|
| من يمحو البؤس عن وجوه المهجرين بلبنان؟
|
منازل فارغة، مبان محطمة، طرق وجسور منهارة، شلل لكل مظاهر الحياة، هذا ما تسببت به إسرائيل بعدوانها السافر على الجنوب اللبناني منذ 12 يوليو 2006. والأصعب نزوح ما يقرب من 800 ألف من المواطنين اللبنانيين، فضلاً عن سائحين وعاملين وخبراء أجانب وعرب.
وقد اتخذت عمليات نزوح اللبنانيين أكثر من اتجاه؛ الأول: من مناطق الجنوب اللبناني إلى مناطق الشمال، وهؤلاء هم الذين لم تتيسر لهم إمكانيات الخروج إلى دول أخرى، وقد استقبلت هؤلاء المهاجرين المدارس والمساجد والأديرة والكنائس. ويغلب على هذه الفئة وجود الأطفال والنساء والشيوخ.
وتتطلب معيشة هؤلاء أعباء اقتصادية تتمثل في تكلفة المأكل والمشرب والعلاج، وتبقى هذه الفئة بعيدة عن إتاحة فرص عمل لمن هم في سن العمل؛ نظرًا لتوقف عجلة النشاط الاقتصادي في كل لبنان. وقد يتاح لهم بعض فرص العمل من خلال العمل ببرامج الإغاثة التي تقدم المعونات أو القيام بالتمريض أو التدريس لتلك الجموع المهجرة. لكن الأغلب الأعم لمن هم في سن العمل سوف يكونون في عداد العاطلين.
وهناك فئة ثانية أتيحت لها إمكانيات السفر فتوجهت إلى الدول المجاورة وخاصة سوريا وغيرها من البلدان العربية مثل الأردن أو غير العربية كقبرص، معتمدين على أقارب لهم أو وجود علاقات اقتصادية أو اجتماعية مع غير ذويهم في تلك البلدان.
ومن توجه إلى سوريا من هؤلاء أتيحت لهم فرصة الإقامة في معسكرات على الحدود داخل الأراضي السورية، وتصلهم بعض المعونات من بلدان عربية وإسلامية، لكن من الصعوبة بمكان أن تتوافر لهم فرص عمل، خاصة أن إمكانيات الاقتصاد السوري محدودة، فمعدل البطالة في سوريا خلال الفترة من 2000 - 2003 كان 11.7%، بحسب التقرير العربي الموحد لعام 2005، فضلاً عن أن السوريين كانوا يلجئون إلى لبنان باعتبارها امتدادًا طبيعيًّا لسوق العمل السورية؛ حيث كان عددهم قبيل العدوان يقدر بالآلاف.
أما الفئة الثالثة من المهاجرين اللبنانيين فهم الذين أتيحت لهم فرصة الحصول على جنسيات بلدان أوروبية في الفترة الماضية مكنتهم من السفر إليها حاليًّا، وهؤلاء وإن كانوا لم يجدوا الرعاية الكاملة من الدول الغربية التي حصلوا على جنسياتها مع بدء الحرب وتعرضهم لمخاطر القصف الإسرائيلي أكثر من غيرهم، فإنهم سوف يجدون في هذه البلدان بعض النظم الاجتماعية التي قد تساعدهم على استقرار حياتهم لحين الحصول على فرص عمل تتناسب مع إمكانياتهم واحتياجات سوق العمل في هذه البلدان.
وقد يتمكن هؤلاء من مساعدة ذويهم الذين استقر بهم المقام بالهجرة الداخلية في لبنان أو في دول الجوار عن طريق التحويلات المالية، وهذه المساعدات قد تساعد في إنعاش جزئي لاقتصاديات دول استقبال المهاجرين اللبنانيين، بينما سيتوقف الوضع في الداخل على حالة الحرب والسلم التي ستحدد اتجاهات الاقتصاد اللبناني مستقبلاً.
والمؤكد أن مدخرات هؤلاء المهاجرين بفئاتهم الثلاث سوف تتعرض في المراحل الأولى للاستنزاف في تكاليف السفر، وتدبير الإقامة، وما يلزمهم من متطلبات المعيشة.
الهجرة وسيناريوهات الحرب
سيكون تحديد مستقبل تيار الهجرة القسرية التي تعرض لها اللبنانيون متوقفًا على ما ستئول إليه الحرب الدائرة الآن والتي قد تتخذ أحد سيناريوهين؛ الأول: هو الحرب قصيرة الأجل والذي يفترض أن تنتهي الحرب قريبًا نتيجة للتوصل لوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات بين الجانبين، وفي هذه الحالة سوف تبدأ حركة الهجرة القسرية للبنانيين في التلاشي، وإن كان الحذر سوف يشوب عملية العودة خاصة في فترات التفاوض لاحتمالات النجاح والفشل.
ومع احتمالات التفاؤل ونجاح مفاوضات سوف تبدأ العودة بأعداد كبيرة، خاصة في ظل ما أعلن من قبل بعض الحكومات بتقديم الدعم اللازم لعملية إعادة الإعمار سواء من بلدان عربية مثل الحكومة السعودية التي رصدت 1.5 مليار دولار لهذا الغرض، منها مليار دولار كوديعة في البنك المركزي اللبناني ونصف مليار آخر لإعادة تشغيل البنية الأساسية، أو تلك المعونات التي أعلنت بعض البلدان الأوروبية عن تقديمها، إذا ما وضعت الحرب أوزارها.
كما أن حركات المجتمع المدني العالمية والإقليمية أعلنت عن حملات لتقديم الدعم، خاصة للمهاجرين داخل الأراضي اللبنانية أو للمساهمة في عمليات إعادة الإعمار.
وفى هذه الحالة لن تكون سوق العمل في لبنان قاصرة فقط على أبناء لبنان، ولكن سوف تستوعب أعدادًا أخرى من البلدان المجاورة صاحبة الفائض في قوة العمل مثل سوريا ومصر، كما حدث في منتصف التسعينيات أو من بلدان غير عربية مثل سيرلانكا والفلبين والهند، ففي خلال الفترة من 1997 - 2002 استقبلت لبنان نحو 88.7 ألف عامل منهم 32.4 ألفًا من سيرلانكا، و14.9 ألفًا من البلدان العربية، و6 آلاف من الهند، و10.1 آلاف من الفلبين. وقد مثلت العمالة المهاجرة في لبنان في هذه الفترة 30% من قوة العمل البالغة 1.4 مليون فرد.
السيناريو الثاني للحرب الحالية هو الحرب طويلة الأجل، وفي هذه الحالة سوف يشهد لبنان خروج مزيد من أبنائه، خاصة أولئك الذين لم يشاركوا في مواجهة العدوان الإسرائيلي من المدنيين؛ وهو ما سيساعد على تزايد الضغوط على دول استقبال الهجرة اللبنانية مثل سوريا وقبرص والأردن، كما سيواجه هؤلاء المهاجرون صعوبات أكثر في تثبيت أوضاعهم المعيشية والاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بحصولهم على فرص عمل دائمة تمكنهم من مواصلة معيشتهم والوفاء بالتزاماتهم الأسرية. وسوف تبرز مرة أخرى صورة اللبنانيين اللاجئين في أوروبا وأمريكا وغيرهما.
هجرة اللبنانيين.. إيجابية النتائج
وما أشبه اليوم بالبارحة؛ فمع العدوان الإسرائيلي الأول على لبنان عام 1982 والذي استمر حتى عام 2000 اضطرت أعداد كبيرة من اللبنانيين إلى الهجرة خارج بلادها.
فتشير تقديرات التقرير الإقليمي لهجرة العمل العربية الصادر عن جامعة الدول العربية يونيو 2006 بأن نحو 5300 لاجئ لبناني اتجهوا إلى كندا خلال الفترة من 1992 وحتى 2001، ووصل عدد اللبنانيين المهاجرين إلى أوروبا وأمريكا الشمالية من 56.8 ألفًا إلى 66.3 ألفًا خلال الفترة من عام 1991 - 2000، واتجهت أعداد أخرى إلى كل من قبرص وسوريا والأردن لم يبين التقرير أعدادها. كما اتجه البعض الآخر لأمريكا والدول الإفريقية التي تشهد وجودًا لبنانيًّا في الكثير من الأنشطة الاقتصادية. ويتواجد أيضًا اللبنانيون بشكل كبير في كل من أستراليا وأمريكا اللاتينية.
لكن هذه الأعداد من اللاجئين بدأت في التناقص والعودة إلى لبنان مع حركة إعادة إعمار لبنان وانتهاء الحرب الأهلية، وكذلك خروج إسرائيل من الأراضي اللبنانية في عام 2000.
وقد ساعدت الأوضاع الاقتصادية في لبنان على عودة أبنائه بعد أحداث 11 سبتمبر الأمريكية؛ لتعرض الاستثمارات العربية في أمريكا والغرب لخطر المصادرة تحت دعاوى تمويل الإرهاب، فضلاً عن التميز العنصري ضد كل ما هو عربي أو إسلامي؛ وهو ما جعل أصحاب هذه الاستثمارات يبحثون عن أماكن بديلة لاستثماراتهم فكانت لبنان من البلدان التي حازت على قدر كبير من ثقة هذه الاستثمارات؛ حيث جاءت في المرتبة الثانية بعد ماليزيا. وقد ساعد اللبنانيين على العودة تقدم اقتصادهم عن غيره من اقتصاديات المنطقة في مجال قطاع الخدمات الذي تميزوا به على مدار الفترة الماضية.
كما تشير تجربة المهاجرين اللبنانيين للخارج إلى جوانب إيجابية خلال فترة إعادة الإعمار التي تمت خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي؛ فقد ساهمت الشركات المملوكة لهم في مجال العقارات في الخليج وغرب إفريقيا بإقامة نشاط مماثل في لبنان؛ وهو ما حقق قيمة مضافة للاقتصاد اللبناني، كما أثرت تحويلاتهم بشكل مباشر على نشاط الجهاز المصرفي هناك؛ فقد ساهمت هذه التحويلات في إنشاء حوالي 42 بنكًا من إجمالي 86 بنكًا قائمًا الآن في لبنان، كما ساهموا في تمويل مشروعات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
وعلى هذا، فإن تجربة المهجرين اللبنانيين السابقة تشير إلى أنهم أحسنوا توظيف هجرتهم القسرية، وأنهم استطاعوا أن يعودوا فور أن سنحت لهم الفرصة لبناء بلدهم، غير أن المجتمع الدولي الذي يطالب بالحد من الهجرة القسرية والهجرة غير الشرعية، عليه أن يسعى لإلزام العدوان الإسرائيلي بالتوقف عن الحرب وتدمير لبنان وشعبها وتهجير أبنائها؛ حتى يستطيع اللبنانيون بناء بلدهم من جديد، ويسترجع لبنان مكانته الاقتصادية البارزة بين دول المنطقة، كاقتصاد منافس للاقتصاد الإسرائيلي كما كان قبل هذا العدوان.
باحث اقتصادي ويمكنك التواصل معه عبر بريد صفحة نماء namaa@islamonline.net
|