسة الآمنة للجنس في التعليم الجنسي بكثرة عند الحديث عن برامج الوقاية من المرض من قبل الخبراء الدوليين والمنظمات الدولية، وهو ما يعكس طبيعة المجتمعات الأجنبية التي تعتبر ممارسة الجنس حقًّا مكتسبًا، كما تعتبره سلعة تُباع وتُشترى ويُدْفع عنها حتى الضرائب، كما يعكس مبدأ الحرية الشخصية المطلقة في ممارسة الجنس، وحتى الشذوذ وحتى السلوكيات التي إذا ما أضيف إليها تعاطي الخمور والمخدرات يؤدي إلى إحباط برامج الحماية المذكورة آنفًا، ومع ذلك وحتى وإن كانت هذه البرامج فعَّالة في مقاومة المرض، فهل يمكن لمجتمعاتنا القبول بما يسمى بالممارسة الآمنة للجنس والتعليم الجنسي في المدارس وما بعدها ؟! هل يمكن القبول بوصفات الحماية التي يضعها الخبراء الدوليون والمنظمات الدولية على عِلاَّتِها ؟!

جاء في تصريحات لرئيسة الاتحاد الدولي للصحة النسائية أن انتشار مرض الإيدز يرجع إلى عدم رغبة الرجال في اتباع الممارسة الآمنة للجنس وإلى تعدد الزوجات، وأضافت بأنه يجب الاستثمار في التعليم الجنسي والخدمات والمعلومات الصحية حتى يصبح للفتيات الخيار في ممارسة الجنس في ظل الظروف التي يرغبن فيها.

3 - تعاليم الدين أفضل وقاية من المرض:

يعلمنا ديننا أنْ نَسْمَع القَوْل ونَتَّبِعَ أَحْسَنَه، وأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها. وعليه، فإن لنا أن نأخذ من هذه البرامج ما يوافق خصوصياتنا كمجتمعات إسلامية محافظة، إذ إن تعبيرات الممارسة الآمنة والتعليم الجنسي مبنية في هذه الوصفات على فرضية شيوع الفاحشة في المجتمع، كما أن تعبير التعليم الجنسي غامض ونشك في أنه يتوافق مع مفهومنا له، ومن ثَمَّ فإن لنا في ديننا مَنْدوحَة عن اتباع أي وصفات لا تتلاءم مع طبيعة مجتمعاتنا، ولنا أن نتبنى من هذه البرامج ما يراعي هذه الخصوصية والتي يمكن أن تتضمن النقاط الآتية:

1 -  تحسين نظام المراقبة الصحية ورصد الإصابات الجديدة.

2 -  مكافحة البغاء والمخدرات ومعالجة أسبابها اجتماعيًّا وإداريًّا واقتصاديًّا.

3 -  تشجيع الزواج بين الشباب ودعم الراغبين في الإحصان.

4 -  نشر التوعية الصحية والدينية تجاه السلوكيات المنحرفة التي تؤدي إلى الإصابة، خاصة ضمن الأعمار من 15 إلى 25 سنة وهي الفئة الأكثر عرضة للإصابة.

5 -  تقديم الدعم المعنوي والنفسي والصحي للمصابين والمصابات.

لقد بينت إحصائيات منظمة الصحة العالمية أن نسبة الإصابة في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط كانت 18,% فقط، وهي أقل نسبة في العالم بعد أستراليا، وهو ما يعكس الطبيعة المحافظة في هذه المجتمعات والمبنية على الدين الإسلامي الحنيف الذي يحرم الزنا والشذوذ والخمر والمخدرات، ولمعرفة دَوْرِ الالتزام الديني في الحَدِّ من انتشار المرض صَنَّفت منظمة الصحة العالمية العناصر المؤثرة في انتقال المرض إلى: مهمة، ومهمة جدًّا، وضعيفة أو لا تأثير لها. وقد جاء الالتزام الديني في مرتبة (مهمة جدًا) حسب تصنيف المنظمة، ورغم هذه الأفضلية التي تتمتع بها مجتمعاتنا مقارنة بالمجتمعات الأخرى المصابة بالمرض، إلا أنه لا ينبغي الاستهانة بالأمر، فلقد ظل المسئولون في تايلاند - على سبيل المثال - يجادلون لفترة طويلة بأن المرض تحت السيطرة إلى أن تَفاقَمَ الوضع وتأَزَّمَ، وهو أمر قد يتكرر في أي بلد أو منطقة لا تأخذ على عاتقها مواجهة المرض بجدية.

ويخلص بعض المختصون في مركز دراسات الوقاية من الإيدز في جامعة كاليفورنيا بأن الوقاية من خلال تغيير الأنماط السلوكية هي الطريقة الوحيدة للتحكم في انتشار المرض بالبلدان النامية، وكما لاحظنا سابقًا، فإن المدخل السلوكي المبني على الالتزام الديني يبدي فاعلية في الحد من انتشار المرض، وهنا يثور سؤال هام، لماذا يُقِرُّ هؤلاء المختصون بأن تغير الأنماط السلوكية هي الطريقة الوحيدة للتحكم في انتشار المرض في البلدان النامية ؟! لماذا لا يُطَبَّق نفس الأمر على البلدان المتقدمة ؟!!

لا شك أن تغيير الأنماط السلوكية ذات المخاطر العالية في الإصابة بالمرض سوف ينعكس بشكل إيجابي على معدلات الإصابة، إلا أن انتهاج سياسة عامة في هذا الصدد من قِبَلِ صانعي القرار في هذه البلدان يثير مأزقًا أيديولوجيا؛ لأنه سوف يُفَسَّر على أنه تراجُع عن المبدأ العَلْماني الذي تقوم عليه الدولة، كما أنه يعني انتكاس حقوق الإنسان - من وجهة نظرهم - ومن ثَمَّ فإن هذا المدخل غير وارد. وعليه، وبعد الانخفاض الملحوظ في برامج الحماية لتخفيض عدد الإصابات الجديدة وعدم وجود علاج ناجع للمرض، فقد اتجهت هذه البلدان إلى البحث في اختراع لقاح "تطعيم" ضد فيروس الإيدز، وتجري الآن مجموعة بحوث لتطوير اللقاح ودراسة الجدوى الاقتصادية له.

***

رابعًا: عالميًّا.. تهديد الأمن القومي

 ظهر مؤخرًا بُعْدٌ جديد للمرض، فلم يَعُدْ مجرد قضية صحية أو مرض يهدد حياة ملايين الأشخاص فقط، فقد اعتبرت إدارة الرئيس الأمريكي رسميًّا مرض الإيدز تهديدًا للأمن القومي الأمريكي؛ نظرًا لأنه قد يؤدي إلى:

- إسقاط الحكومات.

- إبطال عقود من العمل لبناء الديمقراطيات المبنية على حرية السوق.

- إثارة الحروب العِرْقية وزعزعة الاستقرار. 

1 - 254 مليون دولار من أمريكا لمواجهة المرض:

ولأول مرة يتناول مجلس الأمن القومي الأمريكي مسألة مواجهة مرض ما، حيث تم مضاعفة المبالغ المتخصصة لمكافحة المرض في الخارج إلى (254) مليون دولار، كما تم إنشاء مجموعة عمل في البيت الأبيض مهمتها تطوير مجموعة من القواعد لتوجيه الجهود الدولية لمكافحة المرض، وقد اتجهت الإدارة الأمريكية بالفعل لإنشاء ما يسمى "خطة مارشال" لمواجهة مرض الإيدز، وقد جاء هذا الإجراء بعد أيام من اتصالات بين البيت الأبيض وكبرى شركات الدواء العالمية من أجل جعل الأدوية الخاصة بالمرض أقل كلفة وفي متناول المصابين، وقد طلب البيت الأبيض من وزارة الخزانة الأمريكية التفاوض على إنشاء صندوق ائتمان يتبع البنك الدولي؛ ليجمع التمويل اللازم من القطاعين العام والخاص لمواجهة انتشار المرض في دول جنوب الصحراء الإفريقية.

جاء هذا الاهتمام بعد أن أوردت تقارير استخباراتية أمريكية عام 1999م النتائج الواسعة للمرض على الحكومات الأجنبية والمجتمعات خاصة في إفريقيا. وفي يناير 2000م أوضحت تقديرات الاستخبارات القومية - والتي أجمع عليها المحللون الحكوميون - احتمال وفاة ربع سكان الجزء الجنوبي من إفريقيا بسبب مرض الإيدز، وأن هذا المعدل من الوفيات سوف يستمر في الزيادة خلال عقد من الزمن قبل أن يلوح في الأفق أي تحسُّن، ووفقًا للمعدلات الحالية تحذر هذه التقديرات من أن هذا الاتجاه الكارِثِيّ من المحتمل أن يتكرر - وربما بصورة أشد - في جنوب آسيا ودول الاتحاد السوفييتي سابقًا، كما أنه بناء على تحليلات تاريخية لـ (75) عنصرًا من عناصر زعزعة الاستقرار للحكومات يوضح مُعِدُّو تقديرات الاستخبارات القومية أن النتائج الاجتماعية لمرض الإيدز لها علاقة خاصة وقوية بفشل الديمقراطية الحزبية. 

2 - البنك الدولي يعلن التزامه بمواجهة المرض:

ولقد تزامنت الإجراءات الأمريكية تقريبًا مع تصريحات هامة لمدير البنك الدولي أعلن فيها التزام البنك بمواجهة المرض واستعداده لتمويل أي برامج فِعْلِيَّة لمقاومة المرض في أي بلد إفريقي، وأن البنك لن يحدد أي سقف للتمويل لأي برنامج جِدِّي تقدمه أي دولة، كما أكد في تصريحات مختلفة له بأن البنك إما أن يوفر التمويل اللازم مباشرة أو أنه سوف يقوم بمساعدة البلد المعني في توليد الأموال اللازمة للبرنامج المقدم.

مدير البنك الدولي باشر أيضًا اتصالات مع كبرى شركات الأدوية؛ لتخفيض أسعار الأدوية الخاصة بمرض الإيدز للدول النامية خاصة في إفريقيا، وقد وافقت بعض الشركات بالفعل على إجراء تخفيضات معينة في أسعار هذه الأدوية، ومع ذلك فإن الفرق ما زال شاسعًا بين أسعار هذه الأدوية وقدرة المواطن والدول الإفريقية على تمويلها أو شرائها.

مدير البنك الدولي ذهب أيضًا إلى أبعد من ذلك، حيث صرح بأنه يَعْتَبِر مرض الإيدز تَحَدٍّ رئيسي للتنمية إن لم يكن أكبر تَحَدٍّ لها على الإطلاق في إفريقيا، وأضاف أن البنك سيعمل مع الحكومات من أجل وضع برامج تجعل "من المقبول ثقافيًّا التناقش حول المرض والتعامل معه". 

3 - مصالح اقتصادية وراء الاهتمام العالمي:

إن اهتمام الإدارة الأمريكية بمقاومة المرض في إفريقيا - أشد المناطق تضررًا - وما تبعه من تعهدات للبنك الدولي ينبع من إدراك الآثار السلبية للمرض على الاقتصاد الإفريقي، وما ينجم عن ذلك من آثار على الاقتصاد العالمي، إذ إن إفريقيا مصدر لكثير من المواد الخام الضرورية للبلدان الصناعية كما أنها سوق لمنتجات تلك البلدان، إلا أن المرض صار يستنزف قوتها الشرائية ويهدد قدرتها الإنتاجية وقدرتها على سداد التزاماتها المالية تجاه الدول الدائنة والمؤسسات المالية، وهي أمور لن تقف آثارها عند البلدان الإفريقية وحدها، بل ستتعداها إلى شركائها التجاريين بشكل خاص والاقتصاد العالمي بشكل عام وهو ما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي إلى تفاديه.

في جنوب إفريقيا التي يتعدى عدد المصابين فيها أكثر من 15% من السكان في نهاية عام 1999م أكثر من 50% منهم ما بين سن 20 - 30 عامًا يرفض رئيس البلاد الاقتناع بأن الفيروس يؤدي فعلاً إلى مرض نقص المناعة المكتسب، رغم كونها حقيقة علمية مثبتة وهو موقف فريد ستكون له نتائج سلبية على مستوى مقاومة المرض، وفي رسالة له إلى قادة العالم تم نشرها مؤخرًا نَدَّد رئيس جنوب إفريقيا بالانتقادات الموجهة له فيما يتعلق بسياساته تجاه مرض الإيدز متهمًا تلك الانتقادات بأنها مبنية على أسس عنصرية، ويبدو لنا أنه تحت شدة وطأة المرض بجنوب إفريقيا، ومع حالة الإحباط التي تعيشها الجهود المبذولة لمقاومة المرض وعدم وجود أي علاج شافٍ له حتى الآن، لم يجد رئيس جنوب إفريقيا مخرجًا سوى إنكار المرض، وبالتالي التَّنَصُّل من آثاره المدمرة والتبعات والمسئوليات التي يلقيها على السلطات الرسمية في البلد، وهو موقف قد يتكرر في أي دولة أخرى من الدول المتضررة بشدة من المرض.

لقد دخل مرض الإيدز مرحلة جديدة في التعامل معه فلم يَعُد شأنًا صحيًّا فقط كما أنه لم يَعُد شأنًا محليًّا، بل أصبح له آثاره الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وبعده الدولي أيضًا، ومن هنا يمكننا القول إن المرض دخل في مرحلة العولمة شأنه شأن العديد من القضايا مثل حقوق الإنسان، والديمقراطية، وحرية التجارة. فالبنك الدولي يسعى الآن إلى مناقشة حكومات العالم لجعل "مِنَ المقبول ثقافيًّا التناقش حول المرض والتعامل معه"، وهو طرح يَمَسُّ العديد من القضايا الحساسة في مجتمعاتنا مثل حرية الممارسة الجنسية، تعدد الزوجات. فهل نحن جاهزون لمواجهة هذا الطرح ؟! وهل ننظر إلى المرض بنفس الأفق الذي نظرت به الولايات المتحدة الأمريكية إليه وإلى آثاره المستقبلية التي ستؤثر سلبًا على مصالحها السياسية والاقتصادية في العالم ؟!

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم