|
| متظاهرون عراقيون يطالبون بوظائف
|
"لقد طرقت أبواب أكثر من خمس وزارات.. كنت أرغب في التعيين، فأنا أحمل شهادة علوم اقتصادية، إلا أن الجواب دائما كان يأتي بعدم وجود تخصيصات مالية، حتى تمكنت من العثور على أحد الموظفين المقربين من مدير عام إحدى الشركات، الذي قبلني في إحدى الدوائر مقابل 400 دولار".
هذه هي قصة الشاب العراقي كاظم جميل، وهي واحدة من آلاف القصص التي باتت تنتشر بكثرة في أوساط الشباب العاطلين عن العمل، فـ"التوريق" -أي دفع الرشوة- صار الكلمة السحرية لمن يرغب في التعيين في إحدى دوائر ومؤسسات الدولة. بل إن "التوريق" -وهو المصطلح الشعبي الذي يطلق على الرشوة- قادر على أن يفتح لك مغاليق الأبواب في العراق، كما يقول كاظم.
ويضيف: "لأكثر من سنتين وأنا أبحث عن عمل.. الدوائر كلها كانت تضع لافتات ورقية على أبوابها الخارجية تقول: لا توجد وظائف شاغرة لعدم وجود تخصيصات مالية، والغريب أني كنت أرى آخرين يقبلون في نفس الوظيفة والدائرة التي أراجعها!!".
ويتابع بحسرة قائلا: "بعد حين عرفت السبب؛ كانوا يدفعون الرشاوى إلى أحد المقربين من المدير العام ويقبلون، فاضطررت إلى سلوك هذا الطريق، على الرغم من إيماني بأنه حرام؛ لأنني لم أجد سبيلا يخرجني من أزمة البطالة التي أعيشها منذ عامين".
في دائرة الضريبة العامة في بغداد، قال أحد الموظفين لوكالة "قدس برس": إن التعيين في هذه الدائرة يتم بالواسطة؛ أي عن طريق شخص ثالث، "فأنت إما أن تكون مرشحا من قِبَل أحد أحزاب السلطة، أو أن تكون قريب المدير العام، أو أن تدفع مالا".
وأضاف الموظف الذي رفض الإفصاح عن اسمه قائلا: "قبل أيام دخلت على المدير في القسم الذي أعمل فيه، طلبت منه تعيين فتاتين من أقاربي في كركوك (شمال العراق) للعمل في فرع المؤسسة هناك، فرد على الفور بأن التخصيصات المالية غير موجودة، ولا يوجد بناء على ذلك أي تعيين، فأخبرته بأنهما على استعداد للدفع، هنا تغير كل شيء، فسأل عن المبلغ الذي يمكن أن يدفعانه، وعندما أخبرته بأنه 500 دولار طلب على الفور ملفيهما ليقبلهما في الوظيفة".
هذه الحالة صارت مسألة عادية وليست غريبة، كما يقول هذا الموظف. الذي يضيف بأن الرشاوى لا تقتصر على صغار الموظفين، وإنما تمتد لتصل حتى إلى الوزير نفسه، وطبعا كل شيء بثمنه كما يقول.
والبطالة هي أم الأزمات الاقتصادية في العراق؛ فجيوش الموظفين والعسكريين ورجال الشرطة الذين أتخمت بهم الدولة العراقية أيام صدام حسين أضحوا في الشارع بعد تسريحهم من قبل سلطات الاحتلال؛ ليرفعوا بذلك معدلات العاطلين إلى نسب تتضارب بياناتها ما بين 30 إلى 50% من جملة القادرين على العمل الذين يقدر عددهم بـ8 ملايين شخص. وبحسب الخبراء الاقتصاديين، فإن الحكومة العراقية الحالية عاجزة عن مواجهة تفشي البطالة، أو إيجاد فرص عمل للعاطلين.
سماسرة حزبيون
ومن بين الحالات التي أفرزتها الظاهرة العراقية بعد الاحتلال وجود سماسرة من أحزاب كبيرة في العراق، هي الأحزاب الممثلة في السلطة. وقد استغل هؤلاء السماسرة سطوة وسلطة أحزابهم، فراحوا يعينون من يرغبون في المكان الذي يريدون مقابل حفنة من الدولارات.
ويقول "حيدر حسين" إنه تقدم بعد الاحتلال ليعيد زوجته إلى الوظيفة، على اعتبار أنها متضررة سياسيا من النظام السابق. وعلى الرغم من المراجعات الكثيرة، "وصحة الوثائق التي أحملها، فإنني أخفقت في الحصول على حق زوجتي في العمل، وأخيرا دلني أحد أقاربي على أحد عناصر حزب مشارك في الحكومة في منطقة الحسينية -شمال شرق بغداد- الذي قام بجلب وثيقة تؤيد أنها كانت متضررة سياسيا من النظام السابق، مع مخاطبة موجهة إلى أحد المديرين العامين في وزارة التربية، وفعلا تمت إعادتها على الفور إلى الوظيفة".
وقال المواطن حسين: إن هذا العنصر الحزبي أخذ منه مقابل تلك الخدمة مبلغ 450 دولارا، حتى يقوم بهذا العمل.
الرشوة قبل التخرج
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177155916318 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
| البحث عن وظيفة بالعراق يتطلب رشوة |
الشباب العراقيون يدركون أن شبح البطالة يهددهم، لذلك فإن الكثيرين منهم -حتى قبل أن يتخرجوا في كلياتهم- يقومون بالاستعداد لما بعد التخرج من خلال جمع مبالغ نقدية تكفي "لتعيينه" في هذه الوظيفة أو تلك، كما يقول أحمد جمال العاني، وهو من خريجي كلية العلوم لهذا العام.
ويضيف العاني: "نعلم جيدا أنه لم يعد هناك سياق عمل في تعيين الخريجين أو حملة الشهادات، وإنما أصبح السياق هو سياق الرشوة، لذلك فإن أغلب زملائي الطلبة في الكلية قاموا بالاستعداد لما بعد التخرج، من خلال جمع المبالغ النقدية الخاصة بالتعيين، والتي تتراوح ما بين 300 و500 دولار".
ويتابع: "ليس هناك من سبيل للتعيين غير هذا الطريق، فأنت إما أن تكون عضوا في أحد أحزاب السلطة من الأحزاب الشيعية أو الكردية، أو أن تكون قريبا للوزير والمسئول، أو أن تدفع الرشوة، لذلك ترانا نعمل في المرحلة الأخيرة من الجامعة لنوفر المال للوظيفة.. السياقات المعمول بها الآن للتعيين هي المال وليس شيئا آخر سوى المال، ومن لا يملك المال عليه أن لا يفكر في التعيين"، على حد قوله.
أغلب سماسرة التعيين الذين ازدهرت أعمالهم وتجارتهم في ظل البطالة هم من المقربين من المسئول أو المدير العام أو ربما الوزير فلان أو علان، في حين أن هناك سماسرة متخصصون ليس لديهم من عمل سوى انتمائهم لهذا الحزب أو ذاك، والصنف الأخير تمكن خلال العامين ونصف الماضيين من تعيين العشرات على أسس طائفية بحتة، في حين عين آخرون على أساس الرشوة التي تدفع لهم، بغض النظر عن الكفاءة والشهادة.
أحد العراقيين علق على تفشي ظاهرة الرشوة في أغلب مفاصل الدولة ومنها توظيف العراقيين بأن على الحكومة الحالية أن تستبدل الشعار الاستعماري القديم "فرِّقْ تسد" بشعار جديد هو "ورِّق تسد".
|