|
| التردي الأمني وراء ارتفاع أسعار السلع في الأسواق
|
شهدت الأسواق العراقية خلال الأيام القليلة الماضية ارتفاعا ملحوظا في أسعار المواد الغذائية الرئيسية بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وغياب الاستقرار في عموم أنحاء البلاد.
فمنذ بدء معركة الفلوجة في نوفمبر 2004 وما رافقها من تداعيات أمنية في العديد من المدن العراقية الأخرى، والأسواق تشهد حركة ارتفاع ملحوظة في الأسعار، وذلك لكون العديد من طرق المواصلات التي تربط بين العراق والدول المجاورة تمر عبر تلك المدن والمناطق التي تحولت إلى ساحة حرب.
فالطريق الذي يربط بين العاصمة العراقية بغداد والعاصمة الأردنية عمان يمر بالمناطق التي تضم مدينتي الفلوجة والرمادي اللتين تعتبران أعنف المناطق العراقية اشتباكا ومواجهة بين المقاومين وقوات الاحتلال، وهو الطريق الذي يعتبر من أهم الطرق التجارية العراقية.
أما الطريق الذي يربط بين العراق وكل من تركيا وسوريا فإنه يمر بمدينة الموصل التي دخلت هي الأخرى إلى حلبة المواجهة مع القوات الأمريكية. وبما أن أغلب تجارة العراق تتم مع هذه الدول فإنها صارت اليوم في حكم المعطلة.
الطرق التجارية معطلة
يقول الحاج مظفر غانم -وهو صاحب محل لبيع اللحوم والبيض في منطقة علاوي جميلة التي تعتبر السوق الرئيسية لتجارة المواد الغذائية في العاصمة بغداد: "لم يعد الطريق آمنا.. سابقا كانت تجارتنا تمر دون مشكلات، أما اليوم فصارت الأوضاع معقدة، ومن النادر أن تدخل أي شاحنة سواء عبر الأردن أو عبر تركيا".
ويضيف محدثًا مراسل "قدس برس": "السواق (قائدو السيارات) باتوا يخافون سلوك هذه الطرق، ومن يقبل منهم فإنه يطالب بأجرة مضاعفة بالقياس لما كان يتقاضاه سابقا، وبالتالي فإن المواد الغذائية الداخلة ترتفع أسعارها.. أعتقد أن بقاء الأوضاع المتأزمة على هذه الطرق سيؤدي بالأسعار إلى ارتفاع جنوني". ويقول: "المواطن العراقي يحمّل التاجر مسئولية ارتفاع الأسعار، كأننا نحن المسئولون عما يجري".
وعن إجراءات الدولة لتوفير الأمن للقوافل والتجارة الخارجية، يؤكد الحاج مظفر أن الدولة لا تسيطر على أغلب الطرق الخارجية "ليس فقط من الناحية الأمنية، وإنما حتى من الناحية الإدارية.. الطرق الخارجية تتحكم بها عدة فصائل مسلحة، بالإضافة إلى وجود القوات الأمريكية التي غالبا ما تكون سببا من أسباب تأزم الأوضاع على تلك الطرق.. فهناك اشتباكات مسلحة تصادفك على طول الطريق بين بغداد وعمان، وليس من السهولة أن تنجو قافلة غذائية حتى إن كانت تابعة لتجار عراقيين ليس لهم أي صلة بالقوات الأمريكية"، كما قال.
أسعار الطماطم "جهنمية"
وهكذا فالمواطن العراقي الذي كان يطمح لأن يستفيد من الزيادات الحاصلة في مرتباته الشهرية قد بات اليوم غير قادر على شراء ما يحتاجه من ضروريات، فالأسعار لا يتحكم بها سوى الوضع الأمني، حتى جشع التجار المعروف بات سببا ثانويا، فأنت حينما تستمع إلى كلام التجار عن حقيقة الأوضاع على تلك الطرق تدرك حجم المعاناة التي يتكبدونها من أجل إيصال قوافلهم.
وتؤكد السيدة ابتهال جمعة -التي كانت تجوب السوق من أجل شراء بعض الاحتياجات- أن الأسعار اليوم باتت "جهنمية"، (فقد صار ثمن الكيلوجرام من الطماطم المحلية أكثر من ألف ومائتين وخمسين دينارا، بينما كان قبل اندلاع الأزمة الأخيرة بـ250 دينارا عراقيا [الدولار= 1460 دينارا عراقيا]. أما اللحوم فأصبحت مرتفعة جدا، واستمرت -كما كانت من قبل- طعام الأغنياء فقط، فسعر الكيلوجرام من اللحم صار بـ6000 دينار، علما بأن اللحم عراقي وليس مستوردا.. وكلما تساءلت عن السبب فإن قائمة من الأسباب تجدها جاهزة: غياب الأمن وارتفاع أسعار الوقود، وغيرها من الأسباب تواجهك.. المشكلة أننا اليوم لا نجد من نشكو له ما نعانيه، فالدولة غائبة تماما وهي منشغلة بحروبها الداخلية ضد العراقيين، والنتيجة أننا لا ندري ماذا نفعل)، كما قالت.
فوضى أمنية
وأدى اشتعال المعارك في العديد من مدن العراق إلى حالة من الفوضى الأمنية في العديد من الطرق الخارجية، فالمناطق الغربية التي تعتبر الممر الرئيسي من العراق إلى الأردن صارت مناطق حرب. يقول مواطن عراقي عاد من الأردن بعد فتح الحدود مؤخرا: "أينما تنظر تجد آثارا لآليات محترقة، بينها عدد كبير من الآليات الأمريكية وآليات الشرطة والحرس الوطني والآليات المدنية".
وأضاف: "أنت تسير في امتداد الطريق دون أن ترى أي سيارات مدنية تسلكه.. كل شيء يوحي بالوحشة. هناك اشتباكات وانفجارات تسمع في كل آن.. وقد شاهدت بأم عيني هجوما شنته مجموعة مسلحة على نقطة تفتيش أمريكية، كدنا نقتل فيه، إذ قامت القوات الأمريكية بإطلاق نار عشوائي، بعد أن دُمرت سيارتان تابعتان لها". وسكت برهة ثم أضاف: "هناك في غرب العراق حالة حرب على كل شيء"، كما قال.
وكانت الطرق الخارجية محور نشاط مسلح منذ أن بدأ الاحتلال الأمريكي للعراق قبل نحو عام ونصف، حيث وجد فيها المسلحون ضالتهم التي ينشدون، فضرب القوات الأمريكية هناك لا يؤدي إلى وقوع ضحايا بين المدنيين العراقيين، وبالتالي فإن استهداف القوات الأمريكية على تلك الطرق يكون أكثر تقبلا من قبل العراقيين من استهدافها داخل المدن وبين المدنيين.
صحفي بوكالة قدس برس.
|