English

 

الثلاثاء. فبراير. 14, 2006

نماء » قضايا اقتصادية » بلاد الشام

 
   
روابط من إسلام أون لاين

حماس والاكتفاء الذاتي.. خيارات مطلوبة

ياسر البنا

إسماعيل هنية القيادي بحركة حماس
إسماعيل هنية القيادي بحركة حماس

بدا الفلسطينيون بعد فوز حركة المقاومة "حماس" في الانتخابات التشريعية الأخيرة كالغافل الذي فوجئ بالماء قد وصل إلى ذقنه وأوشك أن يغرقه، بينما كان يعتقد أنه في معزل من السيل ومخاطره. فالجميع هنا يتداولون قضية اعتماد الاقتصاد الفلسطيني بشكل شبه كلي على المعونات، وكأنها ظهرت فجأة مع التهديدات الغربية بوقفها، ما لم تقدم حماس على الاعتراف بإسرائيل.

وفي الوقت الذي يحاول فيه بعض الخبراء طرح بدائل ذات طبيعة ترقيعية لتغطية عجز الميزانية العامة البالغ مليار دولار عام 2005، فإن آخرين يرون أن القضية الأكثر إلحاحا الآن هي صياغة رؤية وطنية فلسطينية للاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على المعونات الدولية التي تتيح سنويا قرابة 950 مليون دولار ولم تستطع وضع الاقتصاد الفلسطيني على بداية طريق التنمية الحقيقية. (انظر: المنح الدولية للفلسطينيين عام 2005 ).

التهديد طبيعي!

لا يرى عبد الستار قاسم -أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح بنابلس- غرابة في موقف الدول الغربية بالنسبة للمعونات، لأن التاريخ يقول إن منطق دفع المساعدات هو لتحقيق أغراض ومصالح الدول المانحة التي ترغب في أن تظل اليد الفلسطينية ممدودة، حتى تضمن انصياعها للإرادة الغربية-الإسرائيلية.

ويعتبر الأكاديمي الفلسطيني أن الدول الغربية ساهمت في ألا تكون المعونات مدخلا للتنمية الفلسطينية، ودلل على رأيه قائلا: "الغرب تعمد زيادة تضخم الطاقم الوظيفي في مختلف المؤسسات بطريقة ساهمت إلى حد كبير في صناعة الفساد".

ويرى أن الأهم من تدبير أموال لسد عجز ميزانية السلطة هو إدراك أن الاعتماد على الآخرين "كارثة وخطر محدق يلحق بنا أضرارا كبيرة ويطوع إرادتنا وقرارنا للآخرين".

ورغم اعترافه بصعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي ووقف الاعتماد الكامل على المعونات بصورة فجائية، فإنه يقول: إن "الاستكانة أشد خطرا من الاحتلال.. الرزق على الله، ويجب ألا نتراجع أو نتردد، إن أحسنا السياسة المالية -وأعتقد أننا سنحسن- فسنقتسم الرغيف ونتقاسم الآلام".

مقترحات للاكتفاء

ويتفق عمر شعبان الخبير الاقتصادي الفلسطيني مع وجهة النظر السابقة حول المعونات الدولية، ويضيف أيضا أن هناك إنفاقات ترفية تدخل ضمن دائرة الفساد. وقال: "لماذا يحصل أعضاء المجلس التشريعي على سيارات تكلف الواحدة منها خزينة الدولة 117 ألف دولار؟ ولماذا يتم رفع مرتبات أعضاء المجلس التشريعي إلى 3500 دولار شهريا.. لماذا سكت المجلس التشريعي طوال هذه السنوات عن الفساد؟ أليس من المفارقة العجيبة أن 50 شخصا متهمين بسرقة أموال تعادل رواتب 136 ألف عائلة لمدة 10 أشهر".

ويوجه شعبان عدة مقترحات للحكومة الجديدة في مجال تعزيز الاقتصاد الفلسطيني وتقليل الاعتماد على الخارج، ومنها:

- إيقاف جميع المصروفات غير الضرورية، ضاربا مثالا على ذلك بفاتورة الرواتب الشهرية التي تبلغ 95 مليون دولار، مؤكدا أن هناك تعميما وخلطا مقصودا في هذا المبلغ، حيث إن جزءا كبيرا منه يشمل "البدلات والمكافآت".

- كشف عشرات آلاف الوظائف الوهمية، حيث إن هناك أناسا منذ عشر سنوات يحصلون على رواتب من السلطة بشكل منتظم دون أن يكونوا موظفين، وكذا القضاء على ازدواجية الوظائف، حيث هناك مئات الموظفين في السلطة الذي يتبوءون أكثر من منصب ويتقاضون أكثر من راتب.

- الاستفادة من الاتفاقيات والمزايا التي منحتها عشر دول عربية للبضائع الفلسطينية والسماح لدخول أسواقها بدون جمارك (هناك اتفاقية وقعت في شهر أكتوبر 2005 تتيح للمصدرين الفلسطينيين التصدير للخارج بدون جمارك)، ولكن السلطة لم تستغلها، وهذه ميزة لا تقدر بثمن خاصة في ظل اتفاقية المعابر والتي أعطت المجتمع الفلسطيني الحق في التصدير دون مشاكل.

- إصلاح النظام البنكي، فلدى البنوك العاملة في فلسطين 4 مليارات دولار مدخرات -تساوي تقريبا 4 أضعاف المساعدات الدولية- ويستثمر 80% منها في دول أخرى. كما أن سلطة النقد الفلسطينية لديها ودائع أو احتياطات تدفعها البنوك لها كضمان ويتم استثمار أموال الضمانات في الخارج.

- صندوق التأمين والمعاشات، حيث يتم اقتطاع ما لا يقل عن 5 ملايين دولار شهريا من رواتب الموظفين، فأين ذهبت أموال هذا الصندوق؟، ولماذا لم يتم استثمارها في مشاريع مضمونة كي تدر دخلا وفرص عمل؟.

- صندوق الاستثمار الفلسطيني، والذي يدير مليارا ونصف مليار دولار، وهي أموال عامة للشعب، وتم تأسيس الصندوق في أكتوبر 2002م كمظلة استثمارية لإدارة استثمارات السلطة المرئية، وبعضها غير مرئي، وغالبية استثمارات هذا الصندوق في الخارج، وهناك أسئلة كثيرة عن طريقة إدارة الصندوق للأموال.

- آبار الغاز المكتشفة في البحر وهو من الغاز الأجود في العالم، وهذه لا يوجد أي تفاصيل عن إيراداتها، وكم هي حصيلة السلطة منها وكيف يتم التصرف في هذه الحصيلة؟.

- قضية الاحتكارات مثل شركة الاتصالات الفلسطينية، والتي انتهى حسب القانون حقها في احتكار هذه السوق منذ 5 سنوات، ولماذا لا يتم فتح السوق أمام شركات أخرى مما سيجلب على السلطة أموالا جديدة.

اقتصاد مشوه وتابع

في ذات السياق، يرى الخبير المالي الفلسطيني رامي عبدو أن إسرائيل سعت بشكل دائم إلى جعل اقتصادنا مشوها وتابعا لا يملك قراره، ويعيش بشكل دائم على المعونات، فحينما كان في أفضل أحواله عام 2000 قبل اندلاع الانتفاضة كانت الواردات الإسرائيلية تمثل 80% من إجمالي الواردات الفلسطينية.

ووفقا لعبدو فقد قيد الاحتلال الاقتصاد الفلسطيني بالاتفاقيات الاقتصادية، مثل اتفاق باريس وكذلك اتفاق معبر رفح الأخير الذي نص على أنه يمكن للبضائع المصدرة أن تمر دون رقابة إسرائيلية، أما البضائع الواردة للاقتصاد الفلسطيني فستمر عبر المعبر الإسرائيلي، أي أن الاحتلال سيتحكم بالمواد المصنعة التي يفتقدها الفلسطينيون، وستكون قادرة على التأثير في دورة الإنتاج لأي مصنع فلسطيني.

ويوجه الخبير المالي الفلسطيني عدة نصائح للحكومة الجديدة لعلها تساهم في استقلالية القرار الاقتصادي، ومنها:

- ضرورة توجيه أموال الدول المانحة لدعم مشاريع إنتاجية متوسطة وصغيرة الحجم، نظرا لأن المشروعات الكبيرة لم يكتب لها النجاح في معالجة مشاكل الاقتصاد والحصار وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية.

- السعي لتعزيز أدوات تعزز الشفافية وضبط الإنفاق الداخلي حيث يشير إلى أن الجزء الأكبر من النفقات التشغيلية -ما دون الرواتب- كانت تصرف على فئة المديرين وكبار المسئولين.

- محاولة تفعيل اتفاقيات الشراكة التجارية الموقعة مع الدول المحيطة العربية والإسلامية، وإيجاد طريقة ما من خلال المجتمع الدولي لإحداث آليات للتخلص من حالة تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي.

الدعم العربي والإسلامي

وفي مقال له بصحيفة الأهرام المصرية الإثنين 13-2-2005 طرح الخبير الاقتصادي المصري أحمد النجار أربعة محاور تساعد الفلسطينيين على مواجهة المأزق الاقتصادي الفلسطيني، وهي:

أولا: تنشيط الدعم الذي يقدمه الفلسطينيون في الشتات لبلدهم بصورة منظمة ويمكن الاتفاق على تقنينها كضريبة لبناء الاستقلال واستعادة الدولة الفلسطينية‏.

ثانيا: تأسيس صندوق عربي لدعم فلسطين،‏ ويتلقي الصندوق موارده من الدول العربية المصدرة للنفط بصورة أساسية بواقع ربع دولار فقط عن كل برميل من النفط تصدره البلدان العربية‏،‏ ونظرا لأن البلدان العربية تنتج نحو 26.5 ‏ مليون برميل من النفط حاليا، وتصدر نحو‏22‏ مليون برميل يوميا‏، فإن ربع الدولار هذا عن كل برميل من الصادرات يمكن أن يوفر نحو ‏ملياري دولار(2) سنويا لهذا الصندوق المكرس لدعم فلسطين‏.‏

ثالثا: استنهاض التبرعات من الشعوب العربية والإسلامية من خلال الأشخاص والجمعيات الأهلية كتعبير مادي عن نصرة هذه الشعوب للقضية الفلسطينية ولجهود تحرير فلسطين‏,‏ وهذه التبرعات يمكن أن تصل إلى ما يزيد على ‏1.3 مليار دولار لو دفع كل مواطن عربي دولارا واحدا فقط‏،‏ ولو دفع كل مسلم من خارج الوطن العربي دولارا واحدا لدعم فلسطين‏.

رابعا: بناء مناطق صناعية فلسطينية قائمة على التجمعات الصناعية الكبيرة في دول الجوار التي تعمل على تنشيط الاستثمارات لديها مثل الأردن ومصر‏، وبناء استثمارات زراعية في بلد مثل السودان‏،‏ وذلك لتشغيل العمالة الفلسطينية فيها بدلا من إلقائها للاستعباد في إسرائيل.‏ وهذه الاستثمارات الخارجية سوف تساعد على ضخ الفائض إلى السلطة الفلسطينية وعلى تشغيل وتطوير قوة العمل وإبقائها مرتبطة بالمصالح الفلسطينية.

يظل أن هذه مجرد اقتراحات، وعلى الحكومة القادمة أن تدرسها بما يساعدها في صياغة رؤية وطنية فلسطينية للاكتفاء الذاتي، ‏أو على الأقل تقليل الاعتماد على المعونات الدولية التي تجعل القرار الفلسطيني مقيدا.


  صحفي فلسطيني.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم