|
| الملابس القديمة ملاذ الفقراء والأغنياء
|
ابتكرت الأسر العراقية العديد من البدائل للاستعاضة بها عن الكثير من السلع والمواد التي يتعذر الحصول عليها إما لعدم توفرها بسبب الحصار المستمر منذ 12 عامًا أو لارتفاع أسعارها بدرجة تفوق قدرة المواطن العادي على شرائها.
وتأتي الملابس الجاهزة والأقمشة في مقدمة السلع التي سجلت أسعارها قفزات ضخمة خلال السنوات الماضية؛ ونتيجة لذلك يلجأ الكثير من العراقيين إلى شراء الملابس المستعملة رخيصة الثمن التي تباع في أماكن يطلق عليها اسم "اللنكة".
وينتشر بيع هذه الملابس بصورة خاصة في الأسواق والمحلات والبيوت الواقعة داخل المناطق الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية، حيث يقبل عليها المواطنون لستر الأجساد اتقاء لبرد الشتاء القارس أو حر الصيف القائظ.
مصدر رخيص
يشير البائع هادي عزيز خلف في لقاء مع مراسل شبكة "إسلام أون لاين.نت" الثلاثاء 14-1-2003 إلى أن هذا النوع من الملابس يصل إلى العراق في أكياس (بالات) مغلقة، ويتم بيعها للمواطنين وصغار التجار عن طريق ما يعرف بـ "الكمارك" أو المزاد العلني بأسعار زهيدة جدًّا، بعد إجراء الفحوصات عليها من دائرة الرقابة الصحية.
وتقول صبرية عبد الكريم الملا -ربة بيت-: إنها تمكنت على مدى سنوات الحصار من توفير الملابس الضرورية لأفراد أسرتها بإعادة تفصيل وخياطة الملابس المستعملة التي تُباع في هذه الأسواق الشعبية، بينما صنعت ملابس العيد لأطفالها من قماش المعطف القديم الذي يمتلكه والدهم... وهي تتمنى أن يستجيب الله عز وجل لدعواتها في الصلاة فيبعد العدوان ويزيل الحصار؛ لتعود الحياة في وطنها إلى سابق عهدها.
أما ابتسام علي ناصر فحالها ليس أفضل كثيرًا، ولكنها تمتلك ماكينة حياكة (تريكو) تعيد من خلالها نسج الملابس الصوفية القديمة التي تلتقطها من (اللنكة) وتعيد تفصيلها وفق مقاسات أولادها. وتضيف أنها اضطرت خلال السنوات الماضية إلى بيع ما لديها من ملابس وفساتين فاخرة لتوفير جزء من الاحتياجات الدراسية المُلِحّة لأولادها.
ويقول البائع سمير صالح مهدي: إن ملابس اللنكة لم يكن يتم استيرادها قبل الحصار؛ لأن الدول الغنية تقدمها عادة إلى الشعوب الفقيرة كمعونات وهبات، وبالتالي لم يكن العراق في حاجة إليها.. أما الآن فإن العائلة العراقية تعيش في ظلّ الحاجة والعوز، وبالتالي لجأ البعض
إلى استيرادها لتلبية احتياجات هذه الأسر من الملابس المختلفة.
كما تحدثت ربّة العائلة مكارم خليل إسماعيل وهي تحمل مجموعة كبيرة من الملابس الخاصة بالأطفال قائلة: إنها مضطرة إلى شراء الملابس المستعملة لكسوة أطفالها اليتامى بأثمان رخيصة جدًَّا. وتضيف أنها تتقاضى راتب زوجها المُتوفَّى وفي نفس الوقت تعمل "دلالة"، حيث تبيع الملابس بالتقسيط للأسر المحتاجة؛ لكي توفر لقمة العيش التي أصبحت الشاغل الأول لهم.
والأغنياء أيضًا!
ويشير خالد علوان الدوسري إلى أن الأسر المقتدرة والغنية أصبحت تزاحم الفقراء في انتقاء أنواع من هذه الملابس التي تحمل علامات أو ماركات عالمية وموديلات حديثة تفتقدها السوق العراقية في ظل الحصار.
ويوضح أن أجهزة الرقابة تمنع تداول الملابس الداخلية منعًا باتًّا وتحرقها؛ لأنها تكون وسيلة لانتقال الأمراض والأوبئة، مثل الإيدز.
وتتحدث الحاجة "بتول أمين حسين" عن حالة الأسرة العراقية قبل ظروف الحصار، حيث كان بإمكانها تخصيص جزء من دخلها لشراء الملابس الجديدة المحلية والمستوردة بأسعار معقولة، لكن الأحوال تغيرت وأصبحت لا تسمح لهم إلا بشراء ما يدفع عنهم غائلة الجوع والمرض، فليس أمامها من وسيلة أخرى لتوفير احتياجاتها، وتضيف أنها تقوم بغسل هذه الملابس عدة مرات وتعقيمها وكيها لتفادي انتقال العدوى؛ لأنها لا تعرف مصدرها.
وقد شهد عام 2002 مناقشات واسعة في المجلس الوطني العراقي حول منع تداول الملابس المستعملة المستوردة، وتم تحويل الموضوع إلى اللجنة الاقتصادية في المجلس لمناقشته وإبداء الرأي فيه والتشاور مع الجهات ذات العلاقة، وقد تقدمت اللجنة الاقتصادية باقتراح لمنع استيراد هذا النوع من الملابس، إلا أنه فشل نتيجة للأوضاع الصعبة التي تمر بها الأسر العراقية.
|